بحضور وزير الثقافة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني، اختتمت وزارة الثقافة القطرية، الأحد 11 أكتوبر 2026، النسخة الخامسة من «موسم الندوات» بندوة استضافتها جامعة لوسيل بعنوان «أسرار رحلة الحديث النبوي عبر القرون.. ألف عام من الحفظ والتحقيق».
وتناول المحقق والمؤرخ الدكتور بشار عواد معروف تاريخ تدوين الحديث النبوي ومناهج المحدثين في نقد الروايات، بما يشمل تقويم الرواة وتمحيص الأسانيد والمتون، إلى جانب دور التقنيات الرقمية في خدمة التراث الإسلامي وإتاحته، وأدار الحوار الإعلامي والمشرف العام على الموسم الأستاذ جاسم سلمان.
ويعد بشار عواد معروف، المولود في بغداد عام 1940، من الباحثين المتخصصين في تحقيق كتب التراث الإسلامي، ومن أبرز أعماله تحقيق “تهذيب الكمال” للمزي و”تاريخ الإسلام” للذهبي، كما حصل على جائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية لعام 2018. وتناول في الندوة تاريخ تدوين الحديث النبوي، ومناهج العلماء في نقد الروايات والتحقق من أسانيدها، إلى جانب سبل الاستفادة من التقنيات الرقمية في إتاحة التراث الحديثي ودراسته.
مراحل التدوين وتفنيد مزاعم الرواية الشفوية
أكد الدكتور بشار عواد معروف أن تدوين الحديث النبوي بدأ في مرحلة مبكرة، خلال حياة النبي ﷺ، مستشهدا بوجود أحاديث كتبت في ذلك العصر. وتناول دور الرواية الشفوية والكتابة في نقل الحديث خلال القرون الأولى، مشيرا إلى أن التابعين اعتنوا بالحفظ، إلى جانب الاستفادة من المواد الحديثية المدونة.
وأوضح أن القرن الهجري الأول شهد نشاطا في تدوين الحديث، فيما اتجهت الجهود في القرن الثاني إلى مراحل أكثر تنظيما من الجمع والتصنيف والتبويب. وشدد على ضرورة التمييز بين كتابة الأحاديث وتداول الصحف الحديثية من جهة، وتصنيفها في مؤلفات مستقلة من جهة أخرى، عند دراسة تاريخ التدوين.
كما ناقش الروايات المتعلقة ببدء التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز ودور الإمام الزهري في هذا المجال، مؤكدا أهمية فحص المصادر والأسانيد والوثائق قبل استخلاص النتائج المتعلقة بتاريخ الحديث. وأشار إلى اتصال رواية الإمام البخاري عن أبي هريرة بأصول حديثية مدونة، وإلى الصلة بين كتب الحديث الستة والمدونات التي سبقتها.
مكانة الصحيحين ومناهج نقد الحديث
تناولت الندوة مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التراث الإسلامي، ودورهما في نقل الأحاديث المتعلقة بالعقيدة والعبادات والسلوك. وأكد الدكتور بشار عواد معروف أن عدم ورود حديث في أحد الصحيحين أو كليهما لا يكفي، بمفرده، للحكم بضعفه، وأن تقويم الروايات يستلزم الرجوع إلى قواعد علم الحديث ومصادره وأدواته النقدية.
ودعا إلى دراسة التطبيقات العملية للمحدثين المتقدمين، وفي مقدمتهم البخاري ومسلم، ومقارنتها بما ورد في كتب مصطلح الحديث التي ظهرت في مراحل لاحقة، بما يساعد على فهم مناهج النقد الحديثي والأسس التي اعتمدها العلماء في تقويم الروايات.
وتطرق كذلك إلى منهج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، مشيرا إلى إسهاماته في الدراسات الحديثية، ووصفه بأنه من خدام السنة النبوية، مع الإشارة إلى إنصافه في بعض مؤلفاته.
الجرح والتعديل وتعدد طرق الرواية
وفي حديثه عن نقد الرواة، أوضح بشار عواد معروف أهمية قراءة أحكام علماء الجرح والتعديل في سياقاتها العلمية، مع مراعاة اختلاف مناهج العلماء في تقويم الرواة وتحديد مراتب الضبط والعدالة.
وأكد أن دراسة الحديث لا تقتصر على فحص إسناد منفرد، بل تشمل مقارنة الأسانيد والمتون، ورصد أوجه الاتفاق والاختلاف بينها، للكشف عن العلل التي قد لا تظهر عند النظر في طريق واحد للرواية.
كما تناول أثر تعدد طرق الحديث في تقويم الروايات، موضحا أن بعض الأحاديث الضعيفة قد تتقوى بمجموع طرقها إذا استوفت شروط ذلك، وأن المقارنة بين الروايات قد تكشف، في المقابل، عن اختلافات تستدعي مزيدا من الفحص والتحقيق قبل إصدار الحكم النهائي.
الذاكرة التاريخية ومستقبل التراث في عصر الرقمنة
وتطرق الدكتور بشار عواد معروف إلى أهمية التاريخ في حفظ الذاكرة الحضارية للأمم وفهم تطورها، مؤكدا ضرورة الاهتمام بالتاريخ العربي والإسلامي الممتد لنحو أربعة عشر قرنا، ودراسة مصادره بما يعزز المعرفة بالماضي وصلته بالحاضر.
كما عرض المعايير المعتمدة في الحكم بصحة الحديث، وهي اتصال الإسناد، وعدالة الرواة وضبطهم، وانتفاء الشذوذ والعلة القادحة. وتناول دور التقنيات الرقمية في تسهيل الوصول إلى مصادر التراث الحديثي، وإتاحة الكتب عبر شبكة الإنترنت، والاستفادة من التطبيقات التي تساعد على التعرف إلى درجات الأحاديث.
وفي هذا السياق، أعلن عمله على إعداد موسوعة تضم 45 مجلدا في علم الحديث دراية، إلى جانب إطلاق منصة رقمية تحمل اسم “تحقيق”، يشرف عليها متخصصون في الحديث، وتهتم بالجوانب النظرية والتطبيقية لهذا العلم.
تطوير مناهج التعامل مع التراث
من جانبه، تناول الشاعر الدكتور حسن النعمة أهمية مواصلة دراسة التراث الإسلامي وتطوير مناهج التعامل معه، بما يتيح تقديمه للأجيال الجديدة في صيغ تتناسب مع التطورات الفكرية والعلمية المعاصرة، مع الحفاظ على أصوله ومراعاة أسسه الاعتقادية.
وأشار إلى تعدد المدارس والمناهج التي تعاملت مع النصوص الإسلامية عبر التاريخ، ومنها مناهج تعنى بالنقل وأخرى تركز على النقد، مستعرضا جهود العلماء والباحثين في دراسة التراث وتحليله. وشدد على أهمية تطوير أساليب عرض المعرفة وشرحها، بما يساعد على ربط الموروث العلمي بالأسئلة الفكرية والعلمية الراهنة.

وجاءت ندوة “أسرار رحلة الحديث النبوي عبر القرون.. ألف عام من الحفظ والتحقيق” في ختام النسخة الخامسة من “موسم الندوات” الذي نظمته وزارة الثقافة خلال الفترة من 1 إلى 11 أكتوبر 2026، بمشاركة مؤسسات أكاديمية وبحثية، من بينها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وجامعة حمد بن خليفة، وجامعة لوسيل. وتناولت فعاليات الموسم قضايا فكرية ومعرفية متنوعة، وأتاحت مساحة للحوار وتبادل الرؤى بين الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي.