للعلم مكانة رفيعة في الشريعة الإسلامية؛ ويكفي للتدليل على ذلك أن أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [1]، كما أن العلم صفة جليلة من صفات الله تعالى، قال عز وجل: {وهو السميع العليم} [2]. وقد أمر الله بالمعرفة والعلم قبل العمل، وأمر نبيه بطلب الاستزادة منه دون غيره، فقال: {وقل رب زدني علما} [3].

وقد بين جل وعلا رفعة منازل أهل العلم والإيمان، فقال تعالى: {يأيها ٱلذين ءامنوا إذا قيل لكمۡ تفسحوا في ٱلۡمجلس فٱفۡسحوا يفۡسح ٱلله لكمۡۖ وإذا قيل ٱنشزوا فٱنشزوا يرۡفع ٱلله ٱلذين ءامنوا منكمۡ وٱلذين أوتوا ٱلۡعلۡم درجتٖۚ وٱلله بما تعۡملون خبير} [4]. ويؤكد الإمام السعدي في تفسيره لهذه الآية أن الله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصهم به من العلم والإيمان، مبينا أن في الآية دلالة صريحة على فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته هما التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه [5]. كما قال سبحانه مبينا تفاوت منازل الخلق بالعلم: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ۗ إنما يتذكر أولو الألباب} [6].

فضائل العلم

أوضح رسول الله مكانة العلم وفضله بحديث يدفع كل من قرأه بتدبر إلى المسارعة في طلبه، فقال : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [7].

وقال الإمام الحسن البصري -رحمه الله-: «لولا العلماء لصار الناس كالبهائم» [8]. وروي عن الصحابي معاذ بن جبل -رضي الله عنه- في بيان شرف العلم: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة…» [9].

الشمول العلمي

إن الدعوة للقراءة والنظر في كتاب الله هي دعوة شاملة إلى المعرفة والتفكر واكتشاف نواميس الكون؛ قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} [10]، وقال سبحانه: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} [11].

ومع أن الثناء المطلق في القرآن والسنة ينصرف أصالة إلى العلم الشرعي (العلم بالله ودينه)، إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن العلوم الدنيوية النافعة للأمة -كالطب والهندسة والصناعة- هي من فروض الكفايات التي تأثم الأمة بتركها؛ إذ لا يمكن للمسلمين أن يتبوأوا مكان الريادة إلا بالجمع بين اتجاهين:

الاتجاه الأخلاقي والقيمي: بالتمسك بأخلاق الإسلام وسلوكياته السامية.

الاتجاه المادي والعلمي: بامتلاك أسباب القوة والتقدم العلمي والتقني.

الرحلة في طلب العلم

حث الإسلام على الرحلة لطلب العلم والعودة لنفع المجتمع، وأوصى المتعلم بالصبر والمعلم بالتيسير. ولكي تثمر هذه الجهود، جاء التحذير الشديد من كتمان العلم والهدي الذي يحتاجه الناس؛ قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ۙ أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [12]. وقال : «من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» [13].

كما بين النبي عظم أجر نشر العلم النافع فقال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره…» [14]، وحذر من النيات الفاسدة في طلبه فقال: «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء…» [15].

مقارنة تاريخية

يظهر تباين موقف الإسلام الشريف من العلم عند مقارنته بما شهدته العصور الوسطى في الغرب، حين حاربت الكنيسة محاولي البحث العلمي. وقد أكدت المستشرقة الألمانية “زيغريد هونكه” هذا المعنى ببيان كيف جعل الإسلام طلب العلم فريضة دينية جليلة على كل مسلم، بينما اعتبرت الكنيسة في ذلك العصر البحث في العلوم الطبيعية خروجا عن الدين [16].

ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تنهض من عثراتها وتتغلب على الفقر والجهل إلا بالرجوع إلى الأصل العلمي الذي أمرت به قبل العمل، قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} [17]. وكما قال الشاعر:

هل العلم في الإسلام إلا فريضة … وهل أمة سادت بغير تعلم؟