تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة أواخر سنة ثلاث وعشرين للهجرة، والدولة الإسلامية يومئذ ليست هي الدولة التي تسلمها عمر بن الخطاب قبل عشر سنوات؛ فقد امتدت حدودها من مصر والشام إلى العراق وفارس، وقامت الدواوين، وانتظم بيت المال، واتسعت الولايات، وأصبحت المدينة عاصمة لدولة تضم شعوبًا وبلدانًا متعددة؛ ولذلك كان التحدي الأول أمام الخليفة الجديد هو المحافظة على ما بناه عمر، مع التعامل مع واقع جديد أخذ يتشكل بفعل اتساع الفتوحات وكثرة الأموال وتغير المجتمع.

الاستمرار مع التغيير

لم يبدأ عثمان عهده بهدم نظام سلفه أو استبدال رجاله جميعًا، بل أنفذ وصية عمر وأبقى عماله عامًا كاملًا، واستمرت في عهده المؤسسات التي نشأت قبله من الدواوين، وبيت المال، والقضاء، ونظام العطاء، وهذا جانب مهم في فهم سياسته؛ فالدولة الراشدة لم تكن تبدأ من جديد مع كل خليفة، وإنما كان اللاحق يبني على ما أنجزه السابق، ثم يجتهد فيما تستدعيه ظروف مرحلته؛ ولكن الاستمرار لم يكن يعني الجمود؛ فقد كانت الدولة في عهد عثمان أكثر ثراءً واتساعًا، واستمرت الفتوحات في جهات متعددة، ودخلت أموال كثيرة إلى بيت المال، واتسعت دائرة العطاء. وذكر الطبري وغيره أن عثمان زاد الناس في أعطياتهم، وهو أمر ينسجم مع وفرة الموارد واتساع الدولة في عهده، ولم يكن المال عنده مجرد مورد لتسيير الجيوش، بل أصبح جزءًا من إدارة مجتمع كبير أخذ مستوى معيشته يتغير مع حركة الفتوحات والتجارة.

وكان عثمان نفسه صاحب خبرة بالمال والتجارة قبل الإسلام وبعده؛ ولذلك جاء إلى الخلافة بخبرة تختلف في بعض جوانبها عن طبيعة عمر، ولم يكن اختلاف الطباع بين الرجلين اختلافًا في أصول الحكم، وإنما في أسلوب ممارسته؛ فعمر عُرف بشدة المتابعة للعمال والحزم الظاهر معهم، بينما غلب على عثمان الحلم واللين وسعة الصدر، وسيظهر أثر هذا الاختلاف بصورة أوضح كلما تقدمت سنوات خلافته.

الشورى ومتابعة الرعية

ظل مبدأ الشورى حاضرًا في إدارة عثمان للدولة، ولم يكن الخليفة منفردًا عن كبار الصحابة في المدينة، ومن الشواهد العملية على ذلك ما وقع عندما ضاق المسجد النبوي بالمصلين نتيجة زيادة عدد السكان، فرأى عثمان توسعته وإعادة بنائه، فشاور أهل الرأي من الصحابة، فلما وافقوه مضى في المشروع، وقد كانت توسعة المسجد سنة تسع وعشرين تقريبًا من أبرز المشروعات العمرانية في عهده؛ قال ابن عمر في المسجد: “ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج”؛ قال ابن كثير: “ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك، ولم يغيروه بعده”، فانتقل المسجد إلى بناء أكثر متانة يناسب الزيادة الكبيرة في عدد المسلمين، ولم يكن ذلك مجرد تجميل للمسجد، وإنما استجابة لتغير حجم المدينة والمجتمع بعد اتساع الدولة.

كما بقيت المدينة مركز القرار السياسي، ومنها كان الخليفة يتابع الولاة ويستقبل الوفود والشكاوى، ثم إن عثمان قد حج بالناس في سنوات خلافته، وكانت مواسم الحج بدورها مجالًا للقاء أهل الأمصار وسماع ما لديهم، ومع ذلك فإن المسافات الهائلة التي أصبحت تفصل العاصمة عن الولايات، وتزايد أعداد الداخلين في الدولة، جعلا الرقابة المباشرة التي مارسها عمر أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

الولاة بين الكفاءة والقرابة

كان من أكثر قضايا حكم عثمان إثارة للجدل مسألة الولاة؛ إذ عِيب عليه أنه ولى عددًا من أقاربه من بني أمية، وهذه القضية لا يصح حسمها بحكم عام؛ فلا القول بأن عثمان لم يول أقاربه صحيح، ولا القول بأنه سلّم الدولة كلها لبني أمية يصور الواقع بدقة؛ فقد ورث عثمان عن عمر ولاة كانوا قائمين على أعمالهم، ثم أجرى تغييرات مع تقدم عهده، وولى رجالًا من أقاربه وغيرهم، وكان بعض من ولاهم من أصحاب الكفاءة والقدرة على إدارة الولايات والفتوح، بينما ثبت الخطأ على بعضهم فعوقب أو عزل؛ ولذلك فإن تقويم سياسة عثمان في الولاة يحتاج إلى النظر في كل والٍ على حدة: لماذا ولاه؟ وكيف أدار ولايته؟ وما صحة الشكاوى التي وجهت إليه؟ وكيف تعامل عثمان معها؟ وهذا ما يجعل قضية الولاة أكبر من أن تختصر في كلمة “المحاباة”، كما أنها لا تحتمل دفاعًا عامًا ينفي كل مأخذ؛ فقد أصبحت الولايات في ذلك العصر مراكز ضخمة للمال والجند والنفوذ، وكان اختيار رجالها من أخطر قرارات الخليفة.

دولة تدخل مرحلة جديدة

إن أبرز ما يميز السنوات الأولى من خلافة عثمان هو استمرار حركة الدولة التي بلغت ذروة قوتها في عهد عمر؛ فالفتوح لم تتوقف بل تجاوز المسلمون في عهده بعض حدودهم السابقة، وبدأت الدولة تدخل البحر، واتسع نفوذها في شمال إفريقية وأرمينيا ومناطق من فارس وما وراءها؛ ولكن هذه النجاحات نفسها حملت معها تحديات جديدة، فقد تدفقت الأموال، وكثر السبي والغنائم، واتسعت الأمصار، ونشأ جيل لم يعش زمن النبوة، واختلطت شعوب وقبائل ومصالح متعددة داخل دولة واحدة، وهكذا لم تكن المشكلة أن عثمان ورث دولة ضعيفة، بل ربما كان العكس هو الأقرب: لقد ورث دولة شديدة القوة، سريعة الاتساع، وكان عليه أن يدير النتائج الاجتماعية والسياسية لذلك النجاح!

ومن هنا ينبغي الحذر من قراءة خلافة عثمان كلها من خلال السنوات الأخيرة منها؛ فالفتنة التي انتهت بمقتله قد تلقي بظلها على ما قبلها، حتى يبدو عهده كله زمن اضطراب، بينما شهدت سنوات طويلة منه استقرارًا واتساعًا وفتوحًا وتنمية لمؤسسات الدولة، كما ينبغي ألا تقاس طريقة عثمان بطريقة عمر في كل تفصيل؛ فكلاهما حكم وفق أصول الإسلام والشورى والعدل ومسؤولية الخليفة عن الرعية، ولكن لكل منهما طبيعته، كما أن المجتمع الذي حكمه عثمان في أواخر عهده لم يعد هو المجتمع الذي تسلمه عمر في بدايته.

الخاتمة

وهكذا لم تكن خلافة عثمان رضي الله عنه قطيعة مع الدولة التي بناها عمر، بل امتدادًا لها في مرحلة جديدة اتسعت فيها الأرض، وكثرت الأموال، وتعقدت شؤون المجتمع؛ ومن هنا فإن فهم عهده يقتضي النظر إليه في سياق زمانه وظروفه، لا اختزاله في الفتنة التي وقعت في آخر خلافته؛ فقد سبقتها سنوات من الاستقرار والفتوح واتساع الدولة، كانت جزءًا أصيلًا من تاريخ خلافته رضي الله عنه.