” رزقه و أجله و عمله و شقي أم سعيد “

شقي أو سعيد

تابعت عدة حلقات من برنامج وثائقي يقوم على تصوير مشاهد من حياة بعض سائقي الشاحنات في عدة دول أفريقية وآسيوية ولاتينية، والصعوبات التي تمر عليهم أثناء رحلات نقل البضائع من موقع لآخر، والمخاطر التي يعيشونها من تلك التي قد تصل إلى حد الهلاك، مقابل دراهم معدودة تبلغ في المتوسط أقل من خمسين دولاراً في الشهر، وكان أغلبهم من أصحاب العائلات.

كنت أثناء مشاهدة تلك الحلقات أتساءل عن حالة البؤس والشقاء التي هم عليها. حيث أجمع غالبيتهم أن ما يحصل أحدهم عليه من أجر، لا يكفيه لحياة آمنة مطمئنة، بل تلك الدولارات المعدودة لا تكاد تسد نفقات قوته اليومي، ولكن مع ذلك كان بعضهم قد وصل حالة من الرضا لا يمكنك أن تتصورها وأحدهم يلتقي بعائلته بعد فراق أيام في عمل شاق خطر، في حين البعض الآخر كان في حالة من التذمر والشكوى لا يمكن وصفها.

كشخص مراقب للمَشاهِد، وقبل أن أسمع وأرى تعليقاتهم نهاية كل حلقة، كنت اعتبرهم من البؤساء، حتى قادتني تلك المشاهد للتساؤل عن حقيقة السعادة والشقاء التي جاء ذكرها في حديث نبوي كريم، ربما كثيرون منا قرأه أو سمعه، وهو حديث خلْق الإنسان كما رواه عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ” إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها “. 

  هذا الحديث ربما يمر عليه كثيرون في بدايته مرور الكرام، لكن يتغير الوضع مع الأمر الرابع الذي يؤمر المَلَك المكلف بالأرحام بكتابته، أيكون الجنين من أهل السعادة أم الشقاء. إنه الأمر ذاته الذي أثار وما زال يثير الكثير من التساؤلات.

هل مثلاً تجد المشاهد التي حدثتك عنها قبل قليل هي مشاهد شقاء؟ وهل التنعم وحياة الرفاهية يمكن اعتبارها من مشاهد السعادة؟ وهل الجنين الذي يُكتب عليه الشقاء، لابد حين يخرج إلى الدنيا أن يعاني المشكلات والمآسي والكربات إلى أن يهلك ويفنى؟  وهل بالمثل، الجنين الذي يُكتب عليه السعادة، يعيش حياته هانئاً سعيداً لا مشكلات ولا مكدرات؟ الأمر ليس بهذا التصور وليس الشقاء أو السعادة كذلك.

المصير النهائي 

الذي عليه أجمع علماء الأمة، أن المقصود بالشقاء والسعادة في الحديث، هما الإسلام والكفر وما يؤدي كل منهما إليه نهاية الأمر. فأما الإسلام فهو مؤدي إلى الجنة، وأما الكفر فهو مؤدي إلى النار. هكذا بكل وضوح. هذه نقطة أولى سنبني عليها.

ما يقوم به المَلَك الموكل بالأرحام بكتابة الأمور الأربعة على الجنين بعد نفخ الروح فيه، هي الأعمال التي سيقوم بها هذا الجنين بعد أن يدخل إلى الحياة الدنيا من خير وشر، بالإضافة إلى رزقه وأجله، والنهاية التي سيموت عليها، مع ضرورة الإدراك واليقين التام بأن هذه النهاية المكتوبة عليه، لا تؤثر في اختياراته وقراراته، لأنه لا يعلم مصيره. أي أن اختياراته وقراراته هي التي تحدد مصيره. بمعنى أدق، هو من يحدد إن كان صاحب نهاية سعيدة أم نهاية شقية. وفي الفقرات التالية بعض التفاصيل..

الله عز وجل، بعلمه الذي يسبق كل شيء، يعلم أن نهاية شخص ما هو الموت على الإيمان، بحسب ما سيقوم به من أعمال في حياته، وبالتالي يكون مصيره إلى الجنة، فيكتب عليه أنه سعيد. وآخر تكون نهايته على الكفر، بحسب أعماله التي سيقوم بها في حياته، وبالتالي مصيره إلى النار، فيكتب عليه أنه شقي. بمعنى أن السعيد، أو من أراد لنفسه تلك النهاية، تتيسر له فعل أمور مؤدية به لنهاية سعيدة، وبالمثل تتيسر للشقي فعل أمور تؤدي به لنهاية شقية، فكلُ إنسان مُيسّرٌ لما خُلق له كما في الحديث: ” ما منكم من أحد إلا وقد كُتِبَ مَقْعَدهُ من النَّار، وَمَقْعَدُهُ من الجنَّة، قَالُوا:” يا رسُول الله، أَفَلَا نَتَّكلُ على كتابنا، ونَدَعُ العمل؟ قال: اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. أَما من كان من أَهل السَّعَادة فَيُيَسَّرُ لعمل أَهل السَّعَادَة، وأَمَّا من كان من أَهل الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لعَمَلِ أَهل الشَّقَاوَة، ثم قرأَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فسنيسره لليسرى } (الليل : 5 – 7 )وهذه نقطة ثانية.

  أما النقطة الثالثة فتتعلق بالنهاية التي تكون نتاج العمل الذي يقوم به الشخص، وهذا ما يتبين في بقية الحديث ” …إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها”.

السعيد مثلاً أو الذي كُتب عليه وهو جنين في بطن أمه أنه سعيد، تراه يعمل الأعمال التي تؤدي بالضرورة للنهاية السعيدة، وهي الموت على الإيمان ثم الجنة بإذن الله، حتى وإن رأيته في فترات من حياته يقوم بأعمال تبدو أنها مهلكة، ومصيره النار. لكن ولأنه مكتوب عليه أنه سعيد، تجده يتغير ويعمل بأعمال تحقق له النهاية السعيدة. وبالمثل من كُتب عليه أنه شقي. قد تجده يقوم بأعمال صالحة وغيرها من تلك التي يعتقد أي أحد أنها ستدخله الجنة. لكنه يتغير، ويقوم بأعمال ستؤدي به وبالضرورة إلى نهاية بائسة شقية، كما كُتبت عليه وهي الموت على الكفر ثم النار والعياذ بالله.

ماذا يعني كل هذا؟

فهم هذا الأمر يتيسر أكثر في فهم حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – قال:” إنما الأعمالُ بالخواتيم ” أي أن الإنسان منا يجتهد أن تكون عبادته صحيحة خالصة لله، ولا يشرك بالله أحداً، أو يعبد الله رياء وسمعة، أو يغتر بأعماله مهما كانت صالحة رائعة طيبة، لأن الأصل أو العبرة بالخواتيم، حتى قيل بأن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقول أحدهم: بماذا يُختم لنا؟ هكذا كانوا، وهكذا نسأل الله أن نكون منهم وعلى خطاهم، وأن يُحسن خاتمتنا في الأمور كلها، ويجعل خير أيامنا يوم لقائه، وخير أعمالنا خواتيمها.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين