طبيعة العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة معقدة ومتشابكة، وتتدخل فيها الكثير من الأسباب، وتتحكم فيها العديد من العوامل. وهي علاقات من شأنها أن تمر بعدة مراحل، وكل مرحلة لها خصوصياتها ومرتكزاتها الأساسية، لكن مرحلة الاختيار قد تكون هي أهم مرحلة، لأنها ببساطة تحدد مستقبل هذه العلاقة. وفي الاختيار علامة استفهام كبيرة: فبين المرأة والرجل .. من يخطب من؟ أو من يختار من؟ هل الرجل هو من يختار المرأة أم المرأة هي التي تختار الرجل؟

في مجالات الحياة، خاصة العملية منها، قد تحدث علاقات عاطفية أو علاقات استلطاف بين الجنسين، وعلاقات يمكن أن تتطور لتصبح مشروع زواج. لكن في بعض العلاقات قد يحدث أن الرجل لا يصدر عنه أي لفظ صريح بميل عاطفي ونية في الارتباط. وبالطبع قد يكون لهذا الصمت أسباب عديدة إما نفسية أو عائلية أو اجتماعية أو غيرها.

حوافز تيودور رايك

في حالة مثل هذه بين المرأة والرجل .. من يختار من؟ من الذي يفترض منه أن يبدأ بالكلام ويصارح الآخر برغبته في الارتباط به؟ هل يمكن للمرأة مثلا أن تبادر بشرح موقفها لتسهل على الرجل الإقدام على أول خطوة؟ أم أن أمرا مثل فعل رجولي متروك للطرف الآخر لأنه حسب العادات والتقاليد والعرف من يجب عليه المبادرة أولا. ماذا لو أن علاقة مثل هذه كان ممكن أن يكتب لها النجاح في الحياة بصورة مذهلة، لكن عائقا ما نفسيا أو عائليا وقف أمام طريقها ليكون مآلها الفشل.

يقول العالم النفسي “تيودور رايك”: “ليس لدي أي شك أنه بعد إرضاء حوافزنا الأشد أولية، فإن الانفعالين اللذين يتحكمان بحيواتنا هما: الخوف من الموت، والرغبة أن نكون موضع حب”، ومشكلة مش هذه تذكرنا بهذه الأبيات الشعرية الرقيقة:

يا ابنة الحلم الذي أرقني *** وبه استَرْوَح قلبي كل آن
لا تقولي سُوِّفت أقدارنا  *** فالتقينا بعد أن فات الأوان
ما لنفسينـا اختيار إنـه   **** قـدر شـاءه اللـه فكـان

لنخرج قليلا من مشكلات الحرب إلى مشكلات الحب، وكلها حروب على كل حال، فهذا يبدأ الصراع بين العقل والعاطفة: تقول المرأة هل أستمر كما أنا؟ أم أحاول أن أسأله صراحة؟ أم أقطع علاقتي به؟كل هذه الأسئلة التي يناقض بعضها بعضا هو: نعم! فكيف يكون جوابها جميعا بالإيجاب؟!

المرأة والرجل من يختار من؟ أو من يخطب من؟

بالطبع المرأة أو الفتاة قد تضع أمامها صورة مثالية لشاب: مسؤول وواعٍ ومنتج ومخلص ومتدين وصادق ووو… لذلك لا يستطيع أحد أن يجيب على سؤالها الأول: “هل أستمر كما أنا؟” بالنفي، فقد يكون ليس من المنطق أن تدع المرأة رجلا بهذه المواصفات يفلت من بين يديها؟ ومن قال إن الفتاة الواعية لا يحق لها أن تبحث عن الشاب الواعي وتخطِبه لنفسها؟وهنا قد تتغير أطراف المعادلة: المرأة والرجل .. من يختار من؟ إلى المرأة والرجل .. من يخطب من؟

وهنا نأتي إلى جواب السؤال الثاني الذي تطرحه المرأة: “هل أحاول أن أسأله صراحة؟” الجواب كذلك لن يكون بالنفي، ولكنه بالإيجاب، بشرط ألا يخل هذا بفضيلة الحياء التي هي من أفضل فضائل الأنثى على الإطلاق، والمرأة عادة ما تقول: يمنعني حيائي من سؤاله صراحة. فكيف ننصحها بالتخلي عن هذه الفطرة الرائعة؟ ليت كل الفتيات يعلمن أنه ما من شيء يجذب الشاب الملتزم إليهن مثل فضيلة الحياء..

لكن هناك طرق عديدة للتحايل على المشكلة، نعم.. يمكن سؤال الرجل عن طريق شخص آخر.. لنسمِّه وسيطا أو وسيطة، ويفضل أن يكون ممن يؤتمنون على السر، وأن يكون مقربا إلى الطرفين، وقد يمنع الحياء المرأة من ذكر هذا لأخيها أو أبيها، لكن يمكن أن تشرح معاناتها لوالدتها أو أختها التي تثق بحكمتها، أو صديقة توقن بمحبتها ورجحان عقلها، وتقوم إحداهن بجس نبض الطرف الآخر بأي طريقة.

مهمة البوطي

لكن، لأن الوضع حساس في مجتمعاتنا التي لا تقبل هذا التصرف من امرأة، وتنسى أن خير نساء العالمين خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – أرسلت في خطبة النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – على اختلاف الروايات بين أنها أرسلت صاحبتها نفيسة، وبين أنها أرسلت غلامها ميسرة.

فمراعاةً للقصور العقلي المتجذر في مجتمعاتنا، والمتمثل في تقاليدها البالية، يمكن بأن تقوم “المرأة الوسيطة” سواء الوالدة أو الأخت أو الصديقة، بنقل هذه الصورة التي رسمتها المرأة عن الرجل في ذهنها، إلى رجل واعٍ حكيم قد يكون والدها، أو أخاها أو زميلها في العمل، بحيث يرتبط مع هذا الرجل بصداقة بادئ الأمر لتسهيل الأمور.

وهنا نذكر مثالا طيبا تركه الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، وهو أن فتاة أرسلت تسأله أنها أحبت شابًا، وتمكن حبه من قلبها، فنصحها بما سبق، لدرجة أنه عرض عليها في حال إن لم تجد أحدًا ترسله، فإنه مستعد هو بنفسه أن يقوم بهذه المهمة، برغم أنه كان عميد كلية الشريعة الإسلامية في دمشق.

هناك سؤال قد يبقي عالقا في ذهن المرأة، وهو: هل تقطع علاقتها به إذا لم يفاتحها في الموضوع؟ قد يكون هذا أحد السبل والوسائل التي تستخدمها النساء لتتأكد من اهتمام الرجل حقا، قبل أن ترسل له أحدا يجس نبضه، ويزكيها عنده. لكن هذه الطريقة تتوقف على طبيعة الرجل في حد ذاته. فهناك من الرجال من يتصفون بالجدية والالتزام والحرص والانتباه، وهناك من الرجال من يتصفون باللامبالاة والتهاون والكسل وأيضا الخجل. وفي هذه الحالة فإن قطع العلاقة يقتلعها من جذورها بدون إعطاء أي فرصة.

أنانية رجل

الرجل ليست طريقة تعبيره عن الحب والاهتمام بالآخر كطريقة المرأة، فهو يتخيل أن المرأة تفهمه كما هو، ومع أنه يحبذ أن يلمس اهتمامها به، بل قد يوصله هذا الاهتمام إلى حالة من النشوة النفسية، لكن الأنانية في العاطفة والمغروسة في فطرة الرجل أكثر من المرأة – التي هي نبع العطاء والحنان – تجعله يعتقد أنها تشعر باهتمامه بها، حتى لو لم يعبر عنه، فينسى طبيعة المرأة العاطفية، وأن قلقها وحذرها الفطري يجعلها تشك في أنها قد تفقد رجلها في أي لحظة، ولذلك هي بحاجة إلى أن يؤكد لها هذا الحب في كل وقت.

هذا الكلام يعتمد على تحليل نفسي لكل من الرجل والمرأة، فحب المرأة منح وعطاء، وحب الرجل أخذ وانتزاع، وسبحان من خلق فطرة أحدهما مختلفة عن الآخر ليجد كلا منهما في الشخص الثاني ما يكمله فتبارك الله أحسن الخالقين!

هذا من الناحية النفسية، أما من الناحية الشرعية، فعلى المرأة أو الفتاة أن تتوقف عن الانسياق وراء عواطفها فقط، وأن تحكم عقلها وتهتم بدينها وأخلاقها وثقافتها.  والمرأة العاقلة هي من تفكر أولا بأسوأ النتائج كي لا تتفاجأ، وتبني تصرفاتها على هذا الأساس، وليبقى حديثها مع الطرف الآخر ضمن إطار العمل والزمالة والدراسة لاغير، فما دامت ملتزمة بالحياء والخلق، فليكن تصرفها هذا نابعا من نفسها، وأَحَبّ الأمور إلى نفس المسلم السوي أحبُّها إلى الله.

والكلام عن فطرة الرجل في الانتزاع، تقودنا إلى القول أن الرجل يحب أن يشعر أنه صياد ماهر، ولا يوجد صياد ماهر يتباهى بصيد فريسة سهلة، بل على العكس: كلما قاومت الفتاة أسهم هذا في انجذاب الرجل إليها.

لكن قد يخطر السؤال التالي: كيف إذن تعرض المرأة نفسها على الرجل عن طريق شخص آخر؟

هنا يجب أن نذكر أنه ما من فطرة إلا ويمكن تهذيبها، وإذا كان الرجل يتصف بالالتزام، فربما يكون التزامه بالدين مهذِّبا لهذه الفطرة، فلا يمانع أن يستن بسنة خير الأنبياء محمد – صلى الله عليه وسلم – في الزواج من خديجة – رضي الله عنها – كذلك فإن رغبته في المرأة قد تزداد إذا تبين له أنها ترغب فيه كزوج وشريك لحياتها.

طبيعة إنسان

وفي الأخير، يجب أن نقول: في قضية الشكوى النسائية المتكررة من جفاء وجفاف رجال اليوم في التعبير عن الاهتمام والحنان الذي تشعر به المرأة التي هي بحاجة دائمة لتلقي رسائل واضحة من رجلها .. هذا الوضع مرده إلى الأنانية في العاطفة، والمغروسة في فطرة الرجل أكثر من المرأة، لأنه إن كان الموضوع أمر فطرة لا يد للرجل فيها فهو معذور إذن، لأنه مفطور.

فهل نقول له أنت معذور من ناحية، ولكنك مطالب بتهذيب هذه الفطرة؟! أم أن الأمر ليس أمر فطرة، وإنما طبع خلقي ربما رسخته الممارسة والثقافة الاجتماعية السائدة التي ترى تعبير الرجل عن عواطفه بحرارة ووضوح أمرا مستهجنا، مهما كانت العواطف؟!

في مجتمعاتنا – للأسف – ممنوع على الرجال أن يبكوا علانية أو يتألموا أو يظهروا ضعفهم، فقط لأنهم رجال، فلماذا يبدو مطلوبا منهم التعبير عن الغرام والحب والحنان كل لحظة؟! فالمرأة أي رجل تريد؟ والرجل أي امرأة يريد؟ أليست كلها مشاعر إنسانية؟! والتعبير والإظهار هو نفسه أكثر وأبلغ من حيث المبدأ؟! إننا بحاجة إلى الكثير من الأسئلة والأجوبة التي تتغير مع تغير العصر، وأن لا ننخدع حول ما يقدَّم بوصفه بديهيات.