حرص الإنسان على كمال النفع وتجنب المكاره يجعله يتخذ عدة إجراءات، ويعض أصابع الندم إذا فاته شيء من التوفيق. وربما تجاوز بالقول والفعل حدود الله تعالى التي خطها لمن يصيبه ما يكره، وخرج عن الرضا بالقضاء والقدر، وبدأ في محاسبة نفسه أو جلد ذاته، وربما قتله الشعور بالحسرة مردداً كلمة “لو”. تأتي السنة النبوية لكي تجنب الإنسان الكثير من المهالك، وتحذره من “لو” التي تفتح عمل الشيطان، حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [1].
متى تصبح “لو” بوابة للكبائر والشرور؟
الذي يجعل من “لو” مفتاحًا يفتح به الشيطان أبوابًا من الشرور: أنها ليست مجرد حرف، بل هي تعبير عن الغفلة عن الله تعالى وأقداره النافذة، والنظر إلى السبب على أنه يؤثر بنفسه سواء أراد سبحانه وتعالى أو لم يرد -حاشا لله-، كما أنها تضع تدبير الإنسان فوق تدبير الله عز وجل، كما قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [آل عمران: 156].
وكذلك قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168]. يتصور هؤلاء أن وجود أحبابهم عندهم مانع لهم من الموت، كأنهم سيحمونهم من قبض أرواحهم! والسؤال المهم هنا: هل يستطيعون أن يحموا أنفسهم إذا جاء أجلهم؟! قطعاً لا هم ولا غيرهم يقدرون على ذلك: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [نوح: 4]. ومن يقول بذلك أو يغفل عن قيومية الله تعالى على الكون وتدبيره لأمر الخلق، يقع في آلام لا حصر لها، ويسلك الطريق الخاطئ في تفسير ما يحدث له، ويعجز عن الوصول لأهدافه.
صفات المؤمن القوي أمام الابتلاء
من بركات الإيمان أنه يمنح صاحبه قوة الصبر، وقوة الرضا، وقوة العمل الجاد؛ فإذا أصاب المؤمن من البلاء ما يحتاج لصبر وثبات، وجّه كل طاقاته إلى الفرار من قدر الله إلى قدر الله، وسعى إلى الخروج من الأزمة التي يواجهها أو التخفيف من آثارها، ولا يتركها تفسد عليه حياته. وإن كانت الأزمة فوق طاقته صاح بقلبه قبل لسانه: “ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به”، وتمسك بحبال الصبر لعل الله يُحدث بعد ذلك يسراً، مع اليقين الكامل بقرب فرج الله تعالى.
وطريق السعادة أن يحدد الإنسان هدفه بوضوح، ويبحث عن الأسباب التي توصله ويأخذ بها جميعاً، وإن خرج الأمر عن حدود قدرته وَكَل أمره إلى الله سبحانه وتعالى واهب القوة والقدرة ومدبر أمر المخلوقات جميعاً، لعله -جل جلاله- يمنحه من القوة ما يستطيع به أن يصل للخير ويدفع الشر عن نفسه وعمن يحب، وإلا فلله تعالى الحكمة في كل ما يصيب العبد من خير أو شر ونفع أو ضر.
حالات يجوز فيها قول “لو”
هل كل “لو” تعد مفتاحاً لأبواب الشياطين لكي تدخل منه على القلب فتفسده وعلى الروح فتهلكها؟ يجيب الإمام البخاري عن هذا السؤال في صحيحه حين يضع باباً بعنوان: “ما يجوز من اللو”، ويذكر فيه عدة أحاديث قال فيها النبي ﷺ “لو”. ولنستعرض معاً بعض الأحوال التي جاءت فيها “لو” بعيداً عن الشياطين وأعمالهم:
- في مجال التعليم والتدريب: عندما يشرح من كُلف بتقديم معلومة أو تدريب في مجال من المجالات الدينية أو الدنيوية، عليه أن يطرح احتمالات يمكن أن تصادف المتدرب، بل عليه أن يفترض أسوأ الوقائع بقوله (ماذا لو). هذه الافتراضات تجنب الكثير من المشاكل وتدرب على الاستعداد لمواجهة المخاطر، فطرحها من باب الأخذ بالأسباب وتوسيع أفق المتعلم وإتاحة الفرصة لكي يفكر وهو في حال السلامة قبل أن يدهمه الخطر وتتقلص مساحة اختياراته، وفي ذلك سد لأبواب الشر. وقد علمنا حذيفة -رضي الله عنه- منهجاً في الحياة يربي في النفوس طرح الأسئلة التي تتعلق باحتمالات غير موجودة بالفعل وبين لماذا يسلك هذا المسلك: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» [2]. إنه يسأل عن الشر والزمن زمان خير والناس أهل للمعروف والتقوى، فماذا لو تحول الناس ووقعوا في الشر؟ ما الذي يمكنه القيام به لكي ينجو من الشر؟ وقد فهم العلماء أن الحديث «فيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوتُ العالم» [3]. بل إن الفقه الافتراضي مبني على “لو”، وأساسه طرح أسئلة عن حالات غير موجودة في الواقع، بل قيل باستحالة حدوثها، وقد كان هذا الفقه سنداً لاجتهاد العلماء في العصور التالية.
- مراعاة الأسباب مع الانتباه للخالق سبحانه: عندما يجري الإنسان مع الأسباب فيذكرها على ما جرت به العادة، مع يقينه الكامل بأن إرادة الله تعالى غالبة وأن ما قدره الله تعالى سيكون اجتمعت الأسباب أو غابت، فإن الله تعالى يُجري أقداره بما نعرف من أسباب وما لا نعرف. وعلى ذلك نستطيع أن نفهم قول الصدّيق: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا» [4]. فإنه -رضي الله عنه- مع كمال إيمانه موقن أنهم جميعاً لو نظروا تحت أقدامهم وأراد الله تعالى أن يحمي نبيه والصدّيق فلن يروهما، فإن كثيراً من الناس ينظر حوله ولا يرى ما أراد الله تعالى حجبه عنه.
- عند تمني الخير: إذا تحسر المسلم على ضعفه وعجزه عن إزالة منكر يغضب الله تعالى ويكون سبباً لنزول مقته سبحانه، كما قال لوط عليه السلام: ﴿قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ﴾ [هود: 80].
- عند فوات الخير: إذا فات المسلمَ خيرٌ، فإن تحسره على فواته دليل على عميق محبته للتقرب من الله تعالى، ولعل هذا التحسر يدفعه لكي يلاحظ ما فاته عندما يتكرر نفس الموقف. وفي قوله ﷺ: «وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» دليل على جواز قول “لو” في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع [5].
- تمني وجود النعمة لاستخدامها فيما يرضي الله تعالى: قال ﷺ: «إنَّما الدُّنْيا لأرْبعةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزقَهُ اللهُ مَالًا وعِلْمًا، فَهو يَتَّقي فيهِ رَبَّهُ، ويَصلُ فيهِ رَحمهُ، ويَعْلمُ للهِ فيه حَقًّا، فَهذا بأفْضلِ المَنازلِ. وعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْمًا ولم يَرْزُقْهُ مَالًا، فهو صَادِقُ النِّيَّةِ يَقولُ: لو أنَّ لِي مالًا لَعمِلْتُ بِعَملِ فُلان، فهو بِنِيّتهِ فأجْرُهُما سَواءٌ…» الحديث [6]. هذا العبد يتمنى أن يكون له مال ينفقه ابتغاء مرضاة الله؛ في إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج، فيرزقه الله تعالى أجر المنفقين لصدق نيته وحبه للخير.
- لبيان أن العمل الصالح سبب للنجاة: وتقال “لو” لبيان منزلة عمل من الأعمال الصالحة وأنه سبب للنجاة من المهالك: ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144].
- بيان الأفضل من التصرفات: تأتي “لو” للدلالة على تصرف أفضل مما وقع، يمكن أن يكون أكثر نفعاً أو أقرب إلى الصواب. و”لو” هذه يقولها من ينظرون في أعمالهم نظرة محاسبة، أو من يقدمون النصيحة لغيرهم سعياً للوصول إلى الإحسان. عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ «أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» [7]. يرشدها النبي ﷺ إلى الأفضل من أعمال البر عن طريق كلمة “لو”، فإن العطية للأخوال تعتبر براً بالأم وأجر البر عظيم.
- عند محاسبة النفس: عندما يجلس الإنسان مع نفسه، يزن عمله وما الذي كان بإمكانه أن يقدمه لكنه لم يفعل إما جهلاً أو عجزاً أو نسياناً. وهذه المحاسبة للنفس تجنبها تكرار الأخطاء وتقدم نموذجاً لمن يسير في نفس الطريق، والعاقل من يتعلم من أخطائه وأخطاء الآخرين.
كيف نحول الندم إلى عمل إيجابي؟
يقودنا هذا التفكر إلى سؤال: هل ما فاتنا يمكن أن نعوضه حالاً وبذلك نستدرك ما فاتنا؟ وهل يمكننا إتمام ما بدأناه ولو بدون الشخص الذي غاب أو الأداة التي لم توجد؟ هل غياب شيء ما أو شخص ما معوق للإنجاز؟ أم مانع من إنجاز ما نسعى له؟ أم يطول أمد الإنجاز؟
إن الانشغال بالتحسر على الماضي يمنعنا من التقدم خطوة للأمام واستدراك ما فاتنا، ويقودنا إلى الدوران في حلقة مفرغة من الآلام. والشعور بالفشل والعجز يحول بيننا وبين القيام بعمل إيجابي يخرجنا من هذه البوتقة التي تهلك أعصابنا وتدمر قدراتنا، وقد كان النبي -ﷺ- يستعيذ بالله تعالى من أمهات الشرور؛ ومنها العجز والكسل لما لهما من تأثير سيئ على دين العبد ودنياه.
الخاتمة: الإيمان بالقدر عاصم من المهالك
إن المؤمن الذي يستمد التوفيق من الله تعالى يحوّل الندم إلى عمل يجبر به ما انكسر، ويصحح به ما أخطأ، ويعوض به ما فات من فرص؛ فإن منح الله تعالى للخلق لا تنقطع، وإذا فاته شيء من الخير فأبواب الرحمة والإحسان لا تغلق في وجه راجٍ للعفو. غاب أنس بن النضر عن غزوة بدر وتألم لهذا الغياب، وبدلاً من أن يلوم نفسه ويتحسر دون أن يصنع شيئاً قال: «غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رسول اللَّه ﷺ، واللَّه لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ» [8]. فحضر غزوة أحد وأبلى فيها بلاءً حسناً، وشاهد من يحاولون الفرار فقوّى من عزيمتهم وقدم نفسه ابتغاء مرضاة الله.
إن كان لابد من كلمة يخفف الإنسان فيها مما أصابه، فليختر من بين الكلمات أجملها وأكثرها تعبيراً عن إيمانه؛ فإن الرجوع إلى الإيمان عاصم من المهالك التي تفتحها كلمة “لو”، ويؤكد في نفس المسلم الإيمان بالقدر المرتبط بعلمه تعالى، والمؤمن موقن بقوله عز وجل: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فإذا كان علمنا قاصراً وإدراكنا أشد قصوراً، فكيف نحكم على أقدار الله تعالى بقولنا: “لو”.
