شريعة

رَفْعُ الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال

رفع الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال

“رَفْعُ الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال” هو عنوان كتاب للعلامة الحافظ الفقيه الأصولي اللغوي أبي سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي التركي الشافعي (ت: 761 هـ) يرُدّ فيه على دعوى للحافظ أبي عمر بن حسن المعروف بابن دحية ذكرها في كتابه “العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور”، تتمثل في الطعن في حديث: “من صام رمضان فأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله”.

إن كتاب “رَفْعُ الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال” الذي نحن بصدد الحديث عنه يُعدُّ من أهم الكتب التي تتناول قضية حديثية أفرد لها صاحب “صحيح مسلم” باباً خاصاً عنوانه: “باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان”[1] وأخرجها الأئمة الأربعة أصحاب السنن، ومع ذلك لا تزال محلَّ إشكال ونقاش، وقد ألفت فيها كتب عديدة، منها: “خيرة الآمال في تحقيق أحاديث صيام ست من شوال”، و”تحرير الأقوال في صوت الست من شوال”، و”بلوغ المنال في أحكام صيام الست من شوال”.

ومن أجل المساهمة في رفع هذا الإشكال، سنحاول في هذه المقالة أن نستعرض دعوى ابن دحية بخصوص تضعيف حديث صيام ستة من شوال، ثم سنكشف عن بعض الحجج التي رد بها ابن كيكلدي على تلك الدعوى، على أن نختم حديثنا بعرض بعض أقوال العلماء بخصوص وقت صيام تلك الأيام؟ وهل تكون متصلة أم متفرقة؟.

دعوى الحافظ ابن دحية

قبل الانتقال إلى عرض نصّ دعوى ابن دحية بخصوص تضعيف حديث شوال، لا بد من التذكير بأن الحكم على الأحاديث لا يتم من خلال إلقاء الكلام على عواهنه، بل لا بد من التدبر والتحري وتقديم أدلة علمية واضحة ومقنعة تحترم وتعتمد أسس ومناهج علم الجرح والتعديل الذي يُعدُّ من أقدم علوم الحديث عند المسلمين.

ولهذا، فإن هناك مجموعة من الأسئلة ينبغي الإجابة عليها عند حديثنا عن قضية تضعيف ابن دحية لحديث شوال، منها: كيف ضعّف ابن دحية هذا الحديث؟ وما أدلته وهل تصمد أمام أسس ومناهج الجرح والتعديل وشهادات وكتب علماء هذا الفن الشريف؟ أم أنها مجرد وهم أو تدليس؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، سنعرض كلام ابن دحية الذي نقله ابن كيكلدي في كتابه “رَفْعُ الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال” عن حديث صيام ستة أيام من شوال، ثم نناقش حجج ابن كيكلدي، قال أبو الخطاب بن دحية رحمه الله: “هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه يدور على سعد بن سعيد وهو ضعيف جداً، تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث، وأخذ عن أخويه الإمامين يحيى بن سعيد القاضي وعبد ربه بن سعيد.. إلخ”[2].

والواضح من هذا الكلام أن دعوى ابن دحية تقوم على أدلة معينة، منها أن هذا الحديث لا يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن يدور على سعد بن سعيد، وهو ضعيف جداً تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث، ولكننا لا يمكن أن ننقل هذا الكلام ثم نسلّم به ونمر مرور الكرام دون أن نعرف كيف كان رد العلامة ابن كيكلدي على هذه الدعوى؟ بل لا بد من عرض الحجج التي قدمها ابن كيكلدي لنقض دعوى ابن دحية؟ وهذا أوان ذلك.

ردود العلامة ابن كيكلدي

إن الناظر في كتاب ابن كيكلدي “رَفْعُ الإشكال عن صيام ستة أيامٍ من شوال” يجد أنه قام بتشريح دعوى ابن دحية، حيث توقّف مع كل حجة لوحدها فنقضها بطريقة واضحة، معتمداً في ذلك على كتب الحديث والجرح والتعديل، مقدماً عدداً من الأدلة على صحة رأيه وإبطال حجج ابن دحية، نعرض بعضها على النحو التالي.

الحجة الأولى: أن هذا الحديث لا يصح عن الرسول، وقد رد ابن كيكلدي على هذه الحجة فقال إن هذا القول غير مسلّم به، لأن مسلماً أخرج هذا الحديث في صحيحه، ومن المعلوم أن العلماء اتفقوا على صحة ما في الصحيحين (البخاري ومسلم)[3]، وقد نُقل عن مسلم أنه قال: “ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا – يعني في كتابه الصحيح، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه”، وهذا الأمر دفع ابن كيكلدي إلى أن يتساءل باستغراب: كيف يُقال في حديث أخرجه مسلم واحتج برواته (لا يصح)؟”.

الحجة الثانية: دوران الحديث على سعد بن سعيد، ذكرنا أن ابن دحية يرى أن دوران الحديث على سعد بن سعيد يجعله ضعيفاً، أما ابن كيكلدي فيقول إن الأمر ليس كذلك، لأن هذا الحديث قد رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد القاضي -أخو سعد المذكور- عن عمر بن ثابت أيضاً، حيث أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من رواية صفوان بن سُلَيم.

الحجة الثالثة: إنكار مالك لهذا الحديث، هذا ما ذهب إليه ابن دحية كما ذكرنا آنفاً، أما ابن كيكلدي فقام بنقض هذه الحجة من وجهين، الأول: أنه لا يُقال ضعيف جداً إلا لمن كان وضاعاً متروكاً كأبي البختري القاضي ومحمد بن سعيد المصلوب، أو لمن قاربهم مثل عمرو بن شمر، وجابر الجعفي، ويزيد الرقاشي، أما غير هذا فلا يقال فيه “ضعيف جداً”.

أما الوجه الثاني، فيتعلق بقول ابن دحية: “تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث”، وهذا القول يدفع إلى التساؤل عن دوافع هذا الحكم ومصدره، ولذلك نجد ابن كيكلدي يتساءل في هذا السياق قائلاً: “من أين له هذا؟ ومن نقله غيره؟ فمالك رحمه الله في الموطأ لم ينكر إلا العمل بالحديث، ولم يتعرض إلى الحديث ولا إلى روايته”[4].

ويبدو أن ابن كيكلدي قام بالبحث عن مصدر هذا الإنكار في مظانّه، فتوصل إلى أن أبا عمر بن عبد البر والقاضي عياض والقرطبي في شرحهما لصحيح مسلم لم يذكر أحد منهم قدحاً في الحديث أو في روايته، وفي هذا السياق ذكر ابن كيكلدي ملاحظة مهمة، وهي أنه قد يكون حصل وهم أو تدليس فيما يتعلق بسعد بن سعيد، فهناك سعد بن سعيد الأنصاري المدني الذي ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وهناك سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري مولى بني ليث ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء.

الحجة الرابعة: أنه منكر على الدراوردي، وقد قام ابن كيكلدي بالرد على هذه الحجة أيضاً، فقال إن ابن دحية إن أراد به أن راويه عن الدراوردي ضعيف، فقد أخرجه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، والنسائي عن خلاد بن أسلم، وابن حبان في صحيحه.. إلخ[5]، أما إذا أراد الدراوردي نفسه، فهو ثقة احتج به مسلم كثيراً في كتابه وباقي الأئمة، وروى له البخاري مقروناً بغيره، ولم يذكر أحد من الأئمة أن الدراوردي كان يدلس، وبالتالي فإن دعوى التدليس في هذه الرواية غير مقبولة إلا بدليل[6].

وقت صيام ستة شوال

بعد أن انتهينا من استعراض دعوى ابن دحية وذكرنا ردود ابن كيكلدي على تلك الدعوى، جاز لنا أن نطرح بعض الأسئلة التي تطرح دائماً في هذا السياق، مثل: ما وقت صيام الأيام الستة من شوال؟ هل يكون في بداية الشهر أو في وسطه أو في آخره؟ وهل تكون هذه الأيام متصلة أم متفرقة؟.

ويبدو لنا أن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي القول إن هناك خلافاً غير حادٍ حول هذه المسألة، فهناك من لم يحدد وقتاً لهذه الأيام مثل الإمام الأسفرائيني، وهناك من يُفضّل أن تكون ستة أيام من أول الشهر مثل ابن المبارك[7]، وهناك من يفضل اجتهاد المؤمن في تحصيلها خلال شوال كله مثل يوسف بن حسن بن عبد الهادي الذي يقول: “فليجتهد المسكينُ المذنبُ في تحصيلها ولو في الشهر كله”[8]، فمن أراد أن يصومها في أوله أو في وسطه أو في آخره، إذ لا يوجد نصٌّ يدل على التتابع، وبالتالي فالأمر واسع[9].

بقي علينا أن نذكّر بأن الأيام والليالي كلها لله وينبغي اغتنامها جميعاً في طاعته، فقد روى ابن أبي الدنيا عن بكر ابن عبد الله المزني رحمه الله أنه قال: ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا يُنادي: ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي.


[1] مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، 882.
[2] ابن كيكلدي، رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال،
[3] المصدر نفسه، 22.
[4] المصدر نفسه، 38.
[5] المصدر نفسه، 25.
[6] انظر، المصدر نفسه، 27-28.
[7] المصدر نفسه، 83.
[8] يوسف بن حسن بن عبد الهادي، معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام، 31.
[9] أبو حمود هادي بن قادري محجب، خيرة الآمال في تحقيق أحاديث صيام ست من شوال، 105.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات