لا يوصف المال بالصلاح أو الفساد لذاته، وإنّما يمدح أو يذم بحسب استعماله، والصلاح وصف مكتسب من حسن استعمال صاحبه، وكذا الفساد وصف مكتسب من فساد استعمال مالكه، فطبيعة المال الحياد كسائر الوسائل ليس له صفة أخلاقية، فالسيف – مثلا – آلة لا يمدح ولا يذم لذاته، إنما ذلك بحسب استعماله في الحلال أو الحرام، فالحكم لا يتعلق بهذه الوسائل المادية، وكذلك المال.
لذا وجدنا النبي ﷺ يقول – فيما روى عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه – قال: بعث إلي النبي ﷺ فأمرني أن آخذ علي ثيابي وسلاحي ثم آتيه، ففعلت فأتيته وهو يتوضأ، فصعد إلي البصر ثم طأطأ، ثم قال: «يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله، وأرغب لك رغبة من المال صالحة» ، قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الإسلام فأكون مع رسول الله ﷺ، فقال: “يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح” [1].
وفي لفظ: “نِعِمّا المال الصالح للرجل الصالح”، قال الطحاوي: (والمال لا يكون صالحًا إلا وهو مفعول به ما أمر الله عز وجل بفعله فيه، ومن يفعل ذلك فيه بحقّ ملكه إياه فهو صالح) [2].
قيمة المال وقيمة مستخدمه في طاعة الله
ونجد في حديث آخر ما يقرر هذا المعنى وهو عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق… الحديث” [متفق عليه].
ففيه مدح لصاحب المال إذا استعمله في الإنفاق في سبيل الله، وامتدح من تمنى فعل ذلك بنية صادقة، وهذا الحديث يؤكد قيمة المال وقيمة مستخدمه في طاعة الله، بل فيه إشارة إلى نوعين من الصالحين:
- الأول: صاحب المال المنفق ماله بسخاء حتى لا يكاد يبقي شيئا منه.
- الثاني: رجل بصدق نيته يتمنى ما لذاك الثري حتى يعمل كما عمل، فكلاهما معدود في الصالحين.
ثم إن المال بذاته لا يصنع الحضارة، ولا يقيم نهضة، بل صاحبه الصالح هو من يفعل ذلك، فالمال لا فعالية له بذاته بل بفعالية صاحبه، وكم من أثرياء؟ لم تستفد الأمّة من ثرائهم؟ فلم يبنوا لها مجدًا؟ ولم يرفعوا للفقراء ذلّا؟ ولم يحصنوا شباب الأمة؟ لم يفكوا أسيرا؟ لم ينشروا علمًا؟ لم يطبعوا كتابًا؟….
أثرياؤنا- أعني كثيرا منهم- في المراكز التجارية، وفي الملاعب وشراء الفرق الرياضية، وفي استيراد المستهلكات، وفي إنتاج المسلسلات، وترتيب المهرجانات… الخ.
عقيدة الابتلاء وتصحيح مفاهيم الغنى والفقر
وحقيقة أخرى تحتاج إلى بيان، وهي أن من وهبه الله مالا وثراء فلا يحسب أن ذلك دليل على رضاه عنه، وكذلك من قدر عليه رزقه ولم يهبك مالًا، فلا يحسب أن ذلك إهانة وسخط منه، كلا، وهو ما بينته الآية:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) [الفجر : 15–19].
فهذه الآية تقرر عقيدةً تُصحّح ما يعتقده كثير من الناس أن الغنى والثراء دليل رضا الله ومحبته، وأن الفقر والمنع دليل إهانة الله وسخطه، كلا، بل الأمر الذي تؤسسه الآية إنما هو “مبدأ الابتلاء” في الحالتين، ففي كلا الحالتين ابتلاء.
قال العلامة طاهر بن عاشور: (وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين؛ حال مرضية وحال غير مرضية، وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضا. قال تعالى: (ليبلوني أأشكر أم أكفر) [النمل: 40]. وقال: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: 35]) [3].
وقال أيضا: (وحرف كلا زجر عن قول الإنسان “ربي أكرمن” عند حصول النعمة. وقوله: “ربي أهانن” عند ما يناله تقتير، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كلا القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند الله تعالى) [4].
خاتمة: المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان
من هنا ندرك أن المال في ذاته لا فعالية له إلا بحسب صاحبه، فلا يمدح ولا يذم إلا بحسب استعمال مالكه، فامتلاك المال في ذاته ليس معيارا للصلاح والنجاح في الآخرة، وكذا الفقر في ذاته ليس معيارا للهوان والسخط. وتمنّـي المال والغنى إذا كان لقصد إنفاقه في سبيل الله فهو محمود وإلا فلا خير في ذلك.
ونخلص إلى أمر مهم وهو أن صاحب المال ينبغي أن يربط قيمته بقدر ما يقدم من خير وبذل وعطاء لا بقدر ما يملك من مال وثروة.
