استقر في وجدان المسلمين أن من أعظم خصائص الإسلام الشموليةَ، وأنه لم يترك جانبًا من جوانب حياة الإنسان التي تتعلق بهدايته وتكليفه وأخلاقه وقيمه ومصالحه؛ إلا وبيَّنها، إلا أن هذه الحقيقة قد أسيء فهمها عند بعض الناس، فظنوا أن كمال الشريعة وشمولها يقتضيان أن يكون في القرآن الكريم أو السنة النبوية نص خاص لكل نظرية علمية، أو اختراع حديث، أو نظام إداري، أو اكتشاف طبي، أو تفصيل من تفاصيل الحياة المتغيرة، وهذا الفهم وإن صدر أحيانًا عن محبة للدين ورغبة في إظهار عظمته؛ إلا أنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ إذ يُحمّل النصوص ما لا تحتمل، ويصرفها عن مقاصدها، ويجعل القرآن الكريم وكأنه كتاب في الفيزياء والكيمياء والإدارة والهندسة، بدل أن يكون كتاب هداية ونور وإرشاد، مع أن عظمته لا تحتاج إلى هذا التكلف.
أولًا: كمال الشريعة لا يعني أن القرآن موسوعة للعلوم التجريبية
النصوص الدالة على كمال شريعة الإسلامية كثيرة جدًا، وقد كتب علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في بيان هذه الخاصية من خصائص الإسلام؛ ولكن الخطأ يقع للبعض في فهمها وتطبيقها؛ فمثلًا قول الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] لا يعني أن القرآن الكريم كتاب تفصيل لكل علم دنيوي، وإنما هو تبيان لكل ما يحتاج إليه الناس في أمر الهداية والدين، وما يتصل بذلك من أصول المصالح والقواعد التي تنتظم بها حياتهم. قال البغوي في تفسيره: “بيانًا لكل شيء يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام”.
وكذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] لا يصح أن تُجعل الآية دليلًا على أن القرآن يتضمن تفاصيل كل علم دنيوي؛ فقد اختلف المفسرون في المراد بالكتاب هنا فذهب جمهورهم إلى أنه اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كلَّ شيء كائن إلى يوم القيامة، قال ابن كثير في تفسير الآية: “الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدًا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء كان بريًا أو بحريًا. وحتى على رأي من قال بأنه القرآن؛ فلا يلزم منه حمل الآية على أن القرآن يشتمل على جميع الجزئيات العلمية والتقنية والصناعية ونحوها.
المعنى الحقيقي لشمولية الشريعة الإسلامية
ومن بيان المراد بالآيات السابقة ومثيلاتها الدالة على شمولية الإسلام؛ ينبغي أن نفهم أن كمال الإسلام يعني: أن الإسلام كامل في الهداية والتشريع، والقيم والمقاصد، وفي القواعد المنظمة لحياة الإنسان، وليس معنى ذلك أنه يقدم للبشرية معادلات الفيزياء، أو تفاصيل الهندسة، أو طرق تصنيع الأجهزة! وإنما يتدخل الإسلام لشموليته في مثل هذه الأشياء وغيرها من المستجدات والحوادث في جانبين هما:
الجانب الأول: في بيان الحكم الشرعي لها من حلال وحرام ونحوها، وذلك من خلال النظر في المصالح والمفاسد التي تشتمل عليها هذه المستجدات لاستنباط حكمها، وهو معنى قول أهل العلم: “ليس من حادثة إلا ولله فيها حكم قد بينه من تحليل أو تحريم وأمر ونهي”.
الجانب الثاني: الجانب القيمي والأخلاقي، وذلك من خلال دعوته أن تشيع فيها قيم الصدق والأمانة، والعدل والرحمة، والمسؤولية والاتقان، وغيرها من قيم الإسلام وأخلاقه.
ثانيًا: عندما نحمل النصوص ما لا تحتمل (مخاطر التكلف)
إن من أخطر صور التكلف أن يُنزَّل النص القرآني على معنى بعيد لمجرد أن نستخرج منه نظرية معاصرة بحجة شمولية الإسلام لكل شيء، ولا يعني هذا أن القرآن لا يقدم “هدايات” في الإدارة والاقتصاد، والسياسة والتربية، وسائر مجالات الحياة؛ ولكن الخطأ أن نحول كل قصة أو آية إلى نظرية تخصصية مكتملة لمجرد وجود تشابه جزئي بينها وبين قضية معاصرة.
أمثلة على التكلف في الاستدلال الإداري والقرآني
ومن أمثلة ذلك التكلف: ما يفعله بعض المهتمين بالإدارة عند تناول قصة موسى عليه السلام حين قال لهارون عليه السلام: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]، وذهب موسى عليه السلام لمناجاة الله تعالى، وعبدت بعده بنو إسرائيل العجل فنهاهم هارون ولكنه لم يحطم العجل…، فيجعل هؤلاء المهتمون بالإدارة من هذه القصة تطبيقًا ودليلًا مباشرًا على تحديد صلاحيات المدير ونائبه، وحدود تفويض السلطة، ومتى يعذر نائب المدير ومتى يحاسب على تقصيره الإداري!
ولا شك أن في القصة معاني عظيمة تتصل بالقيادة والمسؤولية والإصلاح، ويمكن للباحث أن “يستأنس” بشيء منها في دراسة بعض القضايا الإدارية، ولكن جعل هذا هو المقصد الأصلي للقصة يضيّق واسعًا، ويصرف القارئ عن مقصدها الأعظم؛ فهي في سياقها القرآني تتصل بالتوحيد والابتلاء والفتنة، وبيان طبيعة هذه الأمة وموقفها من عبادة العجل، وبغيرة موسى عليه السلام على التوحيد، وموقف هارون عليه السلام من الفتنة.
والقرآن ليس بحاجة إلى أن نحوله إلى لائحة تنظيمية لشركة تجارية، أو لدائرة حكومية حتى نثبت عظمته! بل عظمة القرآن تتجلى في هدايته للإنسان، وإقامة الحجة عليه، وتزكية نفسه، وإصلاح حياته، وبيان الحلال والحرام له، ووضع القواعد التي يستطيع من خلالها أن يتعامل مع المستجدات في كل عصر.
نعم يمكن للباحث أن يستخرج من قصة يوسف عليه السلام “دروسًا” في التخطيط الاقتصادي، أو من قصة ذي القرنين “دروسًا” في الإدارة والقيادة، أو من السنة النبوية مبادئ في التنظيم والتخطيط؛ ما دام يقرر أن هذه “دروس وهدايات مستفادة”، لا أنها نظريات علمية نزل بها القرآن تفصيلًا! وأولى من ذلك بالإنكار ما يتعلق بالعلوم التجريبية والقوانين الطبيعية؛ لأن قوانين الطبيعة تُعرف بالملاحظة والتجربة والبحث، والعلوم الإنسانية والتطبيقية تتطور بالاجتهاد والخبرة والتراكم المعرفي، ولا تحتاج إلى اختراع دلالات متكلفة في الآيات لإثبات إسلاميتها.
ثالثًا: بين أسلمة القيم وأسلمة المحتوى التجريبي
ومن هنا ظهرت في العقود الأخيرة نقاشات واسعة حول مفهوم أسلمة العلوم أو إسلامية المعرفة، وهي قضية تحتاج إلى قدر من التفصيل والإنصاف؛ لأن المصطلح قد يراد به معان مختلفة؛ فإذا كان المقصود أن تكون القيم والغايات والأخلاقيات التي تحكم استعمال العلم منضبطة بالإسلام، فهذا أمر مشروع بل مطلوب، فالاقتصاد مثلًا لا يكون إسلاميًا لمجرد تغيير اسمه، وإنما تظهر خصوصيته حين تضبط المعاملات بأحكام الشريعة، فيحرم الربا والغرر والظلم، وتراعى فيه العدالة، وتتحقق المصالح المشروعة.
وكذلك الطب فإن المعرفة الطبية في أصلها معرفة تجريبية يشترك البشر في اكتشافها، لكن الإسلام يضع ضوابط أخلاقية وشرعية لاستعمالها، فيبحث المسلم في أحكام الإجهاض، وزراعة الأعضاء، والتجارب الطبية، وحفظ النفس، وحرمة الاعتداء على الإنسان، وفق مقاصد الشريعة وأحكامها، وكذلك يُقال في أي تخصص؛ فالإسلام يوجه قصده وأخلاقه وغاية عمله، فيجعل العلم وسيلة لعمارة الأرض ونفع الإنسان، لا أداة للظلم، أو الإفساد، أو تدمير البشرية.
أما أن نبحث عن فيزياء إسلامية تختلف فيها قوانين الحركة للمسلم عن غيره، أو كيمياء إسلامية تختلف فيها خصائص العناصر بحسب عقيدة مكتشفها، أو هندسة إسلامية بمعنى أن المعادلات الهندسية ذاتها ذات صفة دينية، فهذا خلط بين مجال الوحي ومجال التجربة؛ فالماء يغلي وفق خصائصه الفيزيائية، سواء كان الذي يدرسه مسلمًا أو غير مسلم، وقوانين الجاذبية والميكانيكا والديناميكا الهوائية سنن كونية خلقها الله، والناس جميعًا مأمورون بالنظر فيها واكتشافها، وإنما تكون الصفة الإسلامية في الغاية والمنهج الأخلاقي والاستخدام المشروع، لا في تحويل القانون الطبيعي ذاته إلى قانون ديني!
الخاتمة
إن شمولية الإسلام حقيقة عظيمة من حقائق هذا الدين، لكنها تحتاج إلى فهم صحيح يحفظ لها معناها، ولا يحملها ما لا تحتمل، وفرق كبير بين أن نقول: إن الإسلام يهدي الاقتصاد والطب والإدارة والعلوم إلى ما فيه الخير والعدل، ويضع ضوابط استعمالها وأخلاقها، وبين أن نقول: إن كل قانون علمي أو نظرية تجريبية يجب استخراجها من نصوص الوحي!