يضع اختصار التاريخ الإسلامي صاحبه أمام مهمة الجمع بين اتساع الحقب ووضوح العرض، مع ما يقتضيه انتقاء الدول والأحداث من تحديد لمنظور القراءة وحدودها. ويتخذ كتاب «الموجز في التاريخ»، للباحث في العلوم الإسلامية والسياسية الدكتور عبد المعين الطلفاح، من حاجة القارئ إلى الإحاطة بالمراحل الكبرى منطلقا لتقديم مادة تاريخية موجزة، تستند إلى قراءات المؤلف في كتب المتقدمين والمتأخرين.

صدر كتاب “الموجز في التاريخ” عن جمعية البلاغ الثقافية في قطر، ويقع في 256 صفحة، يقدم خلالها أبرز الدول والأحداث والحقب ضمن خريطة أولية تعين القارئ على اختيار وجهة قراءته اللاحقة والتوسع في دراسة المرحلة التي تستوقفه. ويكشف نطاق الفصول وتوزيع موضوعاتها عن المساحة المخصصة لكل مرحلة، فيما تصوغ المقدمة منظور المؤلف إلى كتابة التاريخ الإسلامي، وعنايته الخاصة بتاريخ الصحابة والخلافة الراشدة، وتربط اختياراته بالمقصد التعليمي للكتاب.

منظور المقدمة وسؤال التوثيق

تستهل المقدمة بتقرير أن تاريخ المسلمين، في مراحله القديمة والحديثة، تعرض لمحاولات تشويه وتزوير تجاوزت، بحسب تقدير المؤلف، ما عرفته تواريخ الأمم الأخرى، وطاولت الوقائع وسير الرجال. ويخص الطلفاح تاريخ الصحابة عموما ومرحلة الخلافة الراشدة خصوصا حيث يرى في هذه المرحلة النموذج التطبيقي الواقعي لأحكام الإسلام والامتداد الطبيعي للسيرة النبوية، ويصف الصحابة بحملة الدين ونقلته بعد الرسول ﷺ.

ويتتبع المؤلف ما يعده حملات تشويه امتدت من صدر الإسلام إلى كتابات المستشرقين. ويربط، في تفسيره لهذا المسار، بين الإخفاق العسكري للحملات الصليبية والتوجه إلى الغزو الفكري والثقافي، معتبرا التاريخ الإسلامي ميدانا لتحرك المستشرقين “تحت ستار المنهجية العلمية والعقلانية”. وتعكس هذه القراءة المنظور الذي تنطلق منه المقدمة في تناول العلاقة بين الرواية التاريخية والدفاع عن صورة الماضي الإسلامي.

وفي السياق عينه، يستند الطلفاح إلى قراءة الدكتور محمد البهي للعلاقة بين الاستعمار الغربي والدراسات الاستشراقية. وينقل عنه أن الاستعمار تبنى هذه الدراسات في الجامعات الغربية، وعمل على تصديرها إلى الشرق الإسلامي عبر الكتب الموجهة إلى طلاب الثقافة، وعبر المبتعثين الذين ينالون ألقابا علمية تؤهلهم لشغل مواقع التوجيه في الكليات النظرية بالجامعات الحديثة.

قراءة التاريخ واكتساب الخبرة

يضع المؤلف قراءة التاريخ ودراسته في موقع متقدم بين أولويات المسلم، مستحضرا ما يتيحه الاطلاع على تجارب السابقين من اعتبار وخبرة. ويستشهد بكلام ابن الأثير عن أثر معرفة سير الحكام في تقويم السلوك السياسي، وعن الصلة بين تدوين أعمالهم وما تتركه من ذكر في الأجيال اللاحقة.

وبحسب هذا الاستشهاد، يدعو الوقوف على أخبار أهل الجور، وما أعقب حكمهم من سوء الذكر وخراب البلاد وهلاك العباد، إلى استقباح مسالكهم والإعراض عنها. وفي المقابل، تحفز سير الولاة العادلين، وما اقترن بها من حسن الذكر وعمران الممالك، على استحسان أعمالهم والاقتداء بها. ويضيف ابن الأثير فائدة معرفة الآراء الصائبة التي دفعت بها مضار الأعداء وصينت بها نفائس المدن.

وتقترن هذه الفوائد، لدى الطلفاح، بالحاجة إلى تيسير الوصول إلى المادة التاريخية. ويلاحظ المؤلف صعوبة تعامل كثير من القراء مع المطولات واستطالتهم القراءة فيها، موضحا أن كتابه يجمع خلاصة قراءاته في مؤلفات المتقدمين والمتأخرين، ويقدمها في صيغة تعين على تكوين معرفة أولية بالحقب الكبرى.

نطاق الاختيار وغاية الإيجاز

يتتبع الكتاب أهم دول الإسلام، بدءا بالخلافة الراشدة وانتهاء بالدولة العثمانية، مرورا بدويلات قامت في ظل الخلافة العباسية. ويوضح المؤلف أنه يكتفي بعرض تلك الدويلات بدلا من إفراد تاريخ الدولة العباسية بعرض مستقل، محددا بذلك جانبا من نطاق التغطية وطريقة توزيع المادة.

ويحصر الطلفاح غايته في تقديم مختصر لما قرأه، يتيح للقارئ الإطلالة على أهم الحقب واستبانة معالم المرحلة التي يرغب في دراستها. ويضع هذا المقصد في حدود التعريف والتمهيد للقراءة المتوسعة، مع تمييزه من التأليف التاريخي المتخصص وإعداد المؤرخين.

من الخلافة الراشدة إلى السلاجقة

يتوزع الكتاب على ثمانية فصول وملحق، ويخصص الفصل الأول لعهدي أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – ، في أربعة مباحث، يفرد لكل منهما مبحث عن عهده وآخر عن فتوحاته. ويتناول الفصل الثاني عهدي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – في خمسة مباحث، تشمل عهد عثمان وفتوحاته والفتنة ومقتله، ثم عهد علي وانتقاله إلى الكوفة وما رافق عهده من فتنة.

وينتقل الفصل الثالث إلى الدولة الأموية في أربعة مباحث، يميز فيها بين مرحلتيها السفيانية والمروانية، ويتوقف عند فتوحات عبد الملك وابنيه والخلفاء الذين جاؤوا بعده. ويتناول الفصل الرابع دولة السلاجقة والباطنيين، موسعا نطاق العرض إلى القوى التي يتتبعها الكتاب في المراحل التالية.

من الحروب الصليبية إلى العثمانيين

يخصص المؤلف الفصل الخامس للدولتين الزنكية والأيوبية، ويستهله بمبحث عن الحروب الصليبية، ثم يعرض الدولة الزنكية والدولة الأيوبية، ويختتمه بمصير الأيوبيين بعد صلاح الدين. ويتناول الفصل السادس دولتي المرابطين والموحدين في مبحثين، يفرد كل منهما لإحدى الدولتين، ويجمع الفصل السابع بين قيام دولة المغول ودولة المماليك.

ويختتم المتن بالفصل الثامن عن الدولة العثمانية، وفيه مباحث عن أبرز السلاطين، وفتح القسطنطينية والسلاطين اللاحقين، وعلاقة العثمانيين بالشمال الإفريقي، ثم اضمحلال الدولة. ويتبع ذلك ملحق بعنوان «ورقات في تاريخ القدس وفلسطين»، يصل العرض التاريخي بموضوع حاضر في الوعي المعاصر.