ينفرد الإسلام في بنائه القيمي بالحرص على تحقيق الانسجام التام بين الإنسان وباقي عناصر الكون. فالموجودات، وإن كانت خادمة للحياة الإنسانية ومسخرة لتأثيث فضائها بكل لوازم الإعمار والاستخلاف، إلا أن النص القرآني يحث على تهذيب السلوك إزاءها، واعتماد الوسطية و التوازن في الانتفاع بها و تسخيرها.

وحين نستعرض الآيات القرآنية، و الأحاديث النبوية التي تحصي وجوه الإحسان، وتثني على الساعين لبلوغ منزلته، فإننا نقف على الخيط الناظم لعلاقة الإنسان بالآخر، سواء كان هذا “الآخر” بشرا أو حيوانا، أو حتى جمادا. هذا الخيط الناظم هو الحب والرفق، و الأداء المصحوب بالمشاعر الإنسانية الدافئة .

إن الإنسان جزء من منظومة التسبيح الكوني لله و إفراده بالعبودية. يقول تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)الإسراء: 44. غير أنه لا يتذوق حلاوة الاندراج في هذه المنظومة إلا حين يكون الحب هو بوصلته الهادية في علاقته بسائر المخلوقات، حتى الحجارة الصماء. ولنا في دلائل نبوة المصطفى ومعجزاته، ما يحيل على نبل الآصرة التي يجدر بالمسلم أن يعقدها مع من حوله، وما حوله؛ فقد كان بمكة حجر يسلم عليه، فحمل الرسول الأكرم ذكراه في قلبه، وحدث أصحابه يوماعن تعلق الحجر به (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث)- حديث صحيح رواه مسلم

 يقول محمد الصوياني تعليقا على هذا الحديث ” إن للكون الصامت حولنا من التراتيل والصلوات بقدر ما نشهده من صمت وسكون، لكن الكون يريد قلبا..يريد عقلا ليكشف ذلك المعبد فيه. وهب الله ذلك الحجر لغة الإنسان فكلم محمدا، أم وهب محمدا إدراكا ليفهم لغة الحجر، فكان ذلك السلام..وكان ذلك الحب الذي بدأ بين محمد ومكة ” (1).

هذا الحب يستشعره المسلم في الكم الهائل من التوجيهات العملية التي حض النبي على مراعاتها في تسخيرالكائنات لخدمة الوجود الإنساني. وهي توجيهات ووصايا جسدها المسلمون في واقعهم العملي، محتكمين إلى منظومة فقهية بلغت في تفصيل الأحكام مبلغا لم يٌسبق إليه. ويكفي أن يطالع المرء بعض ما ورد في كتاب النفقات من مصنفات الفقه ليقف على تفصيل عجيب لما يلزم المسلم من الرعاية،  والنفقة نحو الكلاب والطير والنبات وغيرها. إنه تفصيل لاتحركه المنفعة المادية أو المصلحة الاجتماعية، يقول الشيخ يوسف القرضاوي، بقدر ما يتصل بدافع أخلاقي، محض قوامه رفع الضرر والظلم، والأذى عن كل ذي كبد رطبة (2).

في قوله تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك ) القصص : 77 يبرز الإحسان كأرفع حلية للإنسان المتدين؛ فالمبالغة في العطاء، و الإتقان في الأداء لا يصدران إلا عن نفس تاقت لمبادلة العطاء الرباني بالشكر، واستجابت لداعي الإنفاق طوعا على الغير؛ سواء كان بالمال أو إجادة العمل، أو حتى إراحة الشاة عند الذبح.

والمتأمل في آيات و أحاديث الإحسان،  يقف على أنواع شتى من القربات و الأعمال التي لو تحركت الهمم صوبها، وعمل الناس بها لعم الأمن و الخير والسكينة:

فالمعاملة الحسنة وخفض الجناح للوالدين إحسان. قال تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما و قل لهما قولا كريما.واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)الإسراء: 23-24

و الصبر إحسان: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) هود : 115

و العفو والصفح إحسان: (فاعف عنهم و اصفح إن الله يحب المحسنين) المائدة: 14

و الاتباع الصادق لما جاء به الرسول إحسان: (والذي جاء بالصدق و صدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين)الزمر : 32-33

و جهاد النفس والمال إحسان: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت : 69

و سد حاجة القريب والجار والسائل والمحروم إحسان (واعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا و بذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب و الصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) النساء: 36

و الرفق بالحيوان حتى وإن كان يُساق إلى الذبح إحسان. جاء في الحديث الشريف:(إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة. وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)رواه مسلم من حديث أبي يعلى شداد بن أوس.

بل وتتسع دائرة الإحسان لتشمل كل قربة أو طاعة ترتقي بالعبد من إسلام الجوارح وإيمان القلب، إلى الاستشعار الدائم لحضورالله ومراقبته إياه؛ فيبلغ المقام الذي عبر عنه المصطفى بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)رواه مسلم من حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وحين تصطبر النفس في سعيها لبلوغ الإحسان، وتثبت أمام جور الزمان وصنوف الابتلاء التي يمتحن الله بها عباده المؤمنين، فإن قبسة من نور الله وفيضه الغامر تضيء بين جوانحها؛ فلايملك من رآها وجالسها و جاذبها أطراف الحديث إلا أن يحبها. وتلك ثمرة لا يتذوقها إلا من اصطفاه الله مع المحسنين.

يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله: (تحس على الفور حين تلقى أحدا منهم أنك أمام “إنسان”.إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه وفضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه و تستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لاعوج فيها ولا التواء.

وتحبه..

لا تملك إلا أن تحبه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك. تحبه لأن فيه قبسة من نور الله ..وتحاول –إن استطعت- أن تقفو خطاه) (3)

 إن آيات الإحسان في القرآن تشهد بأننا أمام تكريم للحياة الإنسانية لم يسبق إليه مذهب أخلاقي أو ديني، وأمام قاعدة عظيمة ينهض عليها الإسلام برمته.

وما أعظمها بشارة تلك التي أعلنها القرآن الكريم لمن عنوا بتقويم النفوس و تجويد الأعمال. بشارة مفادها المحبة و المعية. قال تعالى (إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون)النحل: 128