لا تكمن صعوبة تدريس التنمية المستدامة في نقص المعلومات عن التغير المناخي أو التلوث أو الفقر أو استنزاف الموارد الطبيعية؛ فهذه القضايا باتت حاضرة في المناهج والبحوث والنقاشات العامة. لكن التحدي الأعمق يبدأ عندما ننتقل من معرفة المشكلة إلى مناقشة أسبابها، وتحديد المسؤولية عنها، والمفاضلة بين الحلول الممكنة، وتقدير آثار كل خيار في فئات المجتمع المختلفة. فهل تكون الأولوية لحماية البيئة أم لتوفير فرص العمل؟ ومن يتحمل كلفة التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون؟ وكيف نوازن بين احتياجات الأجيال الحالية وحقوق الأجيال المقبلة؟ وهل توجد إجابة علمية واحدة عن قضايا تتداخل فيها الوقائع والمصالح والقيم والاختيارات السياسية؟

من هذه المساحة المركّبة ينطلق كتاب “تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية”، الذي يضع العملية التعليمية أمام سؤال يتجاوز كيفية نقل المعارف البيئية إلى الطلاب، ليبحث في كيفية إعدادهم لفهم القضايا المستدامة ومناقشتها والحكم عليها والمشاركة الواعية في التعامل معها. فالكتاب لا يتعامل مع التعليم بوصفه وسيلة لإقناع المتعلمين بمواقف جاهزة، ولا يختزل الاستدامة في مجموعة سلوكيات فردية مرغوبة، بل ينظر إلى التدريس باعتباره ممارسة معرفية وأخلاقية وسياسية، تتطلب من المعلم وعيًا بطبيعة الخلافات، وبكيفية تشكّل المعرفة، وبالاختيارات والقيم التي تحكم القرارات المجتمعية.

وتنبع أهمية هذا العمل من أنه لا يكتفي بتأكيد ضرورة إدراج الاستدامة في التعليم، بل يسعى إلى تقديم إطار تربوي يساعد المعلمين على التعامل مع تعقيدها الفعلي: كيف يختارون الموضوعات؟ وكيف يعرضون تعدد وجهات النظر؟ وكيف يديرون النقاشات التي تتضمن خلافًا أخلاقيًا أو سياسيًا؟ وكيف يتيحون للطلاب التعبير عن مواقفهم وانفعالاتهم وتجاربهم، من دون أن يتحول الفصل الدراسي إلى مساحة للتلقين أو إلى ساحة تتساوى فيها جميع الآراء بصرف النظر عن أدلتها؟

التعريف بالكتاب وموقعه في أدبيات التربية والاستدامة

صدر الكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان Sustainable Development Teaching: Ethical and Political Challenges عن دار «روتليدج» عام 2019، ضمن سلسلة Routledge Studies in Sustainability، وحرّره ثلاثة باحثين هم: كاترين فان بويك (Katrien Van Poeck)، وليف أوستمان (Leif Östman)، ويوهان أوهمان (Johan Öhman). وتولى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نشر ترجمته العربية عام 2026 ضمن سلسلة «ترجمان»، بعنوان «تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية»، بترجمة ليان الجقة وعيسى طنوس. ووفق بطاقة الكتاب المرفقة، تقع الطبعة العربية في 440 صفحة.

ينتمي المحررون إلى حقل البحث التربوي وتعليم البيئة والاستدامة؛ فكاثرين فان بويك باحثة في تعليم البيئة والاستدامة بجامعة خنت في بلجيكا، وليف أوستمان أستاذ دراسات المناهج في جامعة أوبسالا بالسويد، ويوهان أوهمان أستاذ العلوم التربوية في جامعة أوريبرو بالسويد. ويعكس هذا التكوين البحثي طبيعة الكتاب، الذي يجمع بين دراسات المناهج، والتربية البيئية، وفلسفة التعليم، وتحليل الممارسات الصفية.

ويعلن المحررون في مقدمة الكتاب أن غايته دعم المعلمين وإلهامهم للمساهمة في عمليات التحول نحو التنمية المستدامة، وتطوير ممارسات تدريسية وهويات مهنية تمكّنهم من التعامل مع خصوصية قضايا الاستدامة، ولا سيما أبعادها الأخلاقية والسياسية. كما يسعى إلى تحويل نتائج البحوث الأكاديمية الحديثة إلى نماذج وأساليب وأدوات يمكن توظيفها في التدريس وتدريب المعلمين.

الفكرة المركزية – الاستدامة ليست موضوعًا علميًا محايدًا

تقوم الفكرة المحورية للكتاب على أن قضايا التنمية المستدامة لا يمكن تدريسها بوصفها حقائق علمية مستقرة فحسب. صحيح أن هذه القضايا تتطلب معرفة علمية دقيقة، وفهمًا للأنظمة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، لكنها تتضمن أيضًا خلافات حول القيم والمعايير والمصالح، وتستدعي إصدار أحكام وترتيب أولويات واتخاذ قرارات في ظروف لا تتوافر فيها دائمًا إجابات حاسمة.

فالتغير المناخي، مثلًا، ليس مجرد موضوع يشرح فيه المعلم أسباب ارتفاع درجات الحرارة وآثاره البيئية. إنه يفتح أسئلة عن المسؤولية التاريخية للدول الصناعية، وعدالة توزيع أعباء التخفيف والتكيف، وحقوق المجتمعات الأكثر تعرضًا للمخاطر، ومصالح الأجيال القادمة. وكذلك فإن أزمة الغذاء لا تقتصر على تفسير الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد، بل ترتبط بتوزيع الموارد، وأنماط الاستهلاك، والسياسات الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا يرفض الكتاب اختزال تدريس الاستدامة في نقل المعلومات أو تلقين الطلاب مواقف محددة مسبقًا. فالمتعلم لا يحتاج إلى معرفة أن مشكلة ما موجودة فحسب، بل يحتاج إلى فهم كيفية تشكلها، ولماذا يختلف الناس حولها، وما الأدلة المتاحة بشأنها، وما القيم التي تستند إليها الحلول المقترحة، ومن يتأثر بها أو يستفيد منها.

وهذا التحول في فهم وظيفة التدريس هو ما يمنح الكتاب خصوصيته؛ إذ ينقل مركز الاهتمام من مجرد تدريس موضوع الاستدامة إلى تدريس كيفية التفكير والتداول والحكم والعمل في قضايا الاستدامة.

لماذا تمثل قضايا الاستدامة تحديًا خاصًا للتعليم؟

1. طبيعة المشكلات المستعصية

يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لما يُعرف في الأدبيات البحثية باسم «المشكلات المستعصية» (Wicked Problems). وهي مشكلات لا تتسم فقط بصعوبة إيجاد حلول لها، بل تتداخل فيها أبعاد متعددة، وتتعدد الأطراف المتأثرة بها، وتختلف التفسيرات المتعلقة بأسبابها، كما لا يكون الاتفاق على الحلول الممكنة أمرًا مضمونًا.

وتتميز هذه المشكلات بأن تعريف المشكلة نفسه قد يكون موضع خلاف. فقد ينظر طرف إلى مشروع اقتصادي باعتباره فرصة للتنمية وتوفير الوظائف، بينما يراه طرف آخر تهديدًا للنظام البيئي أو لحقوق السكان المحليين. وقد يتفق الجميع على وجود مشكلة بيئية، لكنهم يختلفون بشأن المسؤولية عنها، أو بشأن الجهة التي ينبغي أن تتحمل تكاليف معالجتها.

ويترتب على ذلك أن المعلم لا يستطيع دائمًا تقديم إجابة نهائية ثم مطالبة الطلاب بحفظها. فالمطلوب هو تنظيم عملية تعلم تتيح فحص الأدلة، وفهم المصالح والقيم المتعارضة، ومقارنة البدائل، والتعرف إلى حدود المعرفة المتاحة.

ويشير فصل «التعامل مع المشكلات المستعصية في التدريس والتعلم: قضايا الاستدامة بوصفها تحديات معرفية وأخلاقية وسياسية» إلى أن هذه القضايا تجمع بين عدم اليقين الواقعي أو العلمي، والخلاف حول القيم والمعايير. ومن ثم فإن إنتاج المعرفة بشأن المشكلة والحلول الممكنة لا ينفصل عن التحديات الأخلاقية والسياسية المرتبطة بها.

2. عدم اليقين لا يعني غياب المعرفة

من المسائل الدقيقة التي يثيرها هذا المنظور ضرورة التمييز بين عدم اليقين العلمي وبين الاعتقاد بأن جميع الآراء متساوية أو أن الحقيقة غير قابلة للمعرفة.

فقد تكون بعض جوانب القضية مدعومة بأدلة علمية قوية، في حين تظل جوانب أخرى موضع نقاش أو تحتاج إلى مزيد من البحث. وقد يكون الخلاف متعلقًا بتفسير البيانات، أو بتوقع النتائج المستقبلية، أو بتحديد الأولويات، أو بتوزيع الأعباء والمنافع.

ولهذا ينبغي أن يتعلم الطلاب التمييز بين ما نعرفه، وما لا نعرفه بعد، وما نختلف بشأنه لأسباب تتعلق بالقيم والمصالح. فليس كل خلاف دليلًا على ضعف المعرفة، كما أن وجود خلاف سياسي أو أخلاقي لا يلغي أهمية الأدلة العلمية.

3. تداخل المعرفة والأخلاق والسياسة

يؤكد الكتاب أن تدريس الاستدامة يتطلب الانتباه إلى ثلاثة أبعاد مترابطة:

  • البعد المعرفي: ما المعلومات المتاحة؟ وما مصادرها؟ وما درجة موثوقيتها؟ وما حدود التفسير العلمي؟
  • البعد الأخلاقي: ما القيم التي ينبغي مراعاتها؟ وما الذي يعد عادلًا أو مسؤولًا؟ وكيف تُوازن حقوق الأفراد والمجتمعات والأجيال؟
  • البعد السياسي: من يملك سلطة اتخاذ القرار؟ ومن يشارك فيه؟ وكيف تتوزع المصالح والتكاليف والمنافع؟ وما أشكال القوة والتأثير التي تحكم معالجة المشكلة؟

ولا يعني الفصل بين هذه الأبعاد أن كل واحد منها مستقل عن الآخر؛ بل إن أهميتها التربوية تظهر تحديدًا في تفاعلها. فالطالب الذي يدرس قضية الطاقة، مثلًا، يحتاج إلى فهم تقني لمصادرها وآثارها، لكنه يحتاج كذلك إلى مناقشة العدالة في توزيع تكاليف التحول، والجهات التي تحدد السياسات، والخيارات التي تتاح للمجتمعات المختلفة.

البنية العامة للكتاب وأقسامه الثلاثة

ينتظم الكتاب في ثلاثة أقسام مترابطة، تسبقها مقدمة تحريرية، ويضم عشرين فصلًا. ولا تمثل هذه الأقسام مجرد تقسيم موضوعي، بل تعكس مسارًا فكريًا وتربويًا يبدأ بتحديد طبيعة التحدي الذي تطرحه الاستدامة على التعليم، ثم ينتقل إلى اختيار المحتوى والمقاربات التربوية، وينتهي بتصميم الممارسات التعليمية وتنفيذها داخل الصف وخارجه.

استنادًا إلى فهرس الطبعة الأصلية المنشور لدى Routledge وGoogle Books.

القسم الأول: التعليم وتحدي بناء عالم أكثر استدامة

يضع القسم الأول الأساس المفاهيمي والتربوي الذي يقوم عليه الكتاب، ويتناول معنى الاستدامة والتحولات المجتمعية المرتبطة بها، وطبيعة المشكلات التي تواجه المجتمعات في مسار الانتقال نحو أنماط أكثر استدامة.

الفصل الأول: أربعة مفاهيم خاطئة بشأن الاستدامة والتحولات

يتناول هذا الفصل، الذي كتبه توماس بلوك وإريك بارديس، تعدد المعاني التي تُمنح لمفهومي الاستدامة والتحول. فانتشار هذين المفهومين في الخطاب السياسي والتعليمي والاجتماعي لا يعني وجود اتفاق على تعريفهما أو على الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه المجتمعات لتحقيقهما.

وتكمن إحدى المشكلات التي يطرحها الفصل في أن مفهوم الاستدامة قد يُستخدم بمعانٍ مختلفة، تبعًا للمصالح والتصورات والقيم التي تتبناها الجماعات الاجتماعية. فهناك من يربطه أساسًا بالتقنيات النظيفة وتحسين كفاءة الإنتاج، وهناك من يربطه بإعادة تنظيم أنماط الاستهلاك والتوزيع والعدالة الاجتماعية، فيما يركز آخرون على حماية النظم البيئية والحدود الطبيعية.

ويترتب على هذا التعدد أن المفاهيم لا يمكن تقديمها للطلاب باعتبارها مصطلحات ذات تعريف واحد لا خلاف عليه. بل ينبغي أن يكون اختلاف التعريفات نفسه مدخلًا لفهم طبيعة النقاش المجتمعي حول مستقبل المجتمعات والخيارات التي ينبغي اعتمادها.

وتبرز أهمية هذا الفصل في تنبيه المعلم إلى أن تحديد معنى الاستدامة ليس خطوة لغوية محايدة؛ إذ يمكن أن يحدد التعريف الذي يتبناه مسار النقاش، ويؤثر في الحلول التي تبدو ممكنة أو مقبولة.

الفصل الثاني: التعامل مع المشكلات المستعصية في التدريس والتعلم: قضايا الاستدامة بوصفها تحديات معرفية وأخلاقية وسياسية

يعمّق هذا الفصل، الذي شارك في كتابته توماس بلوك وكاترين فان بويك وليف أوستمان، النقاش حول الطبيعة المركبة لمشكلات الاستدامة. ويبين أن هذه المشكلات لا تتعلق فقط بنقص المعلومات، بل تنشأ أيضًا من عدم اليقين بشأن بعض الوقائع، ومن اختلاف المعايير الأخلاقية، وتعارض المصالح والتصورات السياسية.

وتكمن القيمة التربوية لهذا الطرح في أنه يوضح لماذا لا تكفي طريقة التدريس القائمة على تقديم المشكلة ثم عرض حل علمي واحد لها. فالمعلم يحتاج إلى مساعدة الطلاب على التمييز بين طبيعة الأدلة المتاحة، والاختلاف في تفسيرها، والاختلاف في القيم التي توجه المواقف تجاهها.

ومن ثم فإن معالجة المشكلة المستعصية داخل الفصل تقتضي إتاحة المجال أمام الأسئلة المتعددة، ومناقشة البدائل، وفهم الأطراف المتأثرة، وتحليل الأسباب التي تجعل الوصول إلى اتفاق أمرًا صعبًا.

الفصل الثالث: مبادئ تدريس التنمية المستدامة

يقدم هذا الفصل، الذي أعده ليف أوستمان وكاترين فان بويك ويوهان أوهمان، مجموعة من المبادئ التي تساعد في تصميم تدريس الاستدامة. وتحدد دراسة الفصل خمسة مبادئ أساسية:

  1. إيجاد ارتباط فعلي بين المتعلمين ومحتوى التدريس: بحيث لا تبقى الاستدامة موضوعًا بعيدًا عن تجارب الطلاب وأسئلتهم، بل تصبح قضية يمكنهم إدراك صلتها بحياتهم ومحيطهم.
  2. اختيار بؤرة واضحة للتدريس: لأن اتساع موضوعات الاستدامة وتشابكها قد يؤديان إلى تشتت التعلم إذا لم يُحدد المعلم القضية أو السؤال الذي يركز عليه.
  3. التعامل مع مشكلات الاستدامة المحلية: من خلال ربط التعلم بقضايا ملموسة في البيئة والمجتمع القريبين، مع إبقاء الصلات الأوسع بهذه القضايا حاضرة.
  4. التأكيد على التعددية: بإتاحة فحص وجهات النظر والبدائل المختلفة، وعدم اختزال القضية في موقف واحد مفروض مسبقًا.
  5. إدراج الأبعاد الأخلاقية والسياسية: بحيث لا يقتصر الدرس على المعلومات العلمية، بل يتناول أيضًا القيم والمصالح والقرارات والسلطة والمسؤولية.

وتستند هذه المبادئ إلى تصور تربوي براغماتي وتفاعلي، ينظر إلى التعلم والتدريس من خلال الفعل والتفاعل، لا باعتبارهما مجرد استقبال للمعلومات.

القسم الثاني: اختيار محتوى التدريس ومقارباته

ينتقل القسم الثاني من السؤال المتعلق بطبيعة الاستدامة إلى سؤال أكثر اتصالًا بعمل المعلم: ماذا ندرّس؟ وكيف نختار المحتوى؟ وما الأهداف التربوية التي نريد تحقيقها؟ وما المقاربة التي تساعد الطلاب على التعامل مع الاختلافات الأخلاقية والسياسية؟

وتكمن أهمية هذا القسم في أنه يضع الاختيارات التربوية نفسها موضع الفحص؛ فاختيار موضوع معين، أو تقديم قضية من زاوية محددة، أو إعطاء مساحة لصوت دون آخر، كلها قرارات تؤثر في طبيعة ما يتعلمه الطلاب وفي فهمهم لموقعهم داخل المجتمع.

الفصل الرابع: تدريس التنمية المستدامة في ضوء التأهيل والتنشئة الاجتماعية وتكوين الشخصية

يقدم هذا الفصل، الذي كتبته كاترين فان بويك وليف أوستمان، نموذجًا لتخطيط تدريس الاستدامة في ضوء ثلاث وظائف للتعليم:

  • التأهيل (Qualification): تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات والفهم اللازم لأداء مهام معينة، وفهم القضايا والتعامل معها.
  • التنشئة الاجتماعية (Socialisation): إكساب المتعلمين القيم والاتجاهات والمعايير والتصورات السائدة في مجتمع أو تقليد اجتماعي معين.
  • تكوين الشخصية (Person-formation): الإسهام في تشكل الذات ونضج الشخصية وتطور قدرة الفرد على تحديد موقعه وموقفه من العالم.

ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة لأنه يلفت الانتباه إلى أن التدريس لا يقتصر على نقل المعرفة والمهارات. فالمعلم، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، يسهم أيضًا في تشكيل قيم الطلاب وتصوراتهم عن المجتمع، وفي بناء هوياتهم ومواقفهم.

ومن هنا يطرح الفصل ضرورة أن يكون المعلم واعيًا بالأهداف المختلفة التي تتحقق داخل الممارسة التعليمية، وأن يدرك أن هذه الأهداف قد تتداخل، وأن إحداها قد تتقدم على غيرها في موقف تعليمي معين.

الفصل الخامس: تقاليد التدريس المختلفة في تعليم البيئة والاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي أعده يوهان أوهمان وليف أوستمان، تعدد التقاليد والمقاربات التي تشكلت في مجال التربية البيئية وتعليم الاستدامة.

وتكمن أهمية هذا التعدد في أن تدريس البيئة لم يتطور في اتجاه تربوي واحد؛ فهناك مقاربات تركز على المعرفة العلمية وفهم الظواهر البيئية، وأخرى تعطي أهمية لتغيير السلوك والاتجاهات، ومقاربات تركز على المشاركة والتفكير النقدي، وأخرى تهتم بالبعد الديمقراطي والسياسي للقضايا البيئية.

ولا يعرض تعدد التقاليد هنا بوصفه مشكلة ينبغي التخلص منها بالضرورة، بل باعتباره مدخلًا لفهم الاختلافات في أهداف التعليم ومناهجه. فكل تقليد يسلط الضوء على جوانب معينة من القضية، وقد يبرز أهدافًا تربوية تختلف عن تلك التي تبرزها مقاربات أخرى.

والسؤال الذي يواجه المعلم ليس مجرد اختيار اسم مدرسة تربوية، بل إدراك ما يترتب على اختياره من نتائج: ما نوع المعرفة التي سيقدمها؟ وما مساحة مشاركة الطلاب؟ وهل يركز على تغيير السلوك أم على بناء القدرة على الحكم والمناقشة؟ وما موقع القيم والخلاف السياسي في الدرس؟

الفصل السادس: تصنيف النزعات الأخلاقية: المواقف الأخلاقية والمعنوية في تعليم البيئة والاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبه يوهان أوهمان وليف أوستمان، كيفية ظهور القضايا الأخلاقية والمعنوية في الممارسات التعليمية.

فالقضايا البيئية تثير أسئلة تتعلق بالمسؤولية والواجب والإنصاف والحقوق، وقد تتطلب من المتعلمين إصدار أحكام بشأن ما ينبغي فعله، لا مجرد وصف ما يحدث. ومن أمثلة ذلك مسؤولية الأفراد والشركات والدول عن التلوث، والواجب تجاه الكائنات الحية، والإنصاف في توزيع الموارد، وحقوق الأجيال المقبلة.

وتنبع أهمية التصنيف الذي يطرحه الفصل من أنه يساعد على ملاحظة الكيفية التي تظهر بها المواقف الأخلاقية داخل التدريس، وكيف يتعامل المعلم معها. فالأخلاق ليست موضوعًا إضافيًا يمكن وضعه في نهاية درس العلوم، بل قد تكون حاضرة في صلب القضية نفسها، وفي الأسئلة التي يطرحها الطلاب، وفي الأحكام التي يصدرونها.

الفصل السابع: منظور براغماتي لتعليم القيم

يقدم هذا الفصل، الذي شارك في كتابته يوهان أوهمان وديفيد أو. كرونليد، منظورًا براغماتيًا لتعليم القيم.

وتنبع أهمية هذا المنظور من أنه لا يتعامل مع القيم باعتبارها مجموعة من المبادئ التي ينبغي تلقينها للطلاب، بل يربط تعلمها بالمواقف والخبرات والممارسات التي يواجهها المتعلمون. فالقيم تصبح موضوعًا للتفكير والتعلم عندما يجد الطلاب أنفسهم أمام مواقف تتطلب الاختيار، أو عندما يواجهون تعارضًا بين قيم أو التزامات مختلفة.

ويتصل هذا الطرح بالمنظور البراغماتي الذي يستلهمه الكتاب عمومًا، ولا سيما الاهتمام بالتجربة والتفاعل والتفكير في المشكلات الواقعية. فتعليم القيم لا يتحقق بمجرد مطالبة الطلاب بترديد عبارات عن المسؤولية أو العدالة، بل من خلال إتاحة مواقف تسمح لهم بالتعبير عن أحكامهم، وفحص أسبابها، ومراجعتها في ضوء تجارب الآخرين وحججهم.

الفصل الثامن: تصنيف النزعات السياسية: تجليات البعد السياسي لقضايا الاستدامة في الممارسة التعليمية

يتناول هذا الفصل، الذي شارك في كتابته مايكل هاكانسون وكاترين فان بويك وليف أوستمان، كيفية ظهور البعد السياسي لقضايا الاستدامة داخل الممارسات التعليمية.

ويقدم الفصل تصنيفًا يميز بين صور متعددة لهذا البعد، منها المشاركة الديمقراطية، والتأمل السياسي، والمداولة السياسية بأنماطها المختلفة، واللحظة السياسية. ويهدف هذا التصنيف إلى مساعدة الباحثين والمعلمين على فهم الطرق المختلفة التي يمكن أن تظهر بها السياسة في الفصل الدراسي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مفهومًا واحدًا أو نشاطًا واحدًا.

ويعني البعد السياسي هنا ما يتصل بتنظيم الحياة المشتركة، واتخاذ القرارات بشأن البدائل المتنافسة، وتوزيع الموارد والسلطة، والتعامل مع المصالح المتعارضة. ومن ثم فإن مناقشة قضية مثل استخدام الأراضي أو توزيع المياه أو سياسات الطاقة ليست مجرد مناقشة علمية، بل تتضمن أسئلة حول من يقرر، ومن يستفيد، ومن يتحمل الأضرار، وكيف يمكن للمجتمع أن ينظم حياته المشتركة.

وتستند هذه المعالجة إلى تصنيف بحثي سابق نشره المؤلفون، يميز بين صور مختلفة لظهور السياسة في تعليم البيئة والاستدامة، ويربطها بأهداف التعليم ووظائفه.

الفصل التاسع: المداولة والصراع: مقاربتان مختلفتان للبعد السياسي في تعليم البيئة والاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي أعده آيسغير تريغفاسون ويوهان أوهمان، مقاربتين للتعامل مع البعد السياسي في التعليم: المداولة (Deliberation) والصراع أو التنازع السياسي (Agonism).

تقوم المداولة على تبادل الحجج والآراء، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وفحص البدائل، والسعي إلى الوصول إلى فهم مشترك أو قرار يمكن تبريره. وهي تتيح للطلاب ممارسة النقاش العقلاني وتعلم كيفية بناء الحجج وتقييمها.

أما المقاربة القائمة على الاعتراف بالصراع السياسي، فتنطلق من أن الخلاف ليس دائمًا عارضًا يمكن تجاوزه بمجرد تبادل المعلومات أو الوصول إلى صيغة توافقية. فقد تعكس الاختلافات مصالح وقيمًا وتصورات متعارضة بشأن كيفية تنظيم الحياة الاجتماعية، وقد يكون إبراز هذه الاختلافات ومناقشتها أمرًا ضروريًا لفهم القضية.

ولا يعني ذلك تمجيد الخصومة أو تحويل الفصل إلى مواجهة بين الطلاب، بل الاعتراف بأن التوافق ليس دائمًا ممكنًا أو مطلوبًا، وأن التعليم الديمقراطي يحتاج إلى مساحة تسمح بعرض المواقف المتعارضة ومساءلتها والدفاع عنها بالحجة.

ومن أبرز ما يثيره هذا التمييز أن المعلم ينبغي ألا يفترض مسبقًا أن نجاح النقاش يعني بالضرورة وصول الطلاب إلى رأي واحد. فقد يكون النجاح التعليمي في بعض الحالات هو أن يفهم الطلاب أسباب الخلاف، وأن يتعرفوا إلى مصالح الأطراف المختلفة، وأن يصبحوا أكثر قدرة على التعامل المسؤول مع الاختلاف.

القسم الثالث: تصميم ممارسات التدريس والتعلم وتنفيذها

يمثل القسم الثالث الجانب التطبيقي في الكتاب؛ إذ ينتقل من المبادئ والتصنيفات والمقاربات إلى كيفية تنظيم التعلم داخل المواقف التعليمية الفعلية. ويهتم بدور المعلم في بناء بيئة التعلم، وإدارة التفاعل، وفتح المجال أمام الطلاب للتفكير والتعبير والمداولة، والتعامل مع الانفعالات والخلافات التي تثيرها قضايا الاستدامة.

الفصل العاشر: نظرية تفاعلية في تعلم الاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبه ليف أوستمان وكاترين فان بويك ويوهان أوهمان، تصورًا تفاعليًا للتعلم، يركز على العلاقة بين المتعلم والبيئة التي يحدث فيها التعلم.

ولا ينظر هذا التصور إلى التعلم باعتباره عملية عقلية منفصلة عن السياق، بل بوصفه عملية تتشكل من خلال التفاعل بين الأفراد، والمحتوى، والأنشطة، والمؤسسات، والظروف المادية والاجتماعية المحيطة.

وتترتب على ذلك نتيجة مهمة في تعليم الاستدامة: لا يمكن فهم تعلم الطالب بمعزل عن طبيعة القضية التي يناقشها، وطريقة تقديمها، والعلاقات التي تنشأ بين المشاركين، وما يتاح لهم من فرص للتعبير والتجريب والمراجعة.

ومن هذا المنظور، يصبح تصميم بيئة التعلم جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، لا مجرد إطار خارجي لها.

الفصل الحادي عشر: نظرية تفاعلية في تدريس الاستدامة: تحركات المعلم

يقدم هذا الفصل، الذي أعده المحررون الثلاثة، تصورًا عمليًا لكيفية إدارة المعلم للتعلم من خلال تدخلات تربوية مدروسة.

ويميز الفصل بين نوعين رئيسيين من تحركات المعلم:

  • تحركات تهيئة المشهد التعليمي: وتشمل الإضافات والتعليمات التي تساعد على بناء بيئة التعلم وتحديد شروط النشاط.
  • تحركات تنظيم الاستقصاء: وتشمل تدخلات تهدف إلى تأكيد ما يطرحه الطلاب، أو إعادة توجيه النقاش، أو توليد أفكار وأسئلة جديدة، أو إصدار أحكام وتقييمات.

ويصنف الفصل هذه التحركات أيضًا بحسب وظائفها في توجيه التعلم وتعميقه، ويبين أن المعلم يستطيع من خلالها أن يتعامل مع الجوانب المعرفية والأخلاقية والسياسية للقضية.

وتكمن أهمية هذا الفصل في أنه ينقل دور المعلم من مجرد مقدم للمعلومات إلى منظم للتفاعل والاستقصاء. فالمعلم لا يترك النقاش يسير عشوائيًا، ولا يفرض عليه نتيجة مسبقة، بل يتدخل في اللحظات المناسبة لتوسيع التفكير أو إعادة توجيهه أو مساعدة الطلاب على بناء فهم أكثر عمقًا.

الفصل الثاني عشر: التحركات الأخلاقية: كيف يفتح المعلم المجال للتعبير عن ردود الفعل الأخلاقية ومناقشة الآراء بشأن قضايا الاستدامة؟

يتناول هذا الفصل كيفية إتاحة المجال أمام الطلاب للتعبير عن استجاباتهم الأخلاقية تجاه قضايا الاستدامة، ثم الانتقال من التعبير الأولي عن الموقف إلى مناقشة أسبابه ومبرراته.

فقد يواجه الطالب قضية تثير لديه شعورًا بالظلم أو القلق أو المسؤولية، لكن التعبير عن الشعور وحده لا يكفي لتحقيق تعلم أخلاقي متعمق. وهنا يظهر دور المعلم في تنظيم النقاش، ومساعدة الطلاب على توضيح ما يستندون إليه من قيم، ومقارنة المواقف، وفحص ما يترتب على الأحكام المختلفة.

ولا يقتضي ذلك أن يفرض المعلم قيمة بعينها أو أن يحول النقاش إلى درس وعظي، بل أن يتيح للطلاب فرصة فهم المواقف الأخلاقية التي يطرحونها ومناقشتها في ضوء الحجج والآثار المترتبة عليها.

الفصل الثالث عشر: التحركات السياسية: كيف يفتح المعلم المجال أمام التجارب الحادة للجوانب الصراعية في قضايا الاستدامة ويتعامل معها؟

يركز هذا الفصل، الذي أعدته كاترين فان بويك وليف أوستمان، على كيفية تعامل المعلم مع اللحظات التي تظهر فيها التناقضات والمصالح المتعارضة في النقاشات الصفية.

فقد تكشف مناقشة قضية بيئية عن اختلافات عميقة بين الطلاب، أو بين الجماعات التي يتناولون تجاربها، وقد يتجاوز الخلاف اختلاف المعلومات إلى اختلاف في المصالح والحقوق والتصورات المتعلقة بالعدالة.

وتتمثل مهمة المعلم في عدم إخفاء هذه الجوانب أو اختزالها في خلاف عابر، وفي الوقت نفسه عدم السماح لها بالتحول إلى صدام شخصي بين المشاركين. والمطلوب هو بناء مساحة تعليمية يمكن فيها التعبير عن المواقف المتعارضة، وفهم جذورها، ومناقشة آثارها، مع الحفاظ على شروط الحوار والتعلم.

الفصل الرابع عشر: النقاشات الصفية: تعلم الطلاب من خلال المحاجّة بشأن الجوانب الأخلاقية والسياسية لقضايا الاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبته كارين رودسبرغ ويوهان أوهمان، النقاشات الصفية بوصفها مجالًا لتعلم الطلاب كيفية بناء الحجج ومناقشة القضايا الأخلاقية والسياسية.

فالمحاجّة ليست مجرد تبادل للآراء أو إعلان للمواقف، بل تتطلب تقديم مبررات، والاستناد إلى المعرفة، والاستجابة لحجج الآخرين، والتمييز بين الادعاء والدليل.

وتبرز أهمية هذا النوع من التعلم عندما تكون القضية موضع النقاش متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في إجابة واحدة. فالطلاب يتعلمون من خلال النقاش كيف يوضحون موقفهم، وكيف يختبرون قوته، وكيف يتعاملون مع الاعتراضات، وكيف يراجعون أفكارهم إذا ظهرت أدلة أو حجج جديدة.

الفصل الخامس عشر: السلطة والحوكمة في ممارسات تعليم البيئة والاستدامة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبته ماري أوهمان ويوهان أوهمان، حضور السلطة والحوكمة في ممارسات تعليم البيئة والاستدامة.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن القضايا البيئية لا تُدار في فراغ؛ بل تتأثر بالمؤسسات والقواعد والقرارات والعلاقات التي تحدد من يملك سلطة التصرف، ومن يشارك في اتخاذ القرار، وكيف تُوزع الموارد والمسؤوليات.

كما أن الممارسة التعليمية نفسها ليست خارج علاقات السلطة؛ فالمعلم يختار المحتوى وينظم المشاركة ويحدد قواعد النقاش، والمؤسسة التعليمية تعمل ضمن أطر تنظيمية وثقافية معينة.

ومن ثم فإن إدراك البعد المتعلق بالسلطة يساعد على فهم أن تعليم الاستدامة لا يقتصر على مناقشة مشكلات تقع خارج المدرسة، بل يتطلب أيضًا التفكير في كيفية تنظيم المعرفة والمشاركة والقرار داخل البيئة التعليمية ذاتها.

الفصل السادس عشر: التدريس بوصفه تنظيمًا للقاءات مع النصوص الأدبية في تعليم البيئة والاستدامة

تتناول بترا هانسون في هذا الفصل إمكانات النصوص الأدبية في تعليم البيئة والاستدامة.

فالأدب يستطيع أن يتيح للطلاب الاقتراب من قضايا البيئة والطبيعة والمجتمع من خلال السرد والتجربة الإنسانية والتخيل، وأن يفتح أمامهم طرقًا لفهم العلاقة بين الإنسان ومحيطه لا توفرها المعلومات العلمية وحدها.

ولا يعني ذلك أن النص الأدبي يحل محل المعرفة العلمية، بل إنه يقدم مجالًا مختلفًا للتفكير والتأمل، ويساعد على استحضار التجارب الإنسانية والانفعالات والقيم التي قد ترتبط بالقضايا البيئية.

الفصل السابع عشر: تناول القضايا الأخلاقية العالمية داخل الفصل الدراسي

يتناول هذا الفصل، الذي كتبته لويز سوند وكارين باشبي، كيفية إدخال القضايا الأخلاقية ذات الطابع العالمي إلى الممارسات الصفية.

وتتصل هذه القضايا بالمسؤولية والعدالة والاعتماد المتبادل بين المجتمعات، وبالآثار التي تتجاوز الحدود الوطنية. فالتغير المناخي، والفقر، والهجرة، واستهلاك الموارد، ليست قضايا محلية منعزلة، بل تتصل بشبكات من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العابرة للحدود.

ويتيح تناولها تربويًا للطلاب التفكير في علاقتهم بالعالم، وفي مسؤولياتهم تجاه أشخاص ومجتمعات قد لا يلتقون بهم مباشرة، وفي التوتر بين المصالح المحلية والاعتبارات العالمية.

الفصل الثامن عشر: الطلاب بوصفهم ذواتًا سياسية في خطابات التنمية المستدامة: لمحة من فصل سارة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبه إيان لونديغارد، موقع الطلاب بوصفهم ذواتًا سياسية داخل الخطابات التي تتناول التنمية المستدامة، مستعينًا بمثال من فصل دراسي.

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه لا يتعامل مع الطلاب باعتبارهم متلقين سلبيين للخطاب المتعلق بالاستدامة، بل يدرس كيفية تشكل مواقفهم وهوياتهم من خلال مشاركتهم في النقاشات والتفاعلات التعليمية.

فالمتعلم لا يكتسب معلومات عن التنمية المستدامة فحسب، بل يتخذ مواقف تجاهها، ويحدد موقعه من القضايا المطروحة، ويتعلم كيف يتحدث عنها ويشارك في النقاش بشأنها.

الفصل التاسع عشر: الخبرات المتجسدة في اتخاذ القرار أمام قضايا الاستدامة غير اليقينية والمعقدة

يتناول هذا الفصل، الذي كتبته بيرنيلا أندرسون، الخبرات المتجسدة المرتبطة باتخاذ القرار في مواجهة قضايا الاستدامة المعقدة وغير اليقينية.

ويشير هذا الموضوع إلى أن اتخاذ القرار لا يحدث من خلال التفكير المجرد وحده؛ فالخبرة الشخصية، والمشاعر، والإحساس بالمخاطر، والتفاعل مع المواقف الواقعية، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في كيفية فهم القضية والحكم عليها.

ومن ثم فإن التعلم لا ينبغي أن يقتصر على تحليل المعلومات بصورة نظرية، بل يمكن أن يستفيد من الخبرات التي تجعل الطلاب أكثر وعيًا بما تنطوي عليه القرارات من آثار ومسؤوليات.

الفصل العشرون: الانفعالات السياسية في تعليم البيئة والاستدامة

يختتم الكتاب بفصل أعده آيسغير تريغفاسون وأندرياس مارد، يتناول الانفعالات السياسية في تعليم البيئة والاستدامة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية لأن القضايا البيئية والسياسية قد تثير مشاعر القلق والخوف والغضب والأمل والإحباط، وهي مشاعر تؤثر في طريقة استقبال الطلاب للمعلومات وفي مواقفهم من الحلول المقترحة.

ولا يتعامل هذا الموضوع مع الانفعالات باعتبارها عناصر ينبغي إقصاؤها من العملية التعليمية حتى يصبح النقاش عقلانيًا، بل يلفت الانتباه إلى حضورها في التجربة السياسية والتعليمية، وإلى ضرورة فهمها والتعامل معها تربويًا.

فالتعليم الذي يتجاهل المشاعر قد يفشل في فهم جانب مهم من كيفية تشكل مواقف المتعلمين، بينما يتيح التعامل الواعي معها ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية، وفهم أسباب الالتزام أو الرفض أو القلق تجاه الخيارات المطروحة.

وتكشف موضوعات الفصول الأخيرة أن الكتاب لا يحصر تدريس الاستدامة في المحتوى العلمي أو النقاش اللفظي، بل يوسع مفهوم الممارسة التعليمية ليشمل السلطة، والنصوص، والخبرة، والانفعال، وتكوين المواقف السياسية.

الإطار الفلسفي والتربوي – أثر جون ديوي والبراغماتية

يستند الكتاب إلى منظور تربوي براغماتي تفاعلي، ويتأثر بفكر الفيلسوف والمربي الأمريكي جون ديوي. ويظهر هذا التأثر في مركزية الخبرة والتفاعل والاستقصاء وحل المشكلات، وفي النظر إلى التعلم بوصفه عملية تحدث من خلال المشاركة في مواقف واقعية تتطلب التفكير والفعل والمراجعة.

ومن منظور براغماتي، لا تكون المعرفة مجرد مجموعة من الحقائق التي يتلقاها المتعلم، بل ترتبط بالمشكلات التي يواجهها وبالطرق التي يستخدمها لفهمها والتعامل معها. ولذلك فإن القضية التعليمية الجيدة ليست بالضرورة تلك التي تملك إجابة سهلة، بل قد تكون قضية تفتح مجالًا للاستقصاء وتدفع الطلاب إلى اختبار أفكارهم وتطوير فهمهم.

ويظهر هذا التوجه في اهتمام الكتاب بالقضايا المحلية والمواقف العملية، وفي ربط التعلم بالمشاركة والحوار، وفي إعطاء المعلم دورًا نشطًا في تنظيم بيئة التعلم وتوجيه الاستقصاء.

لكن البراغماتية هنا لا تعني أن كل ما ينجح عمليًا في موقف معين يصبح صحيحًا بالضرورة، أو أن التعليم ينبغي أن يتحول إلى تدريب نفعي مباشر. بل تعني الاهتمام بالعلاقة بين الأفكار والخبرات والنتائج، وبكيفية تشكل الفهم من خلال التفاعل مع المشكلات الفعلية.

كما أن المنظور التفاعلي يوسع دائرة العوامل المؤثرة في التعلم؛ فلا ينظر إلى الطالب منفردًا، بل يضعه ضمن شبكة من العلاقات تشمل المعلم وزملاءه والمحتوى والمؤسسة التعليمية والظروف المادية والاجتماعية. وهذا ما يفسر اهتمام الكتاب بتحركات المعلم، وبالنقاشات الصفية، وبالسلطة والحوكمة، وبالخبرة والانفعالات.

التعددية في مقابل النسبية – هل ينبغي أن تكون كل الآراء متساوية؟

من القضايا المركزية التي يثيرها الكتاب ضرورة إفساح المجال أمام تعدد وجهات النظر في تعليم الاستدامة، مع تجنب الوقوع في النسبية التي تجعل جميع الآراء متساوية في القيمة والمصداقية.

فالتعددية تعني الاعتراف بأن القضايا المستدامة قد تُفهم من زوايا مختلفة، وأن الأطراف المعنية قد تحمل قيمًا ومصالح وتجارب متباينة. لكنها لا تعني التخلي عن التقييم النقدي للأدلة أو قبول الادعاءات غير المدعومة.

وهذا التمييز بالغ الأهمية في قضايا مثل التغير المناخي؛ إذ يمكن للطلاب مناقشة الخيارات السياسية والاقتصادية المتعلقة بمواجهة الظاهرة، واختلاف الأولويات بشأن توزيع تكاليف المعالجة، لكن ذلك لا يقتضي وضع الأدلة العلمية الموثوقة والادعاءات غير المثبتة في مرتبة واحدة.

وبالمثل، يمكن مناقشة اختلاف المواقف بشأن مشاريع الطاقة أو استخدام الأراضي أو السياسات الزراعية، مع مطالبة المشاركين بتوضيح أدلتهم وافتراضاتهم والقيم التي يستندون إليها.

وبهذا المعنى، لا يسعى الكتاب إلى إزالة الخلاف من التعليم، بل إلى جعله موضوعًا للتعلم. فالتعددية ليست غاية شكلية، وإنما وسيلة لتوسيع الفهم، واختبار الحجج، وإعداد المتعلمين للتعامل المسؤول مع القضايا التي لا تحسمها المعلومات وحدها.

الأخلاق والسياسة داخل الفصل الدراسي

من أبرز إسهامات الكتاب أنه لا يتعامل مع الأخلاق والسياسة بوصفهما موضوعين منفصلين عن العملية التعليمية، بل يبين كيف يظهران في المواقف الصفية اليومية.

البعد الأخلاقي

يتجلى البعد الأخلاقي عندما يواجه الطلاب أسئلة عن المسؤولية والإنصاف والحقوق والواجبات، أو عندما يضطرون إلى المفاضلة بين قيم متعارضة.

ففي قضية استهلاك الموارد، مثلًا، قد يظهر التوتر بين حرية الاستهلاك والمسؤولية تجاه البيئة. وفي قضية حماية منطقة طبيعية، قد يتعارض الحفاظ على التنوع الحيوي مع مصالح سكان يعتمدون على استغلال موارد المنطقة في معيشتهم.

ولا يكفي في مثل هذه الحالات أن يطلب المعلم من الطلاب تحديد الموقف الصحيح، بل ينبغي أن يساعدهم على توضيح القيم التي يستندون إليها، وفهم نتائج اختياراتهم، ومناقشة المواقف الأخرى.

البعد السياسي

أما البعد السياسي فيظهر عندما تتعلق القضية بتنظيم الحياة المشتركة واتخاذ القرارات وتوزيع الموارد والسلطة.

فالسؤال عن كيفية توزيع المياه في منطقة تعاني ندرتها ليس سؤالًا تقنيًا فقط؛ إنه يتعلق بالجهات التي تحدد الأولويات، وبحقوق السكان والقطاعات الاقتصادية، وبكيفية تمثيل الفئات المتأثرة في عملية اتخاذ القرار.

ومن هنا فإن تعليم الاستدامة يتيح للطلاب فهم أن القضايا البيئية ليست مجرد ظواهر طبيعية، بل ترتبط أيضًا بالسياسات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية.

العلاقة بين البعدين

لا ينفصل البعدان الأخلاقي والسياسي في معظم قضايا الاستدامة. فالسؤال الأخلاقي عن العدالة قد يتحول إلى سؤال سياسي عن توزيع الموارد، والسؤال السياسي عن سلطة اتخاذ القرار قد يثير تساؤلات أخلاقية حول شرعية القرار ومدى إنصافه.

وهذه العلاقة هي ما يجعل تدريس الاستدامة مجالًا تربويًا غنيًا، لكنه يتطلب من المعلم قدرًا كبيرًا من الوعي والحساسية في اختيار المحتوى وإدارة الحوار.

ماذا يعني الكتاب للمعلم؟ من ناقل للمعرفة إلى منظم للاستقصاء

لا يقدم الكتاب المعلم بوصفه شخصًا محايدًا بمعنى أنه لا يتدخل في العملية التعليمية، ولا بوصفه صاحب سلطة يحدد مسبقًا ما ينبغي للطلاب أن يعتقدوه. بل يضعه في موقع أكثر تعقيدًا: فهو مسؤول عن بناء بيئة تعلم تسمح بالاستقصاء، وتتيح عرض الأدلة والآراء، وتساعد الطلاب على التمييز بين الادعاءات والمبررات، وتمنع تحول الاختلاف إلى خصومة شخصية.

ويقتضي هذا الدور مجموعة من الممارسات، من أبرزها:

  • اختيار قضية محددة تسمح بالبحث والنقاش، بدلًا من تناول الاستدامة بصورة عامة ومجردة.
  • ربط القضية بتجارب الطلاب ومحيطهم الاجتماعي والبيئي.
  • تقديم معلومات ومصادر يمكن فحصها ومقارنتها.
  • توضيح ما هو ثابت علميًا، وما لا يزال موضع بحث، وما يرتبط بخلاف قيمي أو سياسي.
  • طرح أسئلة تساعد الطلاب على كشف المصالح والآثار والبدائل.
  • إتاحة الفرصة أمام المواقف المختلفة، مع إخضاعها للفحص النقدي.
  • مساعدة الطلاب على بناء الحجج والاستجابة للاعتراضات.
  • التعامل مع الانفعالات والخلافات بوصفها جزءًا من الموقف التعليمي، لا مجرد عوائق ينبغي تجاهلها.

واللافت أن الكتاب لا يقدم هذه الممارسات باعتبارها وصفة موحدة يمكن تطبيقها في كل موقف؛ بل يعرض نماذج ومفاهيم وأدوات تساعد المعلم على اتخاذ قرارات تربوية واعية بحسب طبيعة القضية وسياقها وأهداف الدرس.

القيمة التطبيقية للكتاب في تدريب المعلمين والمؤسسات التعليمية

تتجاوز أهمية الكتاب حدود القارئ الأكاديمي المتخصص؛ إذ يمكن الإفادة منه في برامج إعداد المعلمين وتدريبهم أثناء الخدمة، وفي تطوير المناهج والأنشطة التعليمية، وفي مؤسسات التعليم العالي، وكذلك في المنظمات العاملة في مجال التربية البيئية والاستدامة.

وتظهر هذه القيمة في ثلاثة مستويات:

1. مستوى التخطيط للمناهج والدروس

يساعد الكتاب على التفكير في كيفية اختيار الموضوعات والمحتوى، وعلى إدراك أن بناء درس عن الاستدامة لا يبدأ فقط بتحديد المعلومات المراد نقلها، بل بتحديد نوع التعلم المراد تحقيقه: هل الهدف اكتساب معرفة علمية؟ أم تطوير القدرة على المناقشة؟ أم فهم الاختلافات الأخلاقية والسياسية؟ أم الجمع بين هذه الأهداف؟

2. مستوى الممارسة الصفية

يوفر الكتاب إطارًا لفهم دور المعلم في إدارة النقاشات والاستقصاء، وفي التعامل مع المواقف الأخلاقية والسياسية، وفي الاستفادة من تجارب الطلاب ومشاعرهم ومواقفهم. وهذا يجعله مفيدًا في تطوير الممارسة التعليمية بعيدًا عن الاقتصار على المحاضرة والتلقين.

3. مستوى التطوير المهني والبحث التربوي

يمكن أن يشكل الكتاب مرجعًا للباحثين والمدربين الذين يعملون على تطوير برامج تعليم البيئة والاستدامة، لأنه يجمع بين الإطار النظري والتصنيفات المفاهيمية والأمثلة المستمدة من الممارسات التعليمية والبحوث التجريبية.

قراءة نقدية في أهمية الكتاب وحدوده

تتمثل إحدى نقاط القوة الأساسية في الكتاب في أنه يعيد وضع المعلم والممارسة التعليمية في قلب النقاش حول التنمية المستدامة. فكثير من النقاشات المتعلقة بالاستدامة تركز على السياسات العامة والتقنيات والاقتصاد والعلوم البيئية، بينما ينشغل هذا الكتاب بسؤال لا يقل أهمية: كيف نعد الأفراد لفهم هذه التحولات والمشاركة في النقاش بشأنها واتخاذ مواقف مسؤولة تجاهها؟

كما أن الكتاب لا يختزل الاستدامة في السلوك الفردي؛ فهو يلفت الانتباه إلى العلاقات السياسية والمؤسسية والاقتصادية التي تؤثر في الخيارات المتاحة للمجتمعات. وهذه نقطة مهمة؛ لأن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية معالجة المشكلات البيئية قد يحجب دور السياسات والمؤسسات والشركات وأنماط الإنتاج والاستهلاك.

ومن نقاط قوته أيضًا أنه لا يساوي بين التعددية والنسبية، ولا يفترض أن الخلاف ينبغي أن ينتهي دائمًا إلى توافق. فهو يتيح التفكير في الصراع بوصفه جزءًا من الحياة الديمقراطية، وفي النقاش بوصفه فرصة للتعلم، لا مجرد وسيلة للوصول إلى إجابة متفق عليها.

كذلك فإن الجمع بين النظرية والممارسة يمثل إضافة مهمة؛ إذ لا يكتفي الكتاب بتقديم مفاهيم مجردة، بل يضم فصولًا تتناول تحركات المعلم، والمداولة الصفية، والخبرة، والانفعالات، والنصوص الأدبية، والسلطة والحوكمة.

ومع ذلك، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات النقدية التي تساعد على قراءة الكتاب قراءة متوازنة:

أولًا: كثافة الإطار النظري والمفاهيمي. يستند الكتاب إلى مفاهيم تربوية وفلسفية وسياسية متعددة، وهو ما يمنحه عمقًا أكاديميًا، لكنه قد يجعل بعض فصوله صعبة على المعلمين الذين يبحثون عن أدوات عملية مباشرة. ولذلك قد يحتاج استخدامه في التدريب المهني إلى شروح وأمثلة إضافية مرتبطة بواقع المدارس والمناهج.

ثانيًا: الحاجة إلى تكييف النماذج مع السياقات المختلفة. نشأت كثير من الأمثلة والأبحاث التي يستند إليها الكتاب في سياقات أوروبية، ولا يمكن افتراض أن النماذج التعليمية نفسها تنتقل إلى جميع المجتمعات من دون تعديل. فالقضايا البيئية والاجتماعية، وأنظمة التعليم، وطبيعة المشاركة العامة، والعلاقات بين المدرسة والمجتمع، تختلف من بلد إلى آخر.

ثالثًا: التوتر بين دور المعلم والانفتاح على الخلاف. يضع الكتاب المعلم أمام مسؤولية إتاحة تعدد المواقف وإدارة الصراع، لكن ذلك يتطلب مهارات مهنية عالية، ولا سيما عندما تكون القضية حساسة أو عندما تتعارض بعض المواقف مع الأدلة العلمية أو مع قواعد المؤسسة التعليمية. وهذه ليست مشكلة نظرية فقط، بل تحدٍّ عملي يحتاج إلى تدريب ودعم مؤسسي.

رابعًا: صعوبة قياس النتائج التعليمية. إن تنمية القدرة على الحكم الأخلاقي، والتفكير السياسي، والتعامل مع الاختلاف، وتكوين الشخصية، أهداف يصعب قياسها بمؤشرات التحصيل التقليدية وحدها. ومن ثم فإن تطبيق توجهات الكتاب يتطلب تطوير أساليب تقييم تتجاوز قياس حفظ المعلومات واسترجاعها.

خامسًا: ضرورة عدم الخلط بين فهم الخلاف وتبرير جميع المواقف. فالاعتراف بتعدد المصالح والتصورات لا يعني أن كل موقف يمتلك القدر نفسه من المشروعية أو أن جميع الادعاءات تستحق القبول. ويتطلب ذلك من المعلم الحفاظ على التوازن بين الانفتاح على النقاش والتمسك بالمعايير العلمية والأخلاقية التي يمكن الدفاع عنها.

هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الكتاب، بل تحدد طبيعة الاستفادة منه: إنه ليس دليلًا إجرائيًا جاهزًا لجميع البيئات التعليمية، بل إطار بحثي وتربوي يساعد على تطوير الممارسة، ويحتاج تطبيقه إلى مراعاة السياقات المحلية والإمكانات المهنية والمؤسسية.

أهمية الكتاب للقارئ العربي

تكتسب الترجمة العربية أهمية خاصة في ظل اتساع التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية، من شح المياه وتدهور الأراضي والتصحر، إلى أمن الغذاء والطاقة، والتوسع العمراني، والتفاوت الاجتماعي، والتغيرات المناخية.

وتثير هذه القضايا أسئلة تعليمية لا يمكن التعامل معها من خلال نقل المعلومات العلمية وحدها. فمناقشة ندرة المياه، مثلًا، لا تقتصر على شرح دورة المياه ومصادرها، بل تمتد إلى سياسات التوزيع، وأولويات الاستخدام، والعدالة بين المناطق والقطاعات، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

كما أن قضايا الطاقة والتحول الاقتصادي تثير أسئلة عن فرص العمل، وتكاليف التحول، والعدالة في توزيع المنافع والأعباء. أما قضايا التوسع العمراني فتتصل بحقوق السكان، وحماية البيئة، والتخطيط، ومصالح الاستثمار، وجودة الحياة.

ومن هنا يستطيع الكتاب أن يقدم للمؤسسات التعليمية العربية إطارًا يساعد على تطوير تعليم الاستدامة من خلال ربط المعرفة العلمية بالنقاش الأخلاقي والسياسي، ومن خلال التعامل مع القضايا المحلية باعتبارها مداخل لفهم التحولات الأوسع.

غير أن الإفادة منه تقتضي ألا تُنقل أمثلته ومقارباته بصورة حرفية، بل أن تُترجم أفكاره إلى وحدات تعليمية وأنشطة مرتبطة بالبيئات العربية، وبطبيعة المناهج، وبالتحديات التي يواجهها المعلمون والطلاب في كل مجتمع.

تعليم الاستدامة هو تعليم القدرة على الحكم والمشاركة

يقدم كتاب «تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية» تصورًا يتجاوز التعامل مع الاستدامة بوصفها موضوعًا معرفيًا يضاف إلى المناهج، ليجعلها مجالًا للتعلم والتفكير والمناقشة والمشاركة. فهو يبين أن مواجهة التحديات البيئية والاجتماعية لا تتطلب المعرفة العلمية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى القدرة على فهم اختلاف القيم والمصالح، وتحليل علاقات القوة، وتقييم البدائل، واتخاذ المواقف في ظروف تتسم بالتعقيد وعدم اليقين.

وتتمثل أهميته في أنه يعيد تعريف مهمة المعلم: ليس مطلوبًا منه أن يقدم للطلاب إجابات نهائية عن جميع القضايا، ولا أن يفرض عليهم موقفًا سياسيًا أو أخلاقيًا محددًا، بل أن يهيئ لهم شروط التعلم التي تمكنهم من فحص الأدلة، وفهم الخلاف، وبناء الحجج، والاستماع إلى الآخرين، ومراجعة مواقفهم، والمشاركة الواعية في الحياة العامة.

ومن هذه الزاوية، فإن تدريس التنمية المستدامة ليس مجرد تعليم عن البيئة أو تدريب على سلوكيات صديقة للطبيعة، بل هو إعداد للمتعلمين كي يصبحوا قادرين على التفكير في مستقبل المجتمعات، وفهم الخيارات التي تصنعه، وإدراك مسؤولياتهم وحقوقهم في عالم تتشابك فيه المعرفة والأخلاق والسياسة.

إن الرسالة الأعمق للكتاب هي أن بناء مجتمعات أكثر استدامة لا يبدأ من القرارات الحكومية أو الابتكارات التقنية وحدها، بل يتطلب أيضًا تعليمًا قادرًا على تنمية أشخاص يفهمون تعقيد العالم، ولا يخشون الاختلاف، ويستطيعون المشاركة في النقاش والعمل بمسؤولية. وبذلك يصبح الفصل الدراسي أحد الفضاءات التي يمكن أن تتشكل فيها ثقافة الاستدامة، لا من خلال تلقين الإجابات، بل من خلال تعليم الأجيال كيف تفكر وتحكم وتشارك.