يعد المتشابه اللفظي في القرآن الكريم فنًّا عزيزاً من فنون علوم القرآن، وسراًّ من أسرار إعجاز رب العالمين، لِمَا يضمه من أسرار بيانية ونُكَت بلاغية تمثل وجهاً من وجوه إعجاز النظم في الكتاب العزيز.

ولقد حظي هذا العلم باهتمام العلماء قديماً وحديثاً، حيث أفرده البعض بالتصنيف، وأدرجه آخرون ضمن مصنفاتهم في علوم القرآن، واهتم به بعض المفسرين ضمن بيانهم لمعاني آي الذكر الحكيم.

وعليه، فإن علم متشابه القرآن علم جليل كان وما يزال معترك الأقران على مدى الأزمان، إذ الغرض منه: بيان الفروق الدقيقة بين الحروف والكلمات والجمل في القرآن الكريم. ويفتح الله عز وجل على من يشاء من عباده أبواب المعرفة والعلم لإماطة اللثام عن درر وكنوز القرآن العظيم.

على أن هذا العلم ذو أهمية كبيرة في خدمة القرآن المجيد، وتدبر نظمه المعجز، وتوجيه ما اختلف من الآيات المتشابهات في اللفظ بناء على علوم اللغة العربية وأقوال المفسرين الراسخين في العلم.

ومن التنبيه بمكان أن علم المتشابه يكشف عن وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم. فليس من دأب البشر الدقة البالغة في ملاحظة الملابسات، ومناسبة الكلمات والحروف، والأخذ بعين الاعتبار الحالة النفسية للمخاطبين على هذا الوجه العجيب الذي لا يمكن أن يخطئه القرآن الكريم، فهو بهذا معجز حقّاً للعالمين.

فالقرآن العظيم هو الذي بقي من الكتب السماوية منضبطا في صورته التي أُنزل بها، واضح في معانيه، غالب كل الغلبة، ومنتصر كل الانتصار على محاولات التزييف في الشكل أو المعنى، رغم الجهود المضنية التي بذلها أعداء الإسلام قديماً وحديثاً في هذا السبيل. إذ أراد الله جلَّ ذكره أن يبقى القرآن الحكيم محفوظاً كما أنزله أمين السماء جبريل عليه السلام على أمين الوحي محمد بن عبد الله : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9].

لقد سَمَّى الله جل ثناؤه القرآن: عظيماً، ومجيداً، وحكيماً، وكريماً، ونوراً، ومهيمناً على الكتاب كله، أي: على كل الكتب والشرائع السابقة. ووصفه بأنه حق، ومحكم الآيات، وألزم العالمين بالخضوع لأحكامه، وقرَّر أن الحكم بالقرآن ملزم للناس يجب الخضوع والإذعان له، وإلا خرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر والفسق. قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{[المائدة:44]، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}[المائدة:45]، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة:47].

وتحدَّى الله جلَّ شأنه الإنس والجن أن يأتوا بمثله. وكان له شأن بالغ في الدعوة الإسلامية على عهد النبي ، حتى لقد فزع أساطين الفصاحة والبلاغة من كفار قريش حينما ظهرت فاعليته في جذب ملئهم وسراتهم إلى دائرة الدين الحنيف، فقالوا لأتباعهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت:26].

وإذا حاولنا استجلاء عظمة القرآن، وخلوده وشموله وعالميته ودلائل سلطانه، وهيمنته على جميع الكتب والشرائع في مختلف الأعصار والأزمان، تبيَّن لنا أن القرآن الكريم اتجه إلى بناء شخصية جديدة للإنسان لعمارة الأرض وفق المنهاج الذي أنزله الله تعالى لحركة الإنسان فوق سطح هذا الكوكب. إذ كان القرآن يعمل على بعث القوة المعنوية في داخل الإنسان المسلم، ويزوده بالتشريعات والقيم والمُثل التي تجعل شخصيته لا يقهرها غالب من بني البشر، إن هو أحكم سلوكه على هداه.

ولهذا كان القرآن الكريم سِجِلاَّ جامعاً للشرائع النابعة من فطرة الله تعالى في الإنسان حيثما كان وأينما وُجد. واستمر القرآن بعد النبي بنفس القوة والفاعلية والصيانة من العبث والتحريف، وغزا جوانب الفكر العالمي كله، وخضعت له الهامات الشامخة متصاغرة أمام جلاله وعظمته وسيادته الروحية والفكرية جميعاً.

وسِرُّ العظمة والقوة تتجلى في أن القرآن الكريم يملك قلب الإنسان الذي ظلت فطرته سليمة: “بباهر نَظْمه، ورفيع إيجازه، وعليِّ تناسبه، وأنه يفوق كل كلام”([1]).

فكل لفظة فيه، وكل حال من أحوال اللفظ له سِرُّه ومغزاه، وله دلالته. إذ من الواضح أن كل موضع في القرآن الكريم لا يناسبه ولا يلائمه غير الوارد فيه، والله تعالى أعلم بما أراد. ففي كل آية كريمة من كتاب الله تعالى أسرار عظيمة، ومعجزات بليغة، بل في كل حرف من حروفه بيان وإعجاز. فالنصوص القرآنية تعلو ولا يُعلى عليها، لما فيها من وجوه الجمال والحسن اللفظي وروعة المعاني.

على أن معجزات القرآن الكريم التي تميز بها هي حسن التأليف، وتمام الإحكام في النَّظم، فنظمه المعجز وبلاغته الفائقة أعجزت العرب الأُوَل الذين عاصروا نزوله، وكانوا أهل فصاحة وبلاغة وبيان، وأهل ذكاء حادّ، يفهمون الكلام بإشارة خفيَّة.

ولهذا لم يملك أحد صناديد الكفر في قريش أن قال: “والله إن لقوله الذي يقوله (أي النبي ) لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى، وإنه ليحكم ما تحته”([2]).

ومع أهمية علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم في خدمة الكتاب العزيز؛ لأنه من أهم علوم الوسائل التي يُتَدَبَّرُ بها نظم القرآن المعجز، وتوجيه ما اختلف فيه من الآيات المتشابهة، للذود عن حياضه من كيد الملحدين، وحمايته من طعن الطاعنين أصحاب الأهواء. إلا أن اهتمام العلماء به لم يكن كبيراً، ولا يقاس بما أُلِّف في بعض علوم القرآن كالتفسير والنحو.

ولعلَّ من دواعي قلة التأليف في هذا العلم: وعورة مسلكه، ودقة مباحثه، إلاَّ من امتلك أدوات اللغة العربية كالنحو والبلاغة، ورُزِقَ الصبر والنظر الدقيق، والغوص على المعاني وحقائق العلم، واستخراج النُّكَت المفيدة، ومعرفة أسرار القرآن البلاغية، وما اشتمل عليه من روائع في الإعجاز والبيان والنظم.

على أن المنهج الذي سلكه علماء المتشابه في توجيه الآيات القرآنية المتشابهة في اللفظ يقوم على ما يأتي:

  1. تأمل السياق القرآني والنظر في دلالات الحروف والمباني، فجمعوا بين دلالتي الأسلوب والمعنى في توجيه المتشابه اللفظي من القرآن.
  2. ربط الآيات القرآنية بسياق السورة كاملة، والربط بين الآيات وبين الغرض الذي جاءت به السورة.
  3. النظر في بناء وحدة الأسلوب، وفي سياق النص، ومدى ملائمة العناصر بعضها لبعض، وتوافق الجزئيات الواردة في النص لتوجيه الآيات المتشابهة.
  4. ومن توجيه المتشابه الذي يكاد يكون أصلاً عند علماء المتشابه، تعويلهم على التلائم في بناء الألفاظ وتوافقها في السياق.
  5. أن توجيه الآيات القرآنية عند علماء المتشابه كلها مقبولة؛ لأن المعاني والدلالات متنوعة، لا يمنع بعضها بعضاً، والأسرار فيها لا تتزاحم مهما كثرت.
  6. أن السياق المتقدم والمتأخر للآيات له أثر في توجيه المتشابه من القرآن عند علماء هذا الفن، إذ يبنون توجيههم على نظر دقيق في السياق المتقدم والمتأخر للآيات، بل هناك من ينظر منهم في سياق السورة كاملة ليستنبط موضع الشاهد من أولها أو وسطها أو آخرها. وهذه النظرة الثاقبة الكلية من الأسس والقواعد التي بنى عليها علماء المتشابه توجيهاتهم.