الزواج بناء عائلي كبير تتدخل فيه العديد من العوامل والظروف، وأكثر ما يؤثر على هذا البناء الاجتماعي العلاقة بين الكنة والحماة أي بين الزوجة وأمّ الزوج، لأنها أكثر العلاقات التي تسودها التوترات والحساسية، ويرجع السبب في ذلك لرغبة كلّ من الكنة والحماة على السواء في الاستئثار باهتمام الزوج الابن، ومن شأن هذا التوتر أن يؤدي إلى مشاكل عديدة تجعل العلاقة أكثر تعقيدا.

غالبا ما تشتكي الكنة في مثل هذه العلاقة من تهديد لسعادتها صريح الزوجية وخطر انهيار أسرتها الصغيرة، قد تعيش هذه الزوجة سنة زواج أو 10 سنوات، لكن قد يأتي يوم وتقول أن حياتها مهددة. من طرف من؟ من طرف حماتها التي هي أم زوجها.

المشكلة .. قهر وتسلط!!

سيدة تقول مثلا أنها تعيش في سعادة تامة والحمد لله منذ 12 سنة، ولكن المصدر الوحيد لمشاكلها خلال هذه السنوات هي أم زوجها المعروفة بين الجميع (كما تقول الزوجة) بتسلطها وغرورها بنفسها وحقدها على كل إنسان سعيد وله صلة بها، حيث تحاول إلحاق الأذى به سواء بالقول أم الفعل، فلم يسلم منها أبناؤها وبناتها وصديقاتها. هذه السيدة تؤكد أن زوجها والحمد لله ابن بار بوالديه، وذلك بشهادة الجميع، ولكنه لا يستطيع إرضاء أمه في كل شيء، لأن ذلك فيه ظلم لها كزوجة وهو لا يرضى بالظلم لأحد.

وتواصل هذه الزوجة بالقول بأنها محتارة ومظلومة ومقهورة من ادعاءات حماتها الباطلة، وأنها حاولت بكل الطرق إرضاءها وفشلت، إلى درجة أنها تقاطعها وتمنعها من زيارتها، ولا تريد حتى- ابنها (زوجها) أن يكلمها أو يزورها أو يدخل البيت، لزيارة أبيه وإخوانه الذين لا يستطيعون مواجهتها في أي شيء حتى لا تنقلب عليهم.

هذه المشكلة من يقرأها، أو بالأحرى، من تقرأها قد تشعر بأنها تتحدث عنها، وبأن ما يحدث لهذه السيدة هو نفس ما يحدث لها. والحقيقة أن مشاكل الناس تتشابه، ومواقفهم أيضا، خاصة في مسألة العلاقة بين الكنة والحماة، لكن طرق الحل بالنسبة إليهم هي التي تختلف.

الحل .. ثم ماذا؟

يجب أن ندرك أن العلاقة بين الأم والأبناء لا تقوم على منطق الفعل ورد الفعل، بل لا تقوم على أي منطق مادي، أو حسابات مصلحية، فبأي منطق تعطي الأم من حياتها ومن صحتها ومن وقتها لأطفالها دون أي مقابل ودون أن تنتظر الشكر من أحد؟ تفعل هذا وهي تشعر بأنها فقط تؤدي واجبها كأم. إن الأمومة تعني في جانب منها الجميل، فكما سهرت عليها الأم تسهر هي على أبنائها، حتى لو لم تكن أمها عند المنشود والمنتظر منها فإنها تبذل نفسها لأبنائها.

ثم ماذا؟

ثم تأتي امرأة تحصد باسم الحب أو النظام الأسري أو غير ذلك ما زرعته تلك الأم سهرًا ورعاية وتربية، وتحصده الزوجة في لحظة، فبأي منطق يحدث هذا وأية قوة تلك؟

ليس هناك من منطق سوى أن هذه سنة الحياة، وأن الناس في هذه الجزئية إنما يتبادلون الأدوار فيوم لك ويوم عليك. قد تشعر هذه الزوجة (المظلومة) بأن هذه مبالغة. حسنا .. هذا أمر طبيعي للغاية، لأن هذه الزوجة ستمر  نفسها بنفس هذه المشاعر بدرجة أو بأخرى، حين تأتي امرأة غدًا لتأخذ ولدها منها، هذا الذي يأخذ أغلى ما فيها، وأحلى ما في وقتها وعمرها، وإن غدًا لناظره قريب، يومها ستترحم على والدة زوجها، إن كانت في الأموات وتزيد منها قربًا ولها مودة إن كانت لا تزال في الأحياء.

الحياة قصيرة جدًّا، ولا تستحق أن نكدر أنفسنا فيها، أو نكدر غيرنا، واتساقًا مع منطق الأمومة، ما ننتظره من أي زوجة هو تفهم أعمق لمشاعر والدة زوجها، ولو وصلت إلى التسلط والغرور فإن لها من سابق البذل، وعذر الشيخوخة ما يشفع لها.  وفي الأثر: “افعل المعروف في أهله وفي غير أهله”

في العلاقة بين الكنة والحماة عدة اعتبارات، وعلى الكنة أن تتعامل مع الحماة خارج المنطق ودون اعتبارات ومعايير مادية حتى يرزقها الله زوجة أو زوجات لأبنائها يعاملنها خارج المنطق، فتترفق بها في كبرها، وتعطف عليها وقد حصدت بعض زرع عمرها، ولتجد في سعة صدرها فسحة تستوعبها كما هي حتى يكافئها الله على هذا في الدنيا والآخرة “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة”.

سر السعادة مع الزوج

عندما تتحدث الكنة في وصف مشكلتها مع حماتها، عن سعادتها مع زوجها فهذا يدل على حسن تربيته وخلقه، لذا فهي مدينة لحماتها دينًا عظيمًا، الوفاء به صعب، فزوجها الذي تحبنه وتحرسنه وتسعد به وبعشرته، ربته أمه فحملته وولدته وأرضعته وأطعمته وأذاقته الحنان والحب متى امتلأ قلبه وهذبت أخلاقه وأنفقت عليه صحتها وعمرها وأرهقت نفسها خوفا ورجاء على مستقبله حتى جعلته رجلاً وزوجًا كريمًا، فهو نتاج التعب والكفاح وهو بعد ذلك ملك للزوجة ولسعادتها، الأصل في العلاقة هنا أن أم الزوج أفنت عمرها لإسعاد الزوجة، لذا فهي تستحق من الكنة المعاملة بالرفق والحب والشعور بالفضل والصبر على ما يصدر منها مهما كان سلوكها.

الأمر يتطلب دائما التريث والتفكير في حال الحماة، ولماذا تتصرف بعض التصرفات؟ فربما لأنها بعد كل ما أعطته لأبنائها انشغلوا عنها بالعمل والزوجة والأولاد وقصروا في حقها، أو ربما لأنها كانت تعاني من بعض المشاكل النفسية؛ لتأثير التغيرات الجسمية نفسيًّا في هذه السن، وربما تكون فعلا أمًّا مسيطرة ومتسلطة، على جميع الأحوال يجب على الكنة معاملتها برفق وكسب ودها.

لتطبيع العلاقة بين الكنة والحماة

هذه بعض النصائح للكنة لتصل ود حماتها:

  •  تنزلها منزلة أبويها في المعاملة والصلة وأن تناديها “أمي” ولو في حال النزاع والغضب، فلهذه الكلمة أثر عجيب في تحريك قلوب الأمهات.- ان تشعرها بأهميتها في البيت خاصة بأمور لا تجدها إلا منها مثل دوام السؤال تليفونيًّا، وتحري الزيارة، وتقديم بعض الهدايا من طعام وملبس خاصة ما تفضله وتحبه هي فهذا يسعدها ويسعد زوجها كذلك.
  • تتحدث أمامها ومن ورائها وفي غيابها بأدب واحترام و تكثر في مدحها والثناء عليها وعلى حسن تربيتها لانبها (الذي هو زوجها.)
  • تظهر إعجابها بحديثها وبمنزلها وطعامها.
  • تطلب مشورتها في أمور مهمة، تظهري احترام رأيها، تحاول تنفيذه بقدر ما ينفعها ولا يضرها ولا تدخلها في خلافاتها مع زوجها.
  • تتجنب مفاتحتها في أمور الخلاف بينهما وإذا لم ترتاح لرأيها، فلتكتفي بالابتسامة، وتغيير مجرى الحديث.
  • تتغافل عن زلاتها وأخطائها إذا كانت في بيتها، ولا تستثقل وجودها و تصر على مكوثها واستضافتها.
  • تعين زوجها على برها وتتذكر قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم: “بروا آباءكم تبركم أبناؤكم”، وقوله “كما تدين تدان”، فإن أعانت الكنة زوجها على بر والدته فسيرزقها الله زوجة ابن تعين ابنها على برها ورعايتها.

ماذا يفعل الزوج هنا؟

أما بالنسبة للزوج فعليه:

  • بر والديه حتى وإن كان في طبعهما قسوة وجفاء، فلقد أمرنا الله -سبحانه وتعالى- ببر الآباء حتى في حالة الكفر “وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا”.
  • إن من بر والدة الزوج كذلك إن ظلمت أن يرد الزوج ظلمها وينصحها، ولكن لا يجب تقديم النصيحة إلا بحب ورفق ويفضل أن تكون بطريقة غير مباشرة كأن يقال “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا”.