فتح الباري بين الحافظين: ابن رجب وابن حجر

فتح الباري بين الحافظين: ابن رجب وابن حجر

أولى العلماء صحيح البخاري عناية خاصة أكثر من كتب السنة الأخرى وذلك لسببين، الأول: لكونه أعظم كتاب البشر صحة وتوثيقا.

 الثاني: لما أودعه فيه المؤلف من دقائق الفقه والاستنباط.   

ولا يكاد يحصى كم المشتغلين بهذا الكنز، حتى أوصل بعضهم عدد ما دار في فلكه من الخدمة والعناية إلى ما يناهز أربعمائة (400) مؤلفا[1]، ما بين الشرح وغيره، إلا أن شروحه متنوعة ومتفاوتة، ومن أهم شروحه المطولة ما حواه الكتابان العظيمان: فتح الباري لابن رجب الحنبلي، وفتح الباري لابن حجر الشافعي، وقد قام عدد من الباحثين بدراسة مقارنة بين الكتابين، نلخصها في هذا الطرح.

فتح الباري لابن رجب

كان الحافظ الزاهد الفقيه أبو الفرج عبد الرحمن ابن رجب (ت:795) درة من درر العلم النفيسة، وصفه ابن حجر وقال:” مهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانية، وكان صاحب عبادة وتهجدا”[2].

وجميع مصنفات الحافظ فريدة في أبوابها ومباركة؛ لاعتدال آرائه وإنصافه للحق ونزاهة منهجه رحمه الله تعالى.

وقد سمى الحافظ شرحه لصحيح البخاري الذى شرع فيه بــ ( فتح الباري) ثم لم يقدر له إتمامه، وإنما وصل إلى كتاب الجنائز مع فقدان بعض الأحاديث المشروحة أيضا، حيث لو قدر له إتمامه لصدقت فيه مقولة الإمام الشوكاني “لا هجرة بعد الفتح” ومع ذلك وفي ما بقية بين أيدنا حوى لنا كثيرا من علم السلف الذى لا يستغنى عنه.  

قال الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله- عن فتح الباري:” وشرح -يعني ابن رجب- قطعة من (صحيح) البخاري إلى كتاب الجنائز. وهي من عجائب الدهر. ولو كمل كان من العجائب”[3] .

وقد حرص ابن رجب في هذا الكتاب –كعادته- على شرح الحديث بالحديث وبآثار السلف معتنيا بذكر الأسانيد والأحكام الفقهية المحررة، مما يجعل النفوس مطمئنة إلى ما في طيات الكتاب أكثر من غيره من الشروح.

فتح الباري لابن حجر

إذا تردد اسم الحافظ بين أهل العلم فغالبا يراد به أبو الفضل أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني (ت:828 ) إمام المحدثين في عصره بلا منازع رحمه الله.

وكتابه فتح الباري هو المعني أيضا عند الإطلاق وخاصة عند غير المتخصيصين، علما بأن السخاوي نقل عن ابن حجر عدم اطلاعه على فتح الباري لابن رجب، ولعله يقصد عدم إطلاعه على جميع الكتاب وإلا وقد صرح الحافظ بالنقل عنه في ثلاثة مواضع في الفتح، وعلى كل حال فكتاب الفتح لابن حجر كتاب مبارك ومتميز، ورزق بالقبول منذ عهد مؤلفه حتى يومنا هذا، وقضى الحافظ في تأليفه خمسا وعشرين سنة وختمه بوليمة عظيمة مشهودة، واعتنى بشرح جميع أحاديث الكتاب من أوله إلى آخره بنفس واحد، وبالمنهج المتوازن في الشرح، وبين دفتيه تعليقات نفيسة، وحل مشكلات، وأمانة علمية، ولذا عده العلماء عمدة لا يستغنى عنه، وأن به قضى الدين الذى على الأمة فيما يتعلق بشرح صحيح البخاري. 

المقارنة بين الكتابين

لا شك أن الكتابين قد حويا علما جليلا، وعظيم الفوائد، وشوارد الفرائد، وجم المنافع، ولم يتركا المسائل المهمة إلا ومحصاها غاية التمحيص والتحقيق، وما اعترضت شبهة تحتاج إلى إجابة إلا وكشفاها ودحضاها بالحجج والبراهن، ولا يستغني الطالب عن الكتابين أبدا، ولكن يبقى النظر الثاقب فيما تميز به كتاب ابن رجب عن كتاب ابن حجر من حيث الصناعتين: الحديثية والفقهية.

أولا: الصناعة الحديثية

  • كثرة اعتناء ابن رجب بتخريج واستصقاء طرق أحاديث الباب، بينما “التخريج عند ابن حجر مادة فرعية يأتي بها عرضا وعند ابن رجب مادة أساسية يطيل فيها غالبا”[4] ولك أن تنظر على سبيل المثال عند شرح ابن رجب لحديث “الإيمان بضع وستون شعبة..” فإنه افتتحه بتخريج طرقه عند مسلم وغيره بشكل واسع، بينما أوجز فيه ابن حجر.
  • شدة اهتمام ابن رجب بقضايا علوم الحديث أثناء الشرح أكثر حضورا ووضوحا من صنيع ابن حجر في الفتح، حيث يجد الإنسان نفسه متنقلا مع ابن رجب في المباحث الحديثية المتنوعة، تارة في مسائل الجرح والتعديل وتارة في مسائل العلل الجليلة والدقيقة وتارة في مسائل التصحيح والتضعيف وهو في كل ذلكم يحرر النقول والردود والمناقشات العلمية النافعة حتى نهاية المطاف يجد الطالب بين يديه بحثا حديثيا مستقلا حول حديث الباب.
  • مسلك ابن رجب في دراسة الحديث مسلك أئمة المتقدمين، ومعوله الكلي على أقوال أئمة الشأن الأولى، وهم عمدته في الحكم على السند والمتن، وهذا النهج القديم النقدى عند ابن حجر ليس بقوي المأخذ لتأثره بأقوال من تقدمه من الشراح المتأخرين، مثل: القاضي عياض وابن الصلاح  والكرماني والنووي وابن دقيق العيد والبلقيني وابن بطال والبغوي وغيرهم.
  • وصل ابن رجب للآثار المعلقة التى لم يقف عليها ابن حجر، لاطلاع ابن رجب على كتب لم تكن متاحة لابن حجر في حضرته.

كقول جابر رضي الله عنه ” نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن نخرج السلاح فى العيدين”.

قال ابن حجر:” لم أقف عليه موصولا إلا أن ابن المنذر قد ذكر نحوه عن الحسن”[5] .

وقال ابن رجب:” خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر فى كتاب الشافي”[6] وكأثر مروي عن ابن عمر وأبو هريرة أنهما ” يخرجان إلى الى السوق فى أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما”.

قال ابن حجر “لم أره موصولا عنهما وقد ذكره البيهقى أيضا معلقا عنهما وكذا البغوى”[7] .
قال ابن رجب ” وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبى هريرة فهو من رواية سلام أبى المنذر”[8] .

ثانيا: المسائل الفقهية

  • كان فقه الحديث عميقة الأصالة لدى ابن رجب، وهذا بين وجلي في عامة الكتاب، وكان يستهل الكلام بفقه الحديث بدءا من ترجمة الباب، ويبسط ويفصل ما تحتويها من الأحكام حتى يصل إلى حديث الباب، ثم يشرحه شرحا وافيا، معددا فيه القضايا الفقهية ويعطى كل قضية حقها من التجلية والتوضيح، حتى يشعر القارئ كأنه يقرأ في كتاب الفقه الخالص، بينما كتاب ابن حجر دون هذا المستوى.  
  • كتاب ابن رجب مظنة الفقه المقارن من الخلاف العالي ومذاهب القرون الأولى من الصحابة والتابعين وأقوال المحدثين وأئمة المذاهب الكبرى مع ذكر الأدلة والمناقشة، وبنقل من الكتب الأصلية المعتمدة مما لا يرد مثلها كثيرا في كتاب ابن حجر.
  • تحرير ابن رجب للمذهب الحنبلي تحريرا دقيقا، مع عنايته بالتنبيه على أخطاء منسوبة للإمام أحمد.

ومثال قوله:” وحكى رواية عن أحمد بجواز قراءة الآية ( أي للجنب)، وهي مخرجة من كلامه ليست منصوصة عنه، وفي صحة تخريجها نظر”[9] وقال أيضا” وبكل حال فيجزىء السجود وإن لم يباشر الأرض بيديه رواية واحدة، ولايصح عن أحمد خلافه، وإنما أصل نقل الخلاف عن أحمد مأخوذ من كتب مجهولة لايعرف أصحابها فلا يعتمد عليها”[10]  ولذا يصح جعل كتاب ابن رجب مصدرا من مصادر الحنابلة المعتمدة في المذهب، ولا يقال ذلك في كتاب ابن حجر لعدم عنايته بتحرير مذهب الشافعية في كتابه على نحو صنيع ابن رجب.

ثم امتاز ابن رجب على ابن حجر – في غير ما سبق – أنه سار على غرار سلف الأمة في تقرير مسائل العقيدة، ولا يقرر إلا ما هو صحيح الاعتقاد، بينما أخطأ ابن حجر في بعض المسائل العقائدية المتعلقة بالصفات وذهب فيها وفق مذهب الأشاعرة، ولكن هذه المخالفة لا تسوغ الحمل على ابن حجر والحكم عليه بالبدع وإخراجه من أهل السنة وإحراق كتبه، بل لم يزل الناس -من أهل العلم والطلبة – عالة على كتبه وبخاصة فتح الباري في فهم صحيح البخاري.   


[1]  ينظر: كتاب إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري، لمحمد عصام الحسيني. ص:6
[2]  إنباء الغمر بأنباء العمر ص:640
[3] – الجوهر المنضل. ص:50
[4] شرح علل الترمذي 1/285-286
[5]   فتح الباري 2/455
[6]  فتح الباري 8/456
[7]  فتح الباري 2/458
[8]  فتح الباري 9/8
[9]  فتح الباري 2/46
[10]  المصدر السابق 3/31-32 وينظر المزيد في المقال” مميزات شرح البخاري لابن رجب ومقارنته مع شرح ابن حجر” في ملتقى الحديث

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات