شهدت العلاقة بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات مدا وجزرا وبالأخص الثقافة الغربية ؛نظرا لما اتخذته الحضارة الغربية من مواقف تجاه العالم الإسلامي جعلت البعض يناصبها العداء. لكن أولي الألباب يفرقون بين الثقافة التي نتجت من مواريث فاسدة وكانت أداة تخريب للعقول والقلوب ،وبين الثقافة الحرة التي لم تكن يوما أداة في يد معتد والتي نبعت من إعمال العقل البعيد عن الهوى الباحث عن الحق.
وقد كان للشيخ الغزالي رحمه الله تعالى مساهمة في وصل جسر بين الثقافتين الإسلامية والغربية من خلال كتابه “جدد حياتك”. ونحب أن نؤكد بما لا يدع مجالا للشك لكل من طالع تراث الشيخ عبر رحلته الطويلة في الدعوة إلى الله تعالى اعتزازه بهويته العربية الإسلامية واستمداده من الثقافة الإسلامية ،ونقده لما يراه من عيب بعد درس وتمحيص في تراثنا الإسلامي وما أنتجته الحضارة الغربية من رؤى ومواقف ونظريات.
عناية الغزالي بالتشابه بين الثقافتين
أعلن الشيخ رحمه الله عن عنايته ببيان التشابه بين تراث الإسلام وما وصل إليه غير المسلمين فقال:” وقد شغفت من أمد بعيد ببيان المشابه بين تراث الإسلام المطمور، وبين ما انتهى إلية جلة المفكرين الأحرار في أغلب النواحي النفسية والاجتماعية والسياسية، وأحصيت من وجوه الاتفاق ما دل على صدق التطابق بين وحي التجربة ووحي السماء.”[1] ولعل من أحب الشيخ رحمه الله وانتفع بتراثه يجمع ما وصل إليه الشيخ من مواضع اتفقت فيها الثقافة الغربية مع الثقافة الإسلامية، وبذلك يخدم الحق الذي سعى الشيخ طوال عمره لتقديمه للناس ، ويطرح نماذج يمكن للدعاة أن يستكملوها أو يصححوها.
سبب العناية بإبراز التشابه بين الثقافتين الذي يعرف الإنصاف ويدرك أنه أحد السمات المميزة للمسلم يقدر ما قام به الشيخ رحمه الله في كتابه هذا ،فإن الحق كريم على صاحبه يبحث عنه أينما وجده ويقدر من قال به ويسجل ذلك إعلاء لقيمة الإنصاف، و الذي قرأ كتابات الشيخ واطلع على مواقفه يعرف أن التزلف ليس من طبعه وأن له مواقف جريئة كلفته أثمانا باهظة دفعها عن طيب خاطر.
نظرة الغزالي في الوصل بين الثقافتين
تتأسس نظرته رحمه الله للوصل بين الثقافتين على أن صفة الإسلام الظاهرة أنه دين الفطرة وأن كتابه الكريم يخاطب الفطرة الإنسانية. ويمكننا القول بأن أمر الله تعالى للمسلمين بأن يدعو أهل الكتاب لكلمة سواء ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 64] أساس متين لبناء حوار يؤدي إلى التقارب ،وكيف يصل المتحاورون إلى كلمة سواء ولكل وجهة هو موليها وكل يعتز بما لديه من مواريث؟!، لن يجمعهم إلا صوت الفطرة.
منافع تقديم الشرع على ضوء الفطرة السليمة
- سيستفيد منه أصحاب الفطر السليمة الذين لا يعرفون شيئا عن الوحي ،ومن البديهي أن العقل مهما بلغ من الذكاء والقلب من الصفاء فلن يستغني عن نور الشرع.
- تأليف بين من نام في النور ومن استيقظ في الظلام.
- إظهار التوافق بين ما جاء به موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام في العقائد والأخلاق.
لابد لعرض النصوص الصحيحة من فطرة مستقيمة:
كما نحب التأكيد على أن النصوص الشريفة التي أنزلها الله تعالى هدى ونورا وشفاء لما في الصدور ، حتى تعمل عملها في إصلاح النفوس وتزكية العقول وتحقيق عمارة الأرض لابد من عرضها على الناس صافية مشرقة كما أنزلها الله تعالى بعيدة عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولا يتوافر ذلك إلا لأصحاب الفطرة السليمة التي لم تتلوث بأمراض القلوب ولا دنايا الشهوات، تلك الفطرة التي وقف أصحابها على الأرض وحلقت أرواحهم في السماء ، فالمعوج لا يمكن أن يقود الناس إلى الصراط المستقيم.
طريقة الغزالي في تأليف كتاب جدد حياتك
وعمل الشيخ رحمة الله عليه في كتابه هذا وسائر كتبه أن يصحح أخطاء اجتماعية وخلقية وفكرية، مستعينا بما وقع له من حوادث وما وقف عليه من معلومات ،ويمكننا أن نعد الكتاب لونا جديدا من الوعظ اجتمع فيه ما يخاطب العقل والقلب وما يرغب النفوس ويرهبها،وقد استفاد الشيخ مما تجمع لديه من آيات الكتاب العزيز وسنة النبي ﷺ وسيرته ،كما انتفع من مخزونه الأدبي نثرا وشعرا وقصصا ،بالإضافة إلى ما نقله من كتاب ديل كارنيجي “دع القلق وابدأ الحياة” الذي يعتمد على الثقافة الغربية وغيرها ،واستطاع الشيخ رحمه الله أن يوظف هذه المعارف لإظهار الحقيقة التي تستند إلى الوحي والفطرة معا ، وإننا لنجد في استشهاداته رحمه الله نورا يكشف لنا عن المعنى الذي أراد الاستدلال له.
والكتاب من قبل ومن بعد رحلة طريفة عميقة تثري المعرفة وتقدم حلولا عملية تحمي الإنسان من الوقوع في مستنقعات القلق وتخرجه منها إذا وقع فيها.
التجديد في حياة المسلم
التجديد أحد معالم الحياة فالمؤمنون مطالبون بأن يجددوا إيمانهم ،وامتن الله تعالى على هذه الأمة ببعثة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة عام ،وخلايا الإنسان تتجدد ،ولا يزال التجديد ضرورة بشرية حتى يصل المجدد لأن يكون من أهل الجنة الذين يقال لهم﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [فصلت: 31] ، لذا فلا غرابة أن يكون تجديد الحياة أحد أسباب البقاء الإنساني وإن لم يقم الإنسان به كان ميتا أو معطل القوى والحواس وفي سبيله للموت عاجلا أو آجلا.
ولأهمية التجديد في الحياة الشخصية والعامة لابد أن يبدأ به الإنسان دون أن يعلق هذه البداية على وقت معين أو حالة يمر بها يراها مناسبة لبدأ الرحلة الأكثر أهمية في حياته، فالتسويف آفة قاتلة للعمل وتأخذ بيده إلى النار لإنه يدرك أن التأخير يفسد عليه حياته ويساهم في سقوطه في بئر المعصية والفشل أكثر وأكثر .
ولا يدرك أهمية التجديد إلا من يتأمل في حياته من خلال وقفات مستمرة ومتكررة ؛يرصد فيها فترات الغفلة ويسجل متى تضل البوصلة ويتأخر ما حقه التقديم ويتقدم ما حقه التأخير، ثم يستمد من الله تعالى العون ليصلح ما فسد ويرمم ما وهن من طاقته وأخلاقه وعلاقاته، ويبدأ مرحلة جديدة من حياته يصاحب فيها السائرين إلى الله تعالى يتبادل معهم التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
والتجديد الذي ينقل الإنسان من عالم إلى عالم ومن حال إلى حال هو التجديد الذي يتجه إلى منابع الشر في الإنسان فيطمسها قدر طاقته، وإلى منابع الخير فيزكيها وبذلك تتساند قوى الإنسان.
سيبقى هذا الكتاب دليل على عظمة الثقافة الإسلامية التي تعتز بموروثاتها ولا تهمل ما أنتجته الفطرة السليمة من علوم ومعارف وخبرات، والمقال من قبل ومن بعد دعوة للاطلاع على كتاب” جدد حياتك” ليفتح القارئ المسلم أمام عقله نافذة يطلع منها على تراثه ويستفيد مما عند الآخر.
