جاء في حديث قدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى: “أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وفي بعض رواياته: “ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل”. (رواه البخاري ومسلم)

قال العلماء إن سبب هذا الحديث أن موسى عليه السلام سأل ربه عن أعلى الناس مقاماً ومنزلة يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأل موسى عليه السلام ربّه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجلٌ يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أيْ ربّ، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أَخَذَاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثلُ مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ. فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله معه، ومثله ومثله ومثله ومثله. فقال في الخامسة: رضيتُ رَبّ. فيقال: هذا لك، وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك. فيقول: رضيتُ رَبّ. قال ( أي موسى) رَبِّ، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردتُ. غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وخَتمتُ عليها، فلم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يَخْطر على قلب بشر. قال: ومصْداقُه من كتاب الله قوله تعالى” { فلا تعلمُ نفسٌ ما أخْفي لهم مِن قُرةِ أَعين جزآءً بِما كانوا يعملون } (سورة السجدة : 17).

شاهدت تقريراً تلفزيونياً حول أغلى بيت في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وقد تم تصميمه وفق ما رغبه المالك ورؤيته للكيفية التي يريد بها أن يعيش في ذاك البيت أو القصر، بحيث يستمتع بكل جزء من بيته.. أين يسترخي مثلاً، وأين يشرب قهوته، ومكان مطالعة كتبه، وأخرى على شكل صالة سينمائية لمشاهدة الأفلام وأخرى منفصلة مخصصة للبرامج التلفزيونية، إضافة إلى غرف نوم خاصة له وعائلته، وأخرى لضيوفه، فضلاً عن حديقة البيت وأماكن ركن سياراته الفارهة وغير ذلك كثير.

لا يمكن أن يتردد أحدنا إن قيل له على سبيل الافتراض، أن يعيش في هذا البيت فترة من الزمن، فإن أعجبته الحياة فيه صار البيت ملكه !، هل هناك من يمكن أن يقول لا ؟ أفترضُ شخصياً، بادئ ذي بدء، أنه لا أحد من الممكن أن يرفض مثل هذا العرض السخي. لكن قد تقول لي: ومع ذلك هناك من يرفض ! نعم، هناك من لا يستمتعون بمثل هذه البيوت الفخمة والعروض المغرية، بل لا يجدون سعادتهم فيها، بقدر ما يرونها في كوخ صغير على أطراف قرية نائية أو على سفح جبل !، لن أختلف معك في هذا الأمر، ففي النهاية نحن البشر، أمزجة وأذواق مختلفة. ولكن ليس هذا هدفي من موضوع اليوم.

سعادة الآخرة

حين يعجب أحدنا بأمر من أمور الدنيا المادية الفارهة الجميلة، ويجد لذته وربما سعادته فيها أو من خلالها، ألا يخطر بذهنه تساؤل محدد حول ماهية الأشياء في حياة النعيم الأخروية؟ ألم يقارن أحدنا بما يراه في الدنيا وكيف يمكن أن يكون نفسه في جنات عدن أو الفردوس الأعلى؟ وبمعنى آخر، ألم يتساءل كيف هي سعادة الآخرة؟

بالطبع هذه التساؤلات أطرحها على أساس أن القارئ لها مؤمن بالحياة الآخرة، وبالنعيم المنتظر للمستحقين لها، لأن هناك ورغم كل ما جاءت به الأديان الثلاثة من حقائق عن الحياة الأخروية، لا يؤمن بتلك الحياة، ويعتبر هذه الحقائق مجرد خيالات ! لا فرق بينهم وهم أهل علم وفكر وثقافة، وبين وثنيي مكة حينما نزلت عليهم آيات القرآن وكلمات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -. وليس المجال هاهنا لمناقشة أمرهم، فلكل منا اعتقاداته، وكل منا مسؤول عنها.

إن عدنا إلى محور حديثنا عن نعيم الآخرة، فقد يتبادر في الأذهان تساؤل مرتبط به، يستفسر عن كيفية استقبال المشركين في مكة لمثل هذه المبشرات الأخروية التي جاءت في القرآن، وما الذي دعاهم لتكذيبها وعدم الإيمان بها، فيما صدقها الصحابة الكرام، دون كثير تساؤلات وجدالات؟ ولا أدري كذلك كيف كان يتخيل الصحابة نعيم الآخرة، وقد كانوا في ظروف معيشية قاسية، لا تقارن بما كان عليه الروم والفرس مثلاً في ذلك الزمان، وعلى عكس وضعنا الحالي وما نحن عليه من رفاهية، لم يكن يحلم بها قيصر ولا كسرى ولا غيرهما من ملوك الأرض السابقين.

الشاهد من الحديث، أو خلاصة ما أريد الوصول إليه، أن ما نحن عليه الآن من نعيم ورفاهية دنيوية، وإن كان هناك تفاوت بين بعضنا البعض، إلا أنها دافعة – في ظني – إلى مزيد إيمان ويقين ومزيد شوق إلى ما عند الله في الآخرة، وإلى مزيد إيمان وأمل، ورجاء وحُسن ظن بالله، في هدايتنا للصراط المستقيم، وإنارة سبل الخير لنا، من أجل تحقيق الوصول إلى ” ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”، تلكم الحقيقة التي هي الهدف الذي يجب أن يسعى ويعمل على تحقيقه، كل إنسان على وجه هذه البسيطة. فما خلقنا الله لنستمتع بهذه العاجلة، وإنما نتخذها مطية نحو الآخرة على الوجه الذي أرشدنا إليه سبحانه.

لنتخذ إذن، والحال هكذا، من نعيم الدنيا الحالية، طريقاً وسبيلاً ومعيناً إلى نعيم الآخرة، والله عند حُسن ظن عبده به.