حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم شأنا من تلك المخلوقات. وهاهنا يقسم الله تعالى في محكم تنزيله مطلع سورة العاديات بقوله تعالى: {والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا}، مقسما بهذه الخيل التي تصهل وتضبح -أي تصدر أصواتا مميزة- وهي تعدو مجاهدة في سبيل الله.

يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، ليؤكد أمرا أعظم منه خطرا، وهو ما جاء في تمام الآيات: (إن الإنسان لربه لكنود)؛ أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير، لا يرى النعم المحيطة به، بل يحصي ويعد المصائب والنقم، كأنما خلت حياته تماما من أي نعمة!

وقد بين النبي معنى هذه الكلمة بيانا دقيقا؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني-: “أتدرون ما الكنود؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده”، ومعنى “يمنع رفده” أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا يقدم يد المساعدة لمن يحتاجها.

وليس شرطا أن يكون الإنسان “الكنود” أو الجحود كافرا بمعناه المطلق، بل قد يكون مؤمنا، لكنه كفور بالنعمة؛ كما يوضح الإمام ابن عطية في تفسيره “المحرر الوجيز”، حيث يرى أن تقدير الآية: “أن الإنسان لنعمة ربه لكنود”، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرض الكنود التي لا تنبت شيئا. وقيل أيضا: الكنود هو اللائم لربه، الذي يعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض واصفا إياه: “هو الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة، ويعامل الله على عقد عوض!”.

إن نكران الجميل سلوك مستهجن يصعب على النفس السوية قبوله، لما يورثه من ألم نفسي بالغ. فالفطرة السليمة تأبى إلا أن يكون من يقدم لك معروفا مجزيا بالمثل أو بالأجمل، لا أن يقابل بالجحود أو الإساءة. فإذا كان هذا حال البشر فيما بينهم، فكيف تفسد فطرة الإنسان مع الخالق تبارك وتعالى، ليتحول إلى شخص كنود جاحد لنعم لا تعد ولا تحصى؟ إنه بكل تأكيد سلوك مشين، وفطرة مشوهة فاقدة للاستقرار.

وقد حذرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم من نكران الجميل وجحد المعروف؛ فقد ثبت في سنن الترمذي وغيره عن النبي أنه قال: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس” (وهو حديث صححه الألباني). وفي حديث جامع آخر أخرجه الإمام أحمد والبيهقي: “من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب.

فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكارين، لك شكارون، إليك أواهين منيبين، ولا تحرمنا نعمك بذنوبنا وجحودنا، آمين.