ليست كل حالات الرحيل سواءً؛ فهناك من يرحل فيطوي الغياب ذكره، وهناك من يرحل فيبقى حاضراً بما غرس، وبما بنى، وبما ترك في حياة الناس من آثار لا تغيب. وحين يرحل الكبار، لا يُقاس الفقد بعدد السنوات التي عاشوها، بل بمقدار المساحة التي شغلوها في ذاكرة أوطانهم، وبما أنجزوه لشعوبهم، وبما حملوه من هموم أمتهم.
وفي رحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى-، فقدت دولة قطر واحداً من أبرز صناع نهضتها الحديثة، ورجلاً ارتبط اسمه بمرحلة واسعة من التحول والبناء، وانتقلت في عهده الدولة من طورٍ إلى طور، ومن حضور محدود إلى مكانة مؤثرة جعلت اسم قطر حاضراً في ميادين السياسة والعلم والاقتصاد والثقافة والإعلام والعمل الإنساني.
وقد نعى الديوان الأميري الأمير الوالد في الثاني عشر من يوليو عام 2026، بعد حياة امتدت أربعة وسبعين عاماً، قضى جانباً كبيراً منها في خدمة وطنه وتحمل مسؤولياته العامة. وتولى مقاليد الحكم بين عامي 1995 و2013، ثم سلمها إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لتستمر مسيرة الدولة في بناء متصل ورؤية ممتدة.
والموت، وإن كان فاجعة تهز القلوب، فإنه الحقيقة الكبرى التي تتساوى عندها منازل الخلق، ويسقط أمامها سلطان الجاه والمال والمنصب. قال الله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }. فلا يبقى للإنسان من دنيائه إلا ما قدم، ولا يصحبه إلى آخرته إلا عمله، غير أن من رحمة الله بعباده أن تمتد آثار بعض الأعمال بعد انقضاء الأعمار، فتظل نافعة للناس، وتبقى أبواباً للأجر بإذن الله تعالى.
ولهذا فإن الحديث عن الأمير الوالد -رحمه الله- ليس حديثاً عن رجل تولى الحكم فحسب، بل عن مرحلة أعيد فيها تشكيل صورة الدولة، وتوسعت فيها آفاقها، ونمت فيها مؤسساتها، وتأكد فيها أن الدول الصغيرة بمساحتها قد تكون كبيرة برؤيتها، وأن قيمة الأوطان لا تُقاس بعدد سكانها وحدودها، وإنما بقدرتها على صناعة مكانتها وحماية قرارها، والاستثمار في إنسانها، وحمل رسالة نافعة إلى العالم.
لقد آمن الأمير الوالد بأن بناء الوطن لا يبدأ من الحجارة، وإنما يبدأ من الإنسان؛ من علمه، ووعيه، وثقته بنفسه، وقدرته على المشاركة في صناعة المستقبل. ولذلك كانت العناية بالتعليم والبحث والمعرفة من أبرز معالم تلك المرحلة. ففي عام 1995 أنشئت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، لتصبح بعد ذلك منارة علمية وبحثية تستقطب المؤسسات الأكاديمية والخبرات، وتفتح أبواب المعرفة أمام أبناء الوطن والأجيال الصاعدة. كما اعتمدت رؤية قطر الوطنية 2030 في عام 2008، بما حملته من تصور بعيد المدى للتنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وكان من معاني تلك النهضة أن تمتلك قطر صوتاً إعلامياً يتجاوز حدودها، فكان إطلاق قناة الجزيرة سنة 1996 حدثاً فارقاً في تاريخ الإعلام العربي، بما أحدثته من تحول في صناعة الخبر، وفي حضور قضايا المنطقة على الشاشات العالمية. ولم يكن ذلك المشروع معزولاً عن رؤية أوسع أرادت قطر من خلالها أن تكون حاضرة بالكلمة والموقف، لا أن تبقى على هامش الأحداث.
كما امتد اهتمامه إلى الثقافة والتراث والهوية؛ فالأوطان لا تبني مستقبلها بقطع صلتها بماضيها، وإنما تنهض حين تعرف جذورها وتحفظ ذاكرتها. وفي عهده أنشئت هيئة متاحف قطر، وأعيد تطوير سوق واقف، وافتتح متحف الفن الإسلامي والحي الثقافي “كتارا”، وأُدرج موقع الزبارة الأثري ضمن قائمة التراث العالمي، فاجتمع في مشروع النهضة الاهتمام بالمستقبل والوفاء للتاريخ.
ولم يكن الأثر مقصوراً على الداخل القطري، بل امتد إلى قضايا الأمة العربية والإسلامية. فقد حمل الأمير الوالد همّاً عربياً وإسلامياً ظاهراً، وسعت قطر في عهده إلى تقريب وجهات النظر، والإصلاح بين المتخاصمين، واحتواء النزاعات، وإغاثة المنكوبين، ومساندة الشعوب المحتاجة. وشهدت الدوحة عدداً من جهود الوساطة والمصالحة، من اتفاق الدوحة المتعلق بالأزمة اللبنانية عام 2008، إلى جهود المصالحة بين السودان وتشاد، ووساطة جيبوتي وإريتريا، وسلام دارفور، وجهود المصالحة الفلسطينية، وغيرها من المساعي التي جعلت قطر بلداً للحوار والوساطة والبحث عن مخارج سلمية للأزمات.
وهذه المكانة لم تُبنَ بالخطابات وحدها، وإنما بعملٍ متدرج، وبإدراك أن خدمة الأمة لا تكون بالشعارات، بل بالمبادرات، وإغاثة المحتاج، ونصرة المظلوم، وتقريب المتنازعين، وفتح الأبواب أمام الحوار حين تغلقها الخصومات.
لقد قدم الأمير الوالد الكثير لوطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية، فخدم قطر، وأعلى مكانتها، وأسهم في بناء مؤسساتها، واستثمر في تعليم أبنائها، ووضع أسساً امتدت آثارها إلى ما بعد عهده. كما جعل لقطر حضوراً عربياً وإسلامياً وإنسانياً، وارتبط اسمها في تلك المرحلة بالمبادرات السياسية والإغاثية والتعليمية والثقافية.
ومن الإنصاف أن يُذكر للراحلين ما قدموه من خير، وأن تحفظ لهم الأوطان فضلهم، من غير غلو يرفع البشر فوق منزلتهم، ولا جحود يمحو آثارهم. فالكمال لله وحده سبحانه، وكل إنسان له ما أحسن فيه وعليه ما قصر، غير أن العدل يقتضي ألا تضيع الحسنات، وألا تُمحى صفحات الإنجاز، وألا يتحول اختلاف الناس في بعض المواقف إلى إنكار لمسيرة كاملة.
وقد جاءت الشريعة بالوفاء والإنصاف، وأمرت بحفظ الحقوق، وحثت على ذكر الخير والدعاء للموتى. وليس أنفع للراحل من دعوة صادقة تخرج من قلب محب: اللهم اغفر له وارحمه، وتجاوز عنه، وأكرم نزله، واجزه عن وطنه وشعبه وأمته خير الجزاء.
إن الرجال الكبار لا يخلدون بكثرة ما قيل فيهم، وإنما بما تركوه من مؤسسات راسخة، وأعمال نافعة، ورؤى تتوارثها الأجيال. فالمناصب تزول، والألقاب تطوى، والمجالس تخلو من أصحابها، غير أن الأثر الصالح يبقى ناطقاً بعد الصمت، وحاضراً بعد الغياب.
ولعل من أعظم الدروس في سيرة الأمير الوالد أنه لم ينظر إلى الحكم بوصفه غاية شخصية، بل مرحلة لبناء دولة وتسليم أمانة. وكان انتقال الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الخامس والعشرين من يونيو عام 2013 صورة لانتقال المسؤولية في هدوء، واستمرار المسيرة على أسس مستقرة، لتواصل قطر طريقها في البناء والنهضة.
وها هي قطر اليوم تستودع الله واحداً من رجالها الكبار، وتستذكر بالوفاء مرحلة من تاريخها، وتجد آثارها ماثلة في مؤسسات الدولة، وفي نهضتها، وفي مكانتها، وفي وجدان أبنائها.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وغفر له، وأحسن مثواه، وجعل ما قدمه لوطنه وشعبه وأمته في موازين حسناته، وألهم أسرته الكريمة وشعب قطر الصبر والسلوان. وحفظ الله قطر وأميرها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأدام عليها الأمن والإيمان، والعزة والاستقرار، ووفق قيادتها وشعبها لمواصلة طريق الخير والبناء.