لا ريب أن المتدبرين لكتاب الله عز وجل توقفوا كثيرا عن هذه الآية من سورة إبراهيم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}، وقوله سبحانه في سورة فاطر {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.

ومن أطال التفكر في تلك الكلمة المشبهة بالشجر الراسخ الجذور في الأرض، ممتد الأغصان في السماء، وذلك الكلم الصاعد إلى العلي القدير سيتذكر قول الصادق المصدوق (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم) كما في البخاري عن أبي هريرة، وأحاديث أخرى تدور حول هذا المعنى.

كثيرا ما حدثنا علماء الرقائق والزهد عن خطورة الكلمة وكونها سلاحا ذا حدَّين يرفع صاحبه إلى أعلى عليين، أو يهبط به إلى دركات الخبال، وإن كان المعنى الأخير أكثر حضورا في حديث الوعاظ عن محارم اللسان، ومناصرة الظلمة في عصر الإعلام الفتاك، فإن سطرا من حياة إمام من أئمة الإسلام سجل لنا صورة بديعة من أثر بركة الكلم الطيب الذي قد يقوله صاحبه عفو الخاطر فيتحول إلى مشروع علمي لا يسد غيرُه مسدَّه ولا يغني عنه سواه.

قال كلمته ومضى

أي طالب علم لا يعرف الإمام شمس الدين أبا عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، المولود عام 673هـ في دمشق الفيحاء، والمتوفى بها عام 748هـ، وأي باحث لم تطربه عبارات الذهبي في “سير أعلامه”، وأي مؤرخ يستغني عن “تاريخ الإسلام” وذيله “دول الإسلام”.

 وأي شادٍ في الحديث وعلومه يستغني عن الذهبي الذي قال فيه تاج الدين السبكي (771هـ) “وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها”.

وعن دوره في تكوين الرجال وتخريج الأفذاذ يقول: “وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجعل حظه من غرفات الجنان موفر الأجزاء، وسعده بدرا طالعا في سماء العلوم يذعن له الكبير والصغير من الكتب والعالي والنازل من الأجزاء”. (طبقات الشافعية الكبرى 9/ 101)، والإشادات بحفظ الذهبي أكثر من أن تحصى سجلها معاصروه كالصفدي ومن جاء بعده كالحافظ ابن حجر الذي شرب ماء زمزم بنية أن يرزق حفظا كحفظ الذهبي.

يعجب الإنسان كيف استطاع الذهبي الذي عاش عمرا متوسطا 75 سنة كتابة تلك المؤلفات الكثيرة التي نعجز اليوم عن مجرد تصفح موسوعاتها كاملة؛ إذ قد بلغت مصنفاته ومؤلفاته ومختصراته في مختلف الفنون حوالي 273 عنوانا، وبعضها كما هو معروف في 52 مجلدا مثل “تاريخ الإسلام” وذيله، و”سير أعلام النبلاء” في 23 مجلدا، و”تذكرة الحفاظ”، و”ميزان الاعتدال” و”العبر في خبر من غبر” كل واحد في أربعة مجلدات ضخام.. إلخ.

لا شك أن عدد الكتب التي صنف الذهبي لا يمكن أن يؤلفها غير الموفقين الذين بارك الله أعمارهم وأعمالهم وأوقاتهم، وأغلب كتب الذهبي في الحديث أو خادمة له كاشتغاله بالتاريخ انطلاقا من علم الرجال، ووراء انشغال الذهبي بالحديث الذي صار أبرز رجاله في القرن الثامن الهجري كلمة طيبة رواها لنا في ترجمته لشيخه البرزالي في ذيل تاريخ الإسلام.

يقول الذهبي بعد أن أثنى ثناء عطرا على شيخه البرزالي “وكان هو الذي حبب إلي طلب الحديث فإنه رأى خطي فقال خطك يشبه خط المحدثين فأثر قوله في، وسمعت وتخرجت به في أشياء”، لنتخيل أثر تلك الكلمة التي قال البرزالي، ونتساءل هل كان بحق خط الذهبي يشبه الخطوط التي خبرها علم الدين البرزالي جدا؟ أم أن البرزالي قال كلمته وقد لاحظ ذكاء الذهبي وسيلان ذهنه فانتهز فرصة التوجيه مبكرا؟، أم هي مجاملة عابرة من شيخ حسن الأخلاق لكنها وافقت قدرا فكان ما كان مما رأى الناس؟ ومن هو البرزالي هذا الذي أنبتت كلمة واحدة منه هذا الكم الهائل والكيف البديع من تراثنا العظيم؟

البرزالي: جمال الروح وعظمة النفس

لا ينقضي العجب من مظاهر خلود بعض عباد الله الصالحين المؤثرين في تواريخ البشر، ومن أولئك المؤثرين العظام الذي أتوقف معهم بين الفينة والأخرى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي استشهد في سجنه بالقلعة مطلع القرن الثامن ولم يزل من قبره بدمشق يحرك الأحداث، ويوجه يوميات المسلمين، وأيام هجوم إعلام الثورة المضادة عليه في رمضان المنصرم تجددت لدي رغبة قديمة في تتبع تفاصيل حياة هذا المصلح العظيم، وقد سخر الله لها أصحاب حفاظ مؤرخون فدونوها بإتقان لا يضره بعدها تشويه مشوه ولا تحامل موتور.

وفي مصادر أخبار ابن تيمية يتردد اسم علم الدين البرزالي كثيرا بسبب كتابه “المقتفي”، واسمه القاسم بن محمد بن يوسف (665- 739هـ) وصفه الذهبي بـ”الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر علم الدين أبو محمد البرزالي الإشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي”، وهو مع الذهبي والحافظ المزي ثالث ثلاثة انتهت إليهم رئاسة التاريخ والحديث بالشام في القرن الثامن، اشتهر بدقة التوثيق والإحاطة بالتواريخ وجمع الأجزاء وكثرة الشيوخ.

وتلك سمات عامة في قرنه لكن ميزته الأساسية أو مفتاح شخصيته -حسب مصطلح العقاد- الذي استوقفني في ترجمته في مختلف المصادر عظمة نفسه وجمال روحه التي فاضت على الذهبي فحببت إليه الحديث، وحسبنا من ذلك هذه الصفات التي خلع عليه الذهبي قال: “وكان باذلا لكتبه وأجزائه سمحا في أموره مؤثرا متصدقا رحوما”، وقال في موضع آخر كان “حليما صبورا متوددا لا يتكثر بفضائله ولا ينتقص بفاضل بل يوفيه فوق حقه ويلاطف الناس وله ود في القلوب وحب في الصدور”. 

ومن صفاته التي غلبت عليه وتميز بها ما أجمع عليه مترجموه من تعاليه عن الخلافات التي اشتدت في زمانه بين صاحبه ابن تيمية وخصومه فقد كان يحترمونه جميعا، وكل منهم يفضي إليه بخالص أسراره، فهو -حسب ابن فضل الله العمري- ممن ” يصحب الخصمين وهما من هما، والنظيرين والضرغامة الأسد منهما، وكل منهما راض بصحبته واثق به لا يعدّه إلا من أحبتهـ كان عند شيخي الإسلام آخر المجتهدين ابن تيمية  وابن الزملكاني”.

يقول العمري: “وما منهما إلا من هو عليه مرتبط، وبه مغتبط، يذيع إليه سرّه في صاحبه، ويتبسّط لديه في معاتبه. وهو ساكت لا ينطق بحرف، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف، وعرف بهذا واشتهر حتى صار عندهما موضع الثقة، ومكان المقة، ومحل الصداقة المحققة، ثم كان يسعى في صلاح ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به ولا ينجز، فأغمد لسانه، وترك كلّ امرئ منهما وشأنه”. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار 5/ 548.

ويؤكد لنا صلاح الدين الصفدي تلك السمة الجميلة فيقول: “وكان دائم البشر لي جميل الود، وكان من عقله الوافر وفضله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكل منهما يعتقد صحة وده، ويبث سره إليه، وكان العلامة تقي الدين بن تيمية يوده ويصحبه، والشيخ العلامة كمال الدين بن الزملكاني يصحبه ويوده ويثني عليه”. أعيان العصر وأعوان النصر 4/ 52.

 ويفيدنا ابن كثير أنه سمع شيخه “العلامة ابن تيمية يقول: نقل البرزالي نقر في حجر”، ثم يقول: “وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه”، وقد توفي البرزالي في طريقه إلى الحج وهو محرم ونقل ابن ناصر الدين عن بعض مشايخه أن البرزالي “كان إذا قرأ الحديث ومر به حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي كان مع النبي فوقصته ناقته وهو محرم فمات… وفيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا فكان إذا قرأه يبكي ويرق قلبه فمات محرما بخليص. الرد الوافر ص 119-120.