تجمل القرن السابع الهجري بحراك علمي استثنائي، حتى اعتبره الكثير من المؤرخين عصر المدارس الكبرى والموسوعات العلمية، على الرغم من الاضطرابات السياسية العنيفة في ذلك العصر -مثل سقوط بغداد على يد المغول وسقوط الأندلس- حيث يُلاحظ أن الحركة العلمية شهدت طفرة هائلة في ظهور العلماء العاملين الربانيين والمجتهدين والمؤلفين، ومنهم: “الإمام المحدث الفقيه الأوحد، بقية السلف، شرف الدين، أبو الحسين بن الإمام الرباني الفقيه أبي عبد الله، اليونيني الحنبلي”[1].

ولد اليونيني علي بن أحمد بن عبد الله في بعلبك سنة 621هـ، واليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بعلبك اسمها “يونين”، ونشأ في بيت علم وفضل؛ فأبوه تقي الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد اليونيني كان من كبار علماء الحديث والفقه، وكان لأسرة اليونيني حضور علمي بارز في بعلبك، وكان أخوه قطب الدين موسى اليونيني مؤرخًا معروفًا، صاحب كتاب “ذيل مرآة الزمان”[2].

وقد أسهم هذا الوسط العلمي في تكوين شخصيته الحديثية، فجمع بين الاشتغال بالحديث والفقه واللغة وسائر العلوم التي يحتاج إليها المحدث في ضبط الرواية وفهم النص.

وتلقى علومه الأولى في بلده بعلبك ودمشق، ثم ارتحل إلى مصر طلبًا للحديث، ودرس على يد أكثر من سبعين شيخًا ومدرسًا من كبار علماء عصره، ومن أبرزهم: الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب “الترغيب والترهيب”؛ حيث لازمه وتخرج به في مصر، وابن الصلاح صاحب “المقدمة” الشهيرة في علوم الحديث، والرشيد العطار، والعز بن عبد السلام[3].

إلى أن بلغ منزلة رفيعة في الحديث، وصار واسع المعرفة بالرواية والأسانيد، حافظًا لكثير من المتون، وله عناية باللغة والألفاظ الغريبة وضبط أسماء الرجال، ووصفه الذهبي بأنه “الإمام المحدث الحافظ”[4].

ورُوي أنه سُئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رحمهما الله تعالى-: أنت تحفظ “الكتب الستة”؟ فقال: “أحفظها وما أحفظها”، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: “أنا أحفظ (مسند أحمد)، وما يفوت المسندَ من الكتب إلا قليل[5].

كما نقل الإمام الذهبي عنه أنه “كان حسن الدراية بقوانين الرواية، جيد المشاركة في معرفة الألفاظ والرجال، صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب[6].

وأخذ عنه عدد من الحفاظ والعلماء، وكان من أشهر من أكثر عنه الذهبي والبرزالي، وقد صرح الذهبي بأنه لازمه وانتفع به حيث قال: “ولزمته نيفًا وسبعين يومًا، وأكثرت عنه”[7].

وكان -إلى جانب علمه- معروفًا بالوقار والتواضع وحسن المجالسة، ووصفته كتب التراجم بأنه كان فصيحًا، حسن الكلام، محبوبًا بين الناس، كثير التودد إلى أصحابه.

وكانت وفاة اليونيني في بعلبك في رمضان سنة 701هـ، بعد حادثة اعتداء تعرض لها في خزانة الكتب؛ فقد دخل عليه رجل واضطرب أمره، فضربه، وأصابه في رأسه ويده، ثم اشتد عليه المرض حتى توفي. ووصف الذهبي وفاته بالشهادة. وقد حزن عليه الناس، وكانت له مكانة ظاهرة بين أهل العلم في عصره.

مسيرة صحيح البخاري عبر العصور

أولًا: مرحلة التأليف والمراجعة على يد الإمام البخاري (ت 256هـ)

مكث الإمام البخاري ست عشرة سنة في تصنيف كتابه “الجامع الصحيح”، منتقيًا أحاديثه من بين ستمائة ألف حديث من محفوظه ورحلاته الواسعة في بلدان العالم الإسلامي، واشترط شروطًا شديدة لصحة الحديث، منها: اتصال السند، وعدالة الرواة وظبطهم الدقيق، وظل يراجعه وينقحه خلال مدة تأليفه، ورُوي عنه أنه قال: “صنفت جميع كتبي ثلاث مرات[8]؛ فبلغ عدد أحاديث الكتاب المنتقاة سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثًا بالمكرر، والخالص منها بدون تكرار ألفان وستمائة حديث وحديثان حسب استقراء الحافظ ابن حجر، وكان من عادة البخاري أن يغتسل ويصلي ركعتين استخارة قبل أن يضع أي حديث في كتابه، ثم عرض كتابه على كبار الحفاظ مثل: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين؛ فأقروه، وسماه: “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه”، ثم لم يكن الكتاب في هذه المرحلة مجرد نص جامد، بل كان يتداوله البخاري قراءة وإسماعًا على تلاميذه.

ثانيًا: مرحلة القراءة على البخاري وانتقال الكتاب إلى تلاميذه (القرن الثالث الهجري)

قرأ عدد كبير من تلاميذ البخاري عليه، وسمعوه منه، ومن العبارات التي تظهر ضخامة عدد المتلقين عنه ما قاله علي بن صالح مستملي البخاري: “كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا”[9].

ثم إن الذين سمعوا الجامع الصحيح من البخاري مباشرة بلغوا عددًا كثيرًا؛ حيث نُقل عن الإمام محمد بن يوسف الفربري قوله: “سمع الصحيح من أبي عبد الله نحوٌ من تسعين ألف رجل، ما بقي أحد يرويه غيري”[10].

ولكن استقر النقل والتدوين التاريخي عن طريق تلامذته الذين ضبطوا النسخ الأصلية بشكل كامل ومشترك، وأشهرهم ثلاثة: محمد بن يوسف الفِرَبْري، وإبراهيم بن معقل النسفي، وحماد بن شاكر النسوي، الذين بهم عُرفت نسخ الصحيح، وكان أبرز الثلاثة: محمد بن يوسف الفِرَبْري، الذي أصبحت روايته من أشهر روايات الصحيح وأوسعها انتشارًا.

ثالثًا: مرحلة رواية الفربري وانتشار الصحيح وتعدد أصوله (القرن الرابع الهجري)

روى الفربري الصحيح عن الإمام البخاري، وروى عنه عدد من العلماء، وتشكلت من خلالهم “الروايات الأمهات” للصحيح، ومن أشهرهم:

  1. سعيد بن عثمان بن السَّكَن، توفي سنة 353هـ.
  2. محمد بن أحمد بن يوسف المروزي، أبو زيد، توفي سنة 371هـ.
  3. محمد بن محمد بن مكي الجرجاني، أبو أحمد، توفي سنة 373هـ.
  4. إبراهيم بن أحمد المستملي، أبو إسحاق، توفي سنة 376هـ.
  5. عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أبو محمد، توفي سنة 381هـ.
  6. محمد بن مكي الكشميهني، أبو الهيثم، توفي سنة 389هـ.

وهكذا تفرقت رواية الفربري في الآفاق الشرقية والغربية عن طريق هذه الطبقة، حتى غلبت رواية الفربري وصارت هي الروايات المتداولة في القرون اللاحقة، وكان لها أثر بالغ في بقاء نص الصحيح وانتشاره.

رابعًا: مرحلة جمع رواية الفربري وتحريرها وضبط أصولها الكبرى (القرن الخامس الهجري)

تشعبت روايات الفربري وتعددت طرقها في القرن الخامس حتى نشأت الأصول والروايات التي اختلفت في بعض الألفاظ والتراجم والأسانيد، مع اشتراكها في أصل واحد الذي هو رواية الفربري عن البخاري.

ومن هنا ظهر العلماء الذين اعتنوا بجمع تلك الروايات المتفرقة في أصول مقابَلة ومضبوطة، وقارنوا بينها لإثبات الفروق في الكلمات والحروف، وأبرزهم أبو ذر الهروي؛ حيث قام برحلة واسعة للجمع بين الرواة الثلاثة عن الفربري -المستملي، والسرخسي، والكشميهني- وأثبت اختلافاتهم واختياراتهم في أصله المشهور، وهو من أهم أصول الصحيح، وكريمة بنت أحمد المروزية؛ العالمة المحدثة التي “إذا حدَّثت قابَلتْ بنسختها” وكانت معروفة بالمنهج التدقيقي وعدم التساهل بالإجازة، والأصيلي الراوي عن أبي زيد المروزي وغيره، حيث ضبط نسخته وقابلها بدقة بالغة، ومعه أصل الحافظ أبي الحسن القابسي، وغيرهم ممن أسهموا بشكل كبير في ضبط النص والمقارنة بين الروايات.

خامسًا: طبقة كبار رواة صحيح البخاري وأصوله في المشرق والشام (خلال القرنين السادس والسابع)

تتابعت الأسانيد والأصول العالية إلى دمشق والمشرق عبر أئمة مسندين ومحققين، أمثال أبي الوقت عبد الأول السجزي الراوي عن الداودي، عن السرخسي، عن الفربري، وأصل الحافظ ابن عساكر محدث الشام الذي كان له أصل متقن من الروايات المختلفة. ثم توارث هذه الأصول تلاميذُ ابن عساكر وأبي الوقت حتى وصلت إلى علماء القرن السابع كشيوخ اليونيني مثل ابن الصلاح وغيره.

إضافة إلى ذلك، ازداد الاهتمام بالصحيح في القرون التالية، من حيث شروحه ومستخرجاته وفهارسه، ومن أبرز العلماء الذين خدموه: الخطابي، والمهلب، وابن بطال وغيرهم؛ فأسهم هذا النشاط في حفظ نصوص الكتاب وتفسير مشكلاته ومقارنة رواياته.

عناية الحافظ اليونيني بصحيح البخاري وأثرها في ضبط نصه (القرن السابع)

تمثل خدمة الحافظ شرف الدين اليونيني لصحيح البخاري نقلة نوعية؛ لأنه لم يكن مجرد ناسخ للصحيح، وإنما قام بعمل علمي نقدي واسع لجمع روايات الصحيح ومقابلتها وضبطها، حتى أصبحت نسخته أساسًا مهمًا لكثير من النسخ اللاحقة.

أبرز وجوه أهمية عمل الحافظ اليونيني: تتجلى أبرز وجوه أهمية عمل الحافظ في الأمور الآتية:

أولًا: جمع الروايات المتفرقة لصحيح البخاري

  • أ. أصل اليونيني: نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي: تتميز نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي من صحيح البخاري بمكانة خاصة في تاريخ نقل الكتاب؛ إذ لم تكن مجرد نسخة منقولة عن طريق واحد، بل قامت على رواية كريمة المروزية عن الكشميهني عن الفربري، وقابلها عبد الغني بأصول أخرى من رواية كريمة، فأثبت ما بينها من فروق وزيادات ونقائص، مما أكسب نسخته مزيدًا من الضبط والتحرير، كما أن أصل عبد الغني نفسه كانت عليه سماعات وقراءات معتبرة. وفي سنة 630هـ حضر اليونيني في دمشق مجلسًا لقراءة صحيح البخاري على الزبيدي، وكان من الحاضرين عدد من أحفاد عبد الغني المقدسي وأهل العلم. ويذكر اليونيني في مقدمة عمله أنه سمع الصحيح في ذلك المجلس، وأن القراءة كانت من أصل عبد الغني المقدسي، وإسناد ذلك الأصل ينتهي إلى أبي الوقت عن الداودي عن الحموي عن الفربري عن البخاري. فهذا يعني أن العلاقة بين اليونيني ونسخة عبد الغني بدأت بالسماع والاتصال العلمي قبل أن ينسخ اليونيني نسخته المشهورة بسنوات طويلة، لأنه بعد نحو أربعين سنة، استنسخ اليونيني نسخته المشهورة من نسخة عبد الغني المقدسي، وكان ذلك سنة 669هـ. ولا يعني هذا أن نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي هي المصدر الوحيد الذي بنى عليه النص؛ وإنما كانت الأصل الذي نسخ منه أولًا، ثم قابل نسخته على أصول وروايات أخرى من روايات البخاري، وجرى عليها عمل نقدي ومقابلة واسعة.
  • ب. الأصول الأربعة الرئيسة التي قابل عليها الحافظ اليونيني روايات صحيح البخاري : وهي أصول روايات مشهورة، وقد نص اليونيني نفسه عليها في مقدمة نسخته، وهي:
  1. أصل أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت 392هـ): وهو من كبار رواة صحيح البخاري، وكانت نسخته من طريق أبي زيد المروزي والجرجاني، عن الفربري.
  2. أصل أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي (ت 434هـ): وهو من أشهر أصول رواية البخاري، وروايته عن شيوخه الثلاثة: الحموي والمستملي والكشميهني، عن الفربري، عن البخاري.
  3. أصل الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر (ت 571هـ): وهو الأصل المعروف بـ “رواية ابن عساكر”، وقد كانت له روايات متعددة عن الفربري.
  4. أصل مسموع على أبي الوقت عبد الأول السِّجْزي (ت 553هـ): وهو أصل نفيس كان محفوظًا في المدرسة السميساطية، وقرأه على أبي الوقت جماعة من الحفاظ، ومنهم أبو منصور السمعاني.

وهذه الأصول الأربعة لم تكن كلها مستقلة عن رواية الفربري كما ترى، وإنما تمثل طرقًا وأصولًا مختلفة في نقل روايته، مع وجود فروق بينها في بعض المواضع، ثم ليست هذه الأربعة هي كل الأصول التي عرفها اليونيني أو استفاد منها، فقد كانت له أصول أخرى، منها رواية كريمة المروزية وغيرها، لكن هذه الأربعة هي التي جعلها اليونيني الأصول الأربعة المرجعية الأساسية في ترميز نسخته.

ثانيًا: المقابلة الدقيقة بين الأصول

كانت أهميته في أنه لم ينسخ أصلًا ثم يكتفي به، بل قابل النسخ بعضها ببعض، وأثبت الفروق بينها، حتى في الأمور الدقيقة جدًا؛ كزيادة حرف أو نقصانه، واختلاف لفظ الرواية أو ضبطه. وتظهر مقدمته منهجًا خاصًا في استعمال الرموز للإشارة إلى الأصول الأربعة التي جعلها أساسًا للترميز، وهي:

  • (هـ) أبو ذر الهروي، وربما ميز أحيانًا بين روايات شيوخه الثلاثة، واستعمل رموزًا خاصة لهم.
  • (ص) الأصيلي.
  • (س) ابن عساكر.
  • (ظ) أصل أبي الوقت المقروء على السمعاني.

ثم وضع اليونيني قاعدة دقيقة وهي: إذا اتفقت الأصول الأربعة على لفظ، وضع رموز الأربعة على ذلك اللفظ هكذا: “هـ ص س ظ”، وتعني: هذا اللفظ ثابت في الأصول الأربعة.

وإذا اتفق ثلاثة من الأربعة، وأسقط الرابع، فإنه يحذف رمز الرابع. فمثلًا: “هـ ص س” معناه أن اللفظ موجود في الهروي والأصيلي وابن عساكر، وليس في أصل أبي الوقت، وهذه قاعدة صريحة في مقدمة اليونيني: “وما اتفق عليه ثلاثة منهم أسقطت رسم أحدهم”.

وإذا اتفق اثنان أثبت رمزي هذين الأصلين، مثلًا: “ص س” أي أنه موجود في أصل الأصيلي وابن عساكر، دون الأصلين الآخرين، وإذا لم يكن اللفظ في شيء من الأصول الأربعة، هنا استعمل اليونيني علامة (لا) ومعناها أن اللفظ الذي أمامك ليس موجودًا في الأصول الأربعة.

ومَثَّل اليونيني بحديث: “جمعه لك في صدرك” كما ورد في إحدى الروايات، ولكن عند الأصول الأربعة برواية: “جمعه لك صدرك”، أي أن كلمة “في” موجودة في رواية معينة، لكنها ساقطة من الأصول الأربعة، فوضع اليونيني على كلمة “في” علامة تدل على أنها ليست في الأصول الأربعة (لا)، ووضع رموز الأصول الأربعة للدلالة على سقوطها منها، ولم يحذف الكلمة من نسخته لمجرد أنها ليست في الأكثرية؛ بل أبقاها ليظهر للقارئ اختلاف الروايات، ووضع العلامات التي تمكنه من معرفة حالها[11].

ومقصد اليونيني من كل هذا أن يثبت الروايات كما وجدها في أصوله، مع بيان مواضع الاتفاق والاختلاف، حتى يستطيع طالب العلم أن يعرف الرواية الموجودة عند كل أصل دون بيان الترجيح بينها.

ثالثًا: المحافظة على تعدد روايات البخاري

من المهم ألا نفهم عمل اليونيني على أنه محاولة لاختيار رواية واحدة وإلغاء ما عداها؛ بل كان المقصود إثبات اختلاف الروايات المعتبرة وتمييزها، بحيث يستطيع الطالب أو الباحث معرفة ما جاء في كل أصل من الأصول التي قابل عليها.

رابعًا: تحرير ألفاظ صحيح البخاري وضبطها

امتد عمله إلى تحرير ألفاظ صحيح البخاري وضبط حركاتها من خلال مقابلة الروايات والأصول، وضبط الإعراب عند الحاجة لا مجرد نسخ متن واحد، وهنا برز تعاون اليونيني مع جمال الدين ابن مالك (ت 672هـ)، الذي حضر مجالس المقابلة، وكان ينظر في مشكلات الألفاظ من الناحية اللغوية والنحوية، ويناقش الألفاظ التي تحتاج إلى توجيه لغوي؛ حيث تمثل مشاركته في مجالس ضبط صحيح البخاري المرجعيةَ اللغوية والنحوية داخل مشروع ضبط الرواية؛ وكان اليونيني هو الشيخ في الرواية والسماع، وكان ابن مالك مستفيدًا من اليونيني في الرواية، وفي المقابل استفاد اليونيني من ابن مالك في ضبط الألفاظ من الناحية اللغوية والإعرابية، وقد أثمرت هذه المشاركة عن جملة من التوجيهات اللغوية التي جمع ابن مالك جانبًا منها في كتابه: “شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح”.

ولذلك كان اجتماع اليونيني المحدث وابن مالك اللغوي ذا قيمة خاصة في تحرير ألفاظ الصحيح.

"النسخة اليونينية " أدق طبعة لـ صحيح البخاري عبر التاريخ
الطبعة السلطانية لصحيح البخاري، المطبعة الأميرية بمصر (1311-1313هــ)، والمبنية على ضوابط “النسخة اليونينية”

خامسًا: تحويل عملية التصحيح إلى عمل علمي جماعي

وهذه من أبرز ميزات المشروع؛ فالمقابلة لم تكن جهد اليونيني وحده، لذلك يمكن وصف المشروع بأنه “تحرير جماعي للنص” تم بحضور علماء ومتخصصين، بدءًا بجمع الأصول لروايات مختلفة، ثم المقابلة بينها، ثم القراءة والسماع الجماعي، ومناقشة أهل الحديث واللغة، وإثبات الفروق بالرموز، ومراجعة النسخة وإعادة مقابلتها حتى خرجت نسخة محررة تحفظ اختلاف الروايات، ومن هنا يمكن فهم قيمة النسخة اليونينية تاريخيًا، وأنه خرج التصحيح من كونه عملًا فرديًا يقوم به ناسخ أو محدث على نسخته، إلى عمل جماعي منظم في ضبط الكتاب.

سادسًا: كثرة الممارسة والمراجعة

لم تكن عناية اليونيني بالكتاب مقتصرة على نسخ النص أو مقابلته مرة واحدة، وإنما لازم الصحيح مدة طويلة، وكرر مقابلته وسماعه وتحريره، حتى بلغ من عنايته به أن قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة، كما نقل الذهبي عن اليونيني نفسه، وتكشف هذه الكثرة عن منهج قائم على التثبت المتكرر وإعادة النظر في مواضع الاختلاف، بما يتيح اكتشاف ما قد يقع في النسخ من سقط أو تصحيف أو اختلاف في الألفاظ، ومن ثم أسهمت كثرة الممارسة والمراجعة في إحكام النسخة اليونينية، وجعلتها ثمرة عمل متكرر في المقابلة والتحرير، لا مجرد نسخة منقولة عن أصل واحد.

مظاهر اعتماد العلماء على النسخة اليونينية والاحتفاء بها

حظيت النسخة اليونينية بمكانة كبيرة عند أهل العلم قديمًا وحديثًا؛ وأقبل عليها طلاب العلم، حتى وصفها بعض الباحثين بأنها كانت مقصد رحلة الطلاب، ونُصَّ على أن الناس رحلوا إلى اليونيني لسماع صحيح البخاري، وقد يؤيد ذلك ما ثبت من كثرة مجالس السماع عنه.

وهناك شاهد لطيف على انتشار روايته، حيث ذكر الصفدي في ترجمة أبي اليسر الأنصاري أنه: “حدث بصحيح البخاري عن اليونيني”[12]، أي أن رواية اليونيني للبخاري خرجت منه إلى طبقة أخرى من المحدثين، وهذا يفسر كيف انتشرت اليونينية وفروعها بعد ذلك.

1. ثناء الإمام الذهبي على عمل اليونيني

كان الإمام الذهبي تلميذًا لليونيني وممن أكثر الرواية عنه، وقد نقل عنه وصفًا بالغ الأهمية: “استنسخ صحيح البخاري، وحرَّره، حدَّثني أنه قابله في سنة واحدة، وأسمعه إحدى عشرة مرة”[13].

2. رجوع ابن حجر إلى النسخة اليونينية

وكان الحافظ ابن حجر العسقلاني يرجع إلى نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني عند تحرير روايات صحيح البخاري ومقارنة ألفاظه؛ ومن صريح ذلك قوله في “فتح الباري”: “ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له إلا رواية واحدة، فإنه كتب عليها علامة ق، ونسبه فقال: أحمد بن يونس[14]؛ مما يدل على اطلاعه على النسخة اليونينية والاستفادة منها في ضبط الرواية وتحرير اختلاف النسخ.

3. اهتمام القسطلاني بالنسخة اليونينية

وأما الإمام القسطلاني (ت 923هـ) فقد جعل نسخته اليونينية أساسًا لشرحه “إرشاد الساري”، ثم إنه بعد الفراغ من الشرح عاد إلى النسخة اليونينية وقابل عليها.

يقول القسطلاني في مقدمة “إرشاد الساري”، بعد أن ذكر فرعًا نفيسًا من اليونينية: “فلهذا اعتمدتُ في كتابة متن البخاري في شرحي هذا عليه، ورجعتُ في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات”.

فهو يصرح بأنه جعل فرع اليونينية أصلًا في كتابة متن البخاري وفي ضبطه إسنادًا ومتنًا.

ثم يقول: “وقد قابلتُ متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور من أوله إلى آخره، حرفًا حرفًا، وحكيته كما رأيته، حسب طاقتي”، يعني مقابلة حرفية للمتن لا مجرد الاستفادة من اليونينية، ثم لم يكتف بالفرع، بل عثر على أصل اليونيني نفسه، وأخبر القسطلاني بأنه بعد فراغه من شرحه وقف على المجلد الأخير من أصل اليونيني، ثم قابله عليه، ويقول: “ثم قابلته عليه مرة أخرى”[15]، أي اعتمد أولًا على فرع اليونينية، ثم عثر على أصل اليونيني نفسه فقابل ما كتبه على الأصل مرة أخرى.

ومن المفيد جدا هنا أن “إرشاد الساري” أصبح من أشهر شروح البخاري، مما يمكن أن يسهم في نقل جانب من قراءات اليونينية وضبطها إلى المصنفات والدراسات اللاحقة.

4. اعتماد عبد الله بن سالم على نسخة اليونيني

ومن أشهر فروع اليونينية وأتقنها نسخةُ الإمام عبد الله بن سالم البصري المكي (ت 1134هـ)، وقد استغرق في كتابتها وتصحيحها نحو عشرين سنة، اعتمادًا على أصل شرف الدين اليونيني وزيادة، فكانت نسخته من الطبقات العالية في ضبط صحيح البخاري، واعتمد عليها محققو الطبعة السلطانية، وقد وصفها محمد عبد الحي الكتاني، بعد أن رأى نسخة منها بخط ابن سالم، بأنها “نهاية في الصحة والمقابلة والضبط والخط الواضح”[16].

5. انتقال نص صحيح البخاري إلى عصر الطباعة

وكان للنسخة اليونينية أثر بالغ في انتقال نص صحيح البخاري إلى عصر الطباعة؛ إذ أصبحت أصولها وفروعها من أهم ما عُوِّل عليه في ضبط نص الصحيح، حتى صدر في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني سنة 1311هـ الأمر بطبع صحيح البخاري في المطبعة الأميرية ببولاق، مع اعتماد نسخة يونينية موصوفة بالصحة والضبط، والاستعانة بغيرها من الأصول المعتبرة.

يقول الشيخ حسونة: “ففكَّر أيَّده الله في أَجَلِّ خدمةٍ يُسديها للسنَّة النبوية الحنيفية، فلم يرَ ـ وفَّقه الله ـ أكملَ من نشر أحاديثها الشريفة على وجهٍ يَصِحُّ معه النقل، ويَرضاه العقل، وقد اختار ـ أجَلَّه الله ـ من بين كتب الحديث المنيفة كتابَ (صحيح البخاري) الذي اشتهر بضبط الرواية عند أهل الدراية، فأمر ـ وأمرُه الموفَّقُ ـ بأن يُطبع في مطبعة مصر الأميرية، لما اشتهرت به من دقة التصحيح، وجودة الحروف بين كل المطابع العربية، وبأن يكون طبعُ هذا الكتاب في هذه المطبعة على النسخة اليونينية … المحفوظة بالآستانة العليا، لما هي معروفةٌ به من الصحة قليلةِ المثال في هذا الجيل وما مضى من الأجيال”[17].

واستمر العمل في هذه الطبعة حتى سنة 1313هـ، ثم عُرض المطبوع على جماعة من كبار علماء الأزهر للمراجعة والتصحيح، وقد أصبحت هذه الطبعة، المعروفة بالطبعة السلطانية، من أهم الطبعات الحديثة للصحيح.

6. شهادة الشيخ أحمد شاكر

شهادة الشيخ أحمد محمد شاكر في النسخة اليونينية من أوضح الشهادات المتأخرة، وقد أفرد لها مقالًا بعنوان “النسخة اليونينية من صحيح البخاري”، وأهم عباراته: “والطبعة السلطانية مطبوعة عن النسخة (اليونينية)، وهي أعظم أصل يوثق به في نسخ (صحيح البخاري)”، وبيّن أن القسطلاني جعلها عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه، وتكشف هذه الشهادة عن الأهمية التي اكتسبتها اليونينية في تاريخ ضبط نص الصحيح، ولا سيما من خلال صلتها بالطبعة السلطانية.

وهكذا يمثل الحافظ اليونيني حلقة مهمة بين الرواية الحديثية القديمة والتحقيق النصي المتقدم؛ إذ أسهم عمله في حفظ الفروق بين روايات الصحيح، وإبراز أصولها، وتوفير مادة علمية استفاد منها الشراح والمحققون بعده.