تُعد الهجرة إلى طاعة الرحمن من أعظم الغايات التي يتمناها المؤمن الصادق كلما دخل شهر المحرم، يحيي بها ذكرى أجر الهجرة العظيمة التي قام بها الصحابة -رضوان الله عليهم- تقربًا إلى الله تعالى؛ تلك الهجرة التي كانت نقطة التحول الكبرى في تاريخ الإسلام. إذ لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت الفيصل الذي نقل أهل الإيمان من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد في مكة إلى مرحلة العزة وتأسيس الدولة في المدينة النبوية. فهي تضحية عظيمة بالمال والأهل والوطن ابتغاء وجه الله ورضوانه، ولذا رتب الله عليها فضلًا كبيرًا، ومنحهم علو المنزلة والدرجات.
ولئن فات المؤمن تلك الهجرة الجليلة وثوابها الجزيل، فقد فتح الله تعالى أبوابًا أخرى للهجرة على الدوام، وقد عبّر النبي -ﷺ- عن لبها وجوهرها قائلًا:
“والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” [1]
وهي هجرة القلب والجوارح إلى طاعة الله تعالى حتى قيام الساعة.
الهجرة هجرتان أصليتان
نجد في العُرف الشرعي أن مفهوم الهجرة في الإسلام أوسع من مجرد الانتقال المكاني؛ بل تتعدد مقاصدها وأنواعها، فتأخذ أحكامها وتصنيفها بناءً على الغرض منها ووفق الضوابط الشرعية. ويمكن حصرها وتصنيفها في قسمين رئيسين:
القسم الأول: الهجرة بالبدن (الهجرة الحسية)
ويُقصد بها الانتقال من مكان إلى مكان، وهي نوعان:
النوع الأول: الهجرة المكانية في عهد النبوة
وقع هذا النوع من الهجرة في العهد النبوي على مراحل وحسب مقاصد متعددة ومختلفة، وتتمثل صورها في الآتي:
أولًا: الهجرة إلى الحبشة ومقاصدها
كان الهدف الرئيسي من هجرة المسلمين إلى الحبشة هو الهروب المؤقت لحماية النفس وحفظ الدين، وتوفير ملاذ آمن للمستضعفين من المسلمين، وإيجاد مكان لممارسة شعائرهم بحرية، بعيدًا عن أذى قريش وفتنتها. يقول رسول الله -ﷺ-: “إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه” [2]. وهكذا صارت الحبشة ملجأً آمنًا للمؤمنين عند اشتداد البلاء عليهم. وإلى جانب ذلك، وُجد مقصد نشر الدعوة والتعريف بالإسلام في مناطق جديدة خارج الجزيرة العربية، وقد وقعت الهجرة إلى الحبشة مرتين، وكان من ثمراتها الدعوية إسلام الملك النجاشي.
ثانيًا: الهجرة من مكة إلى المدينة ومقاصدها
المقصد الرئيسي من الهجرة النبوية إلى المدينة هو إيجاد إقامة دائمة للمسلمين، وإقامة مجتمع إسلامي متكامل، وتأسيس دولة مستقلة تنظم شؤون الحياة والدين، وتوفر بيئة آمنة لنشر رسالة الإسلام للعالم بعد سنوات من الاضطهاد والتعذيب في مكة المكرمة. وهي الهجرة التي ارتفعت بها راية الإسلام ورسالته العالمية، فاستفحل أمره، وقويت شوكته، وارتفع عرش مجده بنشر الفضائل والكمالات.
ثالثًا: هجرة القبائل إلى النبي -ﷺ-
من أهم مقاصد هجرة الوافدين من القبائل العربية إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام-: إعلان الدخول في الإسلام، وأخذ البيعة للانضمام إلى جماعة المسلمين، وحماية الدعوة الإسلامية، والتعلم المباشر من النبي -ﷺ- والتفقه في أصول الإيمان والحلال والحرام وأحكام العبادات والتربية الدينية. فانتقلت رابطة الناس من الانتماء القبلي العصبي إلى رابطة الإيمان والتماسك الأخوي الرائع.
رابعًا: هجرة من أسلم من أهل مكة قبل الفتح
وهي هجرة من أسلم من أهل مكة إلى المدينة بعد استقرار النبي -عليه الصلاة والسلام- فيها وقبل فتح مكة. وكانت هذه الهجرة واجبة على من استطاع؛ لأن المدينة حينها أصبحت دار الإسلام ومركز الدولة الإسلامية، في حين كانت مكة لا تزال دار كفر. ولذا وجب التحرر من تأثير البيئة المعادية للإسلام والفرار إلى دار الإسلام (دار الأمن والإيمان)، ومن أجل المشاركة في بناء المجتمع الإسلامي وتلقي العلم والتربية المباشرة من النبي -ﷺ-.
خامسًا: الهجرة بعد فتح مكة
سقط وجوب الهجرة الفاصلة الفاضلة الخاصة إلى المدينة في السنة الثامنة بعد فتح مكة ودخول أهلها في دين الله أجمعين، فانتفت علة الوجوب. “ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإسلام قويّ، وعزّ بعد فتح مكة عزًّا ظاهرًا، بخلاف ما قبله” [3]. وهو ما عناه النبي -عليه الصلاة والسلام- ووثّقه بقوله: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا” [4]. حيث أصبحت مكة كالمدينة سواء بسواء؛ لكونها صارت دار الإيمان والأمان، فلم تعد هناك حاجة إلى الانتقال منها من أجل إقامة الدين، وإنما المتعين هو المحافظة على الجهاد ونية الطاعات، وإن كان مفهوم الهجرة العام لم يزل قائمًا باقيًا، وهذا يدل على أن الأحكام الشرعية قد تتغير بتغير الأحوال والمصالح الشرعية.
النوع الثاني: الهجرة المكانية بعد العهد النبوي
بعد عهد النبوة بقيت الهجرة بمعناها العام، لكن اتخذت الهجرة المكانية أبعادًا جديدة وحيثيات أخرى ومعاني مختلفة عن مجرد الفرار بالدين أو تأسيس الدولة الأولى، ومن صورها وأبعادها الجديدة:
أولاً: هجرة الدعوة والتمكين
هي انتقال بعض الصحابة والتابعين والقبائل العربية خارج شبه الجزيرة العربية بعد عهد النبوة؛ لنشر الإسلام، وتعليم الناس، وإقامة شعائر الدين، وتأسيس النواة الأولى للمجتمعات الإسلامية، والمشاركة الفعالة في بناء الحضارة الإسلامية في البلاد الجديدة. فاستقر آلاف من الصحابة والتابعين في الأمصار المفتوحة كالعراق والشام ومصر وغيرها، مع أن الإقامة بالمدينة أفضل من غيرها لقوله -عليه الصلاة والسلام-: “والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون” [5]. لكنهم ما هاجروها وما غادروها رغبةً عنها، بل لمقصد الشرع النبيل. ومن ذلك: إقامة عبد الله بن مسعود في الكوفة، وأنس بن مالك في البصرة، ومعاذ بن جبل في اليمن؛ حيث تم على أيديهم تأسيس مراكز العلم، ونشر رسالة الإسلام بين الشعوب والأمم، وتقوية وحدة الأمة الإسلامية، حتى انتقل تراثهم إلى الأجيال اللاحقة.
ثانياً: هجرة طلب العلم (الرحلة في طلب الحديث)
من أهم أشكال الهجرة المكانية البارزة بعد العهد النبوي ما عُرف في أدبيات المحدثين على وجه الخصوص بـ “الرحلة في طلب الحديث”، وهي صورة من صور الهجرة في سبيل الله؛ لأنها انتقال مقصود من بلد إلى بلد لتحصيل العلم الشرعي. وكان المحدثون وطلاب الحديث يرتحلون مسافات شاسعة لجمع حديث واحد، أو لقاء صحابي أو تابعي، من أجل حفظ سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ونشرها بين الناس. وكثير منهم هاجروا أوطانهم إلى عواصم العلم وقبلة السنة النبوية مثل: المدينة المنورة، ومكة، والعراق، والشام، واليمن؛ حيث مقر تراث الصحابة وميراث النبي -ﷺ-. فإن من أعظم نعم الرحلة في طلب الحديث أنها حفظت العقول والقلوب من الجهل والانحراف العقدي والأخلاقي، فكانت سببًا لحفظ الأجساد من الفتنة.
ثالثاً: هجرة الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام
أجمع العلماء على أن هجرة الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرة إلى قيام الساعة؛ ويعني ذلك أنه يتحتم على المسلم أن يهاجر من بلد لا يستطيع فيه إظهار دينه، أو يخشى فيه على عقيدته وشعائره، إلى بلد يتمكن فيه من إقامة دينه وإظهار شعائر الإسلام بأمنٍ وطمأنينة، فتكون هذه الحال شبيهة بالفترة المكية الأولى قبل الفتح.
رابعاً: الهجرة من بيئة الفتنة إلى بيئة الصلاح
وهي أعم من السابقة، فكلما خشي المسلم على دينه وعرضه لكثرة الفساد في المكان وفسق أهله، وهو قادر على هجر المكان، فإنه يجب عليه الانتقال إلى بيئة صالحة تعين على الثبات والاستقامة. وينطبق هذا أيضًا على المكان الذي تحدث فيه البدع والمخالفات العقدية، بل إن منع البقاء فيه أشد من عموم الفسق لقبح البدعة وخطورتها. والمقصود في هذا المطلب أنه يجب الانتقال من بيئة يكثر فيها الفساد والبدع، أو تغلب فيها الشهوات والشبهات، إلى بيئة تعين على الطاعة والاستقامة؛ لأن المسلم مأمور بالفرار بدينه متى خشي على عقيدته أو أخلاقه ولم يستطع تغيير المنكر.
خامساً: الهجرة المعاصرة (الاغتراب)
اتخذت الهجرة المكانية الحديثة طابعًا جديدًا عالميًا، فمنها ما هو جائز شرعًا، ومنها ما هو غير جائز:
الهجرة المعاصرة الجائزة
هي التي تكون دوافعها مشروعة أو مباحة، مع مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد. ومن أمثلتها: هجرة الدعاة والأساتذة والأكاديميين المسلمين إلى الدول الغربية أو المجتمعات غير المسلمة للعمل الدعوي، والتعريف بالإسلام، وتأسيس المراكز الإسلامية ونحوها. ولا بأس بمثل هذا النوع من الهجرة المعاصرة، بل هو مستحب وقد يكون واجبًا أحيانًا إذا اقتضت الظروف ذلك. ومنها الهجرة الاقتصادية والعلمية: كانتقال الأفراد من المسلمين إلى المجتمعات غير المسلمة للعمل أو الدراسة ونحوهما. والأصل في مثل هذا الانتقال الجواز إذا أمن المهاجر من الفتنة على نفسه وأهله، واستطاع التمسك بهويته الإسلامية وقيمه الدينية، لا سيما مع قصد الاندماج الإيجابي المؤثر النافع في تلك المجتمعات. ومنها الهجرة الاضطرارية: هي التي تقع على الإنسان المسلم أحيانًا قسرًا وغصبًا عنه، فيضطر لترك وطنه هربًا وفرارًا إلى مجتمع آخر غير إسلامي، كفراره من الحروب، أو الكوارث الطبيعية، أو التهديد المباشر لحياته وحرية عقيدته، ولم يجد مأوى مسلمًا آخر يؤويه فيضطر للهجرة إلى بلاد الغرب غير المسلمة. ومع ذلك، فلا بد من التحصن ضد الفتنة في تلك البيئة، وذلك بامتلاك الحصانة العلمية والإيمانية التي تحمي المهاجر المسلم المضطر من الانجراف وراء المحرمات والمنكرات الشائعة أو الأفكار الهدامة.
الهجرة المعاصرة غير الجائزة
هي التي بواعثها سيئة أو مبرراتها غير شرعية، كالسفر للإقامة في تلك البلاد من أجل التمتع بالملذات الدنيوية والمحرمات والشهوات غير المتوافرة في بلاد المسلمين، أو بنية الزواج بكتابية بغية الحصول على الجنسية؛ مما مآله إلى الفتنة أو خطر فقدان الهوية الإسلامية.
القسم الثاني: هجرة بالقلب والعمل
لا تقل الهجرة بالقلب والعمل شأنًا عن الانتقال من مكان إلى مكان إذا كانت ابتغاء مرضاة الله، بل هي أصل أصيل للهجرة المكانية لقوله -عليه الصلاة والسلام-: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”. وهي الهجرة التي لن تنقطع إلى قيام الساعة، بخلاف بعض أنواع الهجرة المكانية التي انتهت أحكامها الخاصة. وكان حريًا بالمسلم أن يهاجر بقلبه إلى الله كل يوم بأنواع من الطاعات والقربات.
ثم عند إمعان النظر الصائب في الأوضاع المعيشية المعاصرة في جميع أنحاء المعمورة، سيتضح أن أعظم هجرة اليوم هي هجرة الذنوب والمعاصي، دون استثناء لأي بلاد، سواء في بلاد المسلمين أو في غيرها؛ حيث عمت معصية الرحمن ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، داخل البيوت وخارجها، لا سيما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواعها، كما عمّ التفريط والتقصير في الطاعات والاستقامة والالتزام بالأوامر الشرعية. ولذا يجب التركيز على الجانب المعنوي والتربوي المستنبط والمستفاد من الهجرة النبوية بدلاً من مجرد سرد قصة الهجرة ومسلسلاتها المدلسة، أو الاحتفال برأس السنة الهجرية تشبهًا بغير المسلمين، أو إحداث عبادة فيها أو طقس ديني لم يأذن به الله ولا شرعه رسوله -عليه الصلاة والسلام-.
وتبعًا لحديث رسول الله الكريم -ﷺ-: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” إلى طاعة الله تعالى قلبًا وقالبًا، يتمثل ذلك في:
- الهجرة من الشرك إلى التوحيد.
- الهجرة من البدعة إلى السنة.
- الهجرة من المعصية إلى الطاعة.
- الهجرة من الغفلة إلى الذكر.
- الهجرة من الكسل إلى الجد والاجتهاد.
- الهجرة من ترك الصلاة إلى المحافظة عليها.
- الهجرة من عقوق الوالدين إلى برّهما والإحسان إليهما.
- الهجرة من الكذب والغيبة والنميمة إلى الصدق وحفظ اللسان.
- الهجرة من النظر المحرم إلى غض البصر.
- هجر صحبة السوء إلى صحبة الصالحين.
- الهجرة من التساهل في الواجبات إلى المبادرة إلى الطاعات المفروضة، للتوصل إلى الإكثار من نوافل الطاعات.
والخلاصة أنه إذا كانت الهجرة النبوية تعني انتقالًا من أرض الكفر إلى أرض الإيمان حسًا ومعنى، فليكن حرص المسلم زائدًا على ملازمة هجرة القلب والعمل، خاصة في هذا الزمن الذي حُف بالشبهات والشهوات في كل مكان. ولكن:
كيف طريق تحقيق الهجرة القلبية؟
تبدأ هجرة القلب الحقيقية بالتوبة الصادقة والندم على الذنب، مع الإكثار من الدعاء والاستعانة بالله تعالى، ومجاهدة النفس والصبر على الطاعة، ثم محاولة مرافقة الصالحين وحضور مجالس العلم الفينة تلو الأخرى. وحتى لو حصل تكرار للخطأ أو الوقوع في الذنب مرة أخرى، فإنه لا بد من إعادة الهجرة من جديد، وبالاستمرار وعدم اليأس والقنوط حتى يستقر القلب في المهجر الآمن الذي يرضي الله تعالى.
ثمرات الهجرة إلى الطاعة
ومن الثمرات الطيبة التي يجنيها المسلم بعد الهجرة إلى طاعة الرحمن ومن هوى النفس إلى مرضاة الله تعالى:
- نيل محبة الله ورضوانه.
- طمأنينة القلب وسكينة النفس.
- تكفير السيئات ومغفرة الذنوب.
- زيادة الإيمان وتقوية الصلة بالله تعالى.
- الفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة.
الخلاصة
أوصى النبي -عليه الصلاة والسلام- أبا فاطمة -رضي الله عنه- لما طلب منه أن يحدثه بعمل يستقيم عليه ويعمله، فقال له -ﷺ-:
“عليك بالهجرة، فإنه لا مثل لها” [6].
وقال الديلمي: “يريد به الهجرة مما حرَّم الله” [7]. وهي هجرة القلب والجوارح من كل ما يكرهه الله إلى كل ما يحبه ويرضاه، وهي هجرة مطلوبة من كل مسلم في كل زمان ومكان حتى قيام الساعة.
