يبرز اسم الباحث المغربي المتخصص في الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، الأستاذ الدكتور إدريس نغش الجابري، ضمن سياق الدرس الإبستمولوجي، وتحرير قضايا العلم ومسائل المعرفة في الفضاء العربي والإسلامي.

يجمع الدكتور الجابري في مسيرته العلمية بين حقلين معرفيين، فهو حاصل على دكتوراه في الفلسفة، ودكتوراه ثانية في علم النفس، ويعمل كأستاذ زائر بجامعة القرويين في المغرب.

راكم الضيف خبرة مديدة في تطوير البرامج الجامعية والمناهج البيداغوجية إلى جانب عطائه التدريسي، وتقلد مهام ومسؤوليات علمية بارزة حيث ساهم في تأسيس “أكاديمية نماء للعلوم الإسلامية والإنسانية” بالرباط وعمل مديرا لها، كما ساهم في تأسيس “مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية”، فضلا عن رئاسته لقسم البحث العلمي بالأكاديمية المغربية للإبداع، وعضويته في الهيئات الاستشارية لعدد من المجلات العلمية والمحكّمة المرموقة.

أثرى الدكتور الجابري المكتبة بمؤلفات تتصل بتاريخ العلوم ومناهجها، من أهمها كتابه “الضروري في فقه العلوم” بجزأيه: الأول “مدخل للإبستمولوجيا وفلسفة العلوم المعاصرة”، والثاني “مدخل لفلسفة العلوم الإسلامية”، كما صدرت له مجموعات شعرية.

التقى موقع إسلام أون لاين مع الأستاذ الدكتور إدريس نغش الجابري وأجرى هذا الحوار على هامش مشاركته بندوة “تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية” التي نظمتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بالتعاون مع اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم ومبادرة “الإسلام والمسلمون” خلال الفترة 23 -24 مايو 2026 م.

دعا الدكتور إدريس الجابري إلى تبني مفهوم (فقه العلوم) المستمد من المجال التداولي العربي والإسلامي، ليكون خيارا منهجيا أصيلا يعنى بفحص البنى المعرفية وتفكيكها بأدوات ذاتية نابعة من بيئتها الحضارية وتلائم سياقها التاريخي، عوضا عن الارتهان الإبستمولوجي لمفاهيم غربية نشأت في سياق تاريخي وفلسفي مغاير

وبحسب رؤيته، اقترح الدكتور الجابري إعادة تصنيف العلوم الإسلامية إلى أربعة أقسام (الفرقان، الإنسان، الأكوان، والآلة)، مشددا على أهمية التكامل المعرفي وهدم الجدران بين العلوم لفهم حركة الفكر الإنساني وتطوره.

وفيما يلي نص الحوار:

أستاذنا الكريم تفضلون أن تسموا الإبستمولوجيا أو فلسفة العلوم بمصطلح تختارونه وهو “فقه العلوم” من باب تبيئة المصطلح حدّثنا عن ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم. نعم، فقه العلوم هو مصطلح رأيته بديلاً لما يعرف في التقليد الأنجلوفوني بـ “فلسفة العلوم”، وفي التقليد القاري أو الفرنكوفوني بـ “الإبستمولوجيا”. في الواقع أنا لا آخذه ترجمة لمصطلح بل تجاوزاً، أريده أن يكون علماً أو مبحثاً أو طريقة في النظر إلى العلم تتجاوز المشروع الإبستمولوجي كله في السياق الفرنكوفوني، ومشروع فلسفة العلوم كله. لماذا؟ لماذا فقه العلوم هو تجاوز للإبستمولوجيا وليس ترجمة لها؟ لأننا كما نعلم أن فلسفة العلم والإبستمولوجيا سواء كما قلت في التقليد الأول أو الثاني، اشتغلت دائماً على المادة العلمية الطبيعية. أول ما ظهرت فلسفة العلوم في القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين، كانت المادة التي تمتحن فيها آراءها هي المادة الرياضية، والمادة الفيزيائية، والمادة البيولوجية بصفة أقل ، وأخيراً في السبعينيات وما بعدها وعلى استحياء بدأت تدرس أيضاً الموضوعات الإنسانية، ولكنها لم تُمتحن في موضوعات غريبة عنها كالموضوعات الإسلامية أو كالعلوم الإسلامية.

فقلت إذاً ما عندنا من ترسانة من الآراء والأحكام والقوانين التي تتداول في حقل الإبستمولوجيا لنحاول امتحانها في المادة الإسلامية، في العلوم، شبكة العلوم الإسلامية التي هي شبكة كبيرة جداً. وأفترض مبدئياً أن هذه الترسانة العلمية الإسلامية هي فوق كل ما قدمه الإبستمولوجيون في الغرب بشقيه، وأفترض أنه لو امتُحنت الإبستمولوجيا الغربية على هذه المادة سنجد مشكلات كبيرة جداً؛ لأنه نعلم أنه حتى بالقاعدة الإبستمولوجية أن مناهج العلوم تتأثر بموضوعاتها، فلا شك إذاً أن الإبستمولوجيا تأثرت بموضوعاتها التي هي موضوعات طبيعية أو فيزيائية، فإذا غيرنا الموضوع لا شك أن العلم سيتغير والمبحث سيتغير. فإذاً أفترض أخيراً أن هذا الذي سيولد سيكون مغايراً في الجوهر والطبيعة مما هو سائد في التقليدين الفرنكوفوني والأنجلوفوني، ولذلك عليّ أن أوجد له اصطلاحاً جديداً واسماً جديداً، فكان اقتراح “فقه العلوم” هو الاسم البديل المتجاوز لما أنتجه الغرب على المستوى البحثي سواء في صيغته الأنجلوفونية أو صيغته الفرنكوفونية.

التكامل في العلوم الإسلامية جوهر في بنية العلم

الأدوات المستخدمة في فقه العلوم، هل هي نفس الأدوات المستخدمة في الإبستمولوجيا التي تأسست في الغرب أو أنها مختلفة؟ وهل نجد في التاريخ العلمي الإسلامي أدوات في معيرة العلم إذا قلنا بأن فلسفة أو فقه العلوم بمعنى نقد العلم أو نظرية العلم، فهل كانت توجد معايير توازي أو تناظر ما هو مستخدم حالياً بحيث أنه يكون هناك حاجة لفقه العلوم أو دعنا نقول نظرية معرفة مستخدمة في العلوم الإسلامية في العصر الحالي؟

أكيد ما دمنا سلمنا في الجواب السابق على أن فقه العلوم هو أمر يتجاوز المنتج الغربي في هذا السياق، فلابد أن تكون الأدوات فيها اختلاف نوعي، والتصورات والنظريات التي نتبناها سيكون فيها اختلاف. ولهذا السبب جعلنا الجزء الثاني من كتاب “الضروري في فقه العلوم” في المادة الإسلامية، وبالتالي سنقف على فعلاً اختلافات كبيرة جداً، منها مثلاً لو أخذنا جزئية بسيطة، عادة ما يُتكلم عنها في النقاش حول فلسفة العلوم كثيراً، قضية التكامل بين العلوم مثلاً.

نحن في تراثنا كان  التكامل جوهراً في بنية العلم، بينما في الغرب جاء التكامل لحل مأزق وقع في العلم، منذ ظهرت فلسفة العلوم كعنوان على يد أوغست كونت في في أربعينيات القرن التاسع عشر، طرحها لتكون العلم الكلي الذي يربط بين العلوم التخصصية؛ لأن هذه العلوم التخصصية إذا بقي كل علم يشتغل لوحده يحدث تمزق في المعرفة، فجاء بها بديلاً للفلسفة العامة التي تشتغل في الميتافيزيقا، وجاء بها تركيباً لتكون تركيباً يحقق هذا التكامل بين العلوم. مع ذلك فشل؛ لأن الأساس الذي بنى عليه هذا التركيب هو أساس وضعاني وليس أساس فلسفي عميقي، فلم ينجح المشروع، وفي نهاية القرن التاسع عشر تجددت العملية على يد إدموند هوسرل الفيلسوف الألماني الكبير الذي يعيد البحث في كيفية تأسيس نظرة تكاملية للعلوم لعلاج مآزقها، وكتب ذلك في كتاب من عنوانه يظهر مقصوده وهو كتاب “أزمة العلوم الأوروبية”، يشرع للتكامل في هذا الكتاب لعلاج الأزمة.

لاحظ، في تراثنا لا نجد نصوصاً تتحدث عن التكامل؛ لأن التكامل كان واقعاً، كان جزءاً من بنية العلم، فلم نحتج أن نتكلم عنه كلاماً نظرياً لنعالج به مشكلة كما يحدث الآن. لاحظ الاختلاف النوعي، إذاً عندما نريد مناقشة مفهوم التكامل إبستمولوجياً يجب أن نستحضر هذا المعطى؛ أن التكامل في التراث الإسلامي ما احتجنا الحديث عنه لأنه كان جزءاً من بنية العقل العلمي الذي يفكر في إنتاج العلوم، ولذلك كنت تجد الأصولي يرجع إلى المحدث في مباحث كثيرة تتعلق بالخبر، ويرجع إلى اللغويين في مباحث كبيرة تحدث في مراتب الدلالة .

فكان قانون أنا أسميه قانون الخدمة أو قانون التسلم والتسليم؛ كل علم يسلم لغيره ما تبرهن عنده فيأخذه غيره منه ويجعله مسلمات ومنطلقات يبني عليها، ثم يعطي لغيره ما تبرهن عنده ليجعلها غيره أيضاً منطلقات وأدوات يشتغل بها. فإذاً كانت العلوم كلها تسلم بعضها بعضاً قوانينها بدون أي حرج، يعني كانت ممارسة، كان التكامل ممارسة، كل علم كان يشعر أنه خادم ومخدوم، يخدم غيره ويخدمه غيره، فما احتاج الفلاسفة ولا الفقهاء ولا المؤرخون أن يتحدثوا عن شيء اسمه التكامل لأنهم كانوا يعيشونه واقعاً. فهذه الجزئية البسيطة انظر كيف ستجعل نظرة فقه العلوم مختلفة جذرياً عن النظرة البسيطة التي كانت تقدمها الإبستمولوجيا الأجنبية لمفهوم التكامل.

وفيما يتصل بفلسفة العلوم الإسلامية وما ذكرتموه من أن كل علم يسلم براهينه إلى علم ثانٍ، فإذن يمكن أن نقول فيما يتصل بنظرية المعرفة أن كل علم المسلمات فيه تكاملية ومتحققة في علوم أخرى، فما أثر ذلك على التطور العلمي؟

في الشق الأول فعلاً ، نشعر في كل علم بهذا التكامل ونحن نقرأه الآن، وأعطيتك مثال الأصولي مثلاً، وأنت تقرأ كتابا في الأصول، حتى الكتاب المبكر في الأصول للشافعي أو بعض الكتب المتأخرة نسبياً ستجد هذا الأمر واضحاً، ستشعر بأن كل واحد من الأصوليين يستلم أو يتسلم من المحدثين ويتسلم من اللغويين ويتسلم من الفقهاء بحكم أن الفقه أيضاً هو الفروع ولكن أيضاً قد تمد الأصولي بنظرة معينة للتقعيد الأصولي، ويأخذ كذلك من الوحي نفسه والتفسير ؛ لأن الأصول استقرائية في الأصل، إنها تستقرئ النصوص ومنها تكون الأصول والقواعد. فنحن إذاً أمام شغل تتدخل فيه عدة مجالات علمية، وبالتالي كل علم نشعر فيه بأن الممارسة كانت فعلاً ممارسة تكاملية من الداخل كما ألح على هذه المسألة دائماً.

كتاب الغرور في فقه المعالم (1) للدكتور نجيب طه الفارسي، يتناول موضوعات تتعلق بفهم المعالم الثقافية والتاريخية. يغطي الكتاب مجموعة من المفاهيم الأساسية بأسلوب أكاديمي، ويظهر على غلافه تصميم فني يجمع بين الألوان الدافئة والهندسية.

نذهب إلى الشق الثاني، عن التطور، هذا الأمر يسهم في تطور العلم، إذ العلم لو بقي جزيرة مغلقة يشتغل بأدوات ضيقة لكانت حركته بطيئة ولاصطدم بمشكلة، ولوقعنا في أزمة “أزمة العلوم” كما سماها هوسرل، ولوقعنا في ضائقة اختلاف التخصصات وربما بعض المشكلات الكبيرة فيما بينها. طبعاً هذا عند المسلمين أيضاً وقع، لكن وقع في فترات متأخرة وبدأ الفقيه ينظر إلى المحدث نظرة استنقاص، والمحدث ينظر إلى الفقيه نظرة تنقص أيضاً، وأصبح المشتغل بالقرآن يقلل من عمل الأصولي، في الحقيقة في الأخير اصطدمنا بهذه المشكلة لما بدأت التخصصات تضيق على نفسها أو تضع نفسها في دائرة مغلقة، هنا انغلق العقل أيضاً، فكان هذا علامة دخول تاريخ الأفكار الإسلامية مرحلة الخريف بعد أن كانت في مرحلة الربيع والازدهار والإنتاجية. إذاً حقيقة هذا النشاط الذي يمارس داخل العلم بهذه الروح، بهذه البنية التكاملية الداخلية يكون عاملاً مهماً في تطوره وفي ارتقائه، وغيابها يعني أنه يدخل في أزمة تهدد وجوده الأصلي كعلم مجتهد، وبالتالي كجزء من نشاط عقل علمي كامل وثقافة علمية ومجتمع علمي كامل.

التقاليد العلمية في العلوم الإسلامية

ماذا عن التقاليد العلمية في التراث العلمي الإسلامي؟ كيف يمكن أن نتلمسها وتؤطر كمنهج علمي ،ونجعل منها منهجاً علمياً، وتشكل مجتمعاً علمياً وجماعة علمية؟

الحديث عن المنهج غير، الحديث عن التقاليد العلمية هذا مرتبط إلى حد ما بما يسمى عند الغربيين باجتماعيات المعرفة، أو اجتماعيات العلوم، أو علم اجتماع العلوم. نحن ننظر إليه في فقه العلوم نظرة أوسع من النظرة السوسيولوجية أو الاجتماعية، نحن ندرس التقاليد العلمية من مستوى أو من داخل مجتمع العلم ككل. حينما نقول مجتمع العلم ككل نقصد به أولاً المؤسسات التي تعمل على نشر العلم والتأسيس له، وطبعاً في المجتمع الإسلامي القديم كانت لها أشكال متعددة؛ مؤسسات وقفية أو مؤسسات غير وقفية، هكذا كان شكلها في البداية، المسجد والجامع ثم تطورت حتى أصبحت مدارس مختصة وكان فيها مستويات؛ مستوى ابتدائي، ومستوى متوسط، ومستوى عالي. وكانت المقررات أيضاً مقررات أيضاً فيها البسيط، والوسيط، والمبسوط، يعني مراتب أيضاً متدرجة في التعليم. المواد أيضاً المدرّسة في مؤسسات التعليم كانت أيضاً متعددة، وتوضع بشكل مرتب حسب سن الطفل.

لو قرأنا مثلاً الكتب البيداغوجية التي ألفها الكثير من فقهاء المسلمين أمثال ابن سحنون صاحب الرسالة المشهورة في آداب المعلمين، أو كذلك القابسي في الرسالة المفصلة وهي من أبدع ما كُتب في هذا، و كتاب الزرنوجي “تعليم المتعلم طرق التعلم”، الكتاب هذا تُرجم إلى ست لغات في مطلع القرن التاسع عشر، وربما الغربيين في علوم التربية كلهم رجعوا إليه فطوروا مشروعاتهم التربوية، ونحن ما عرفناه عندنا في السياق العربي إلا في فترة متأخرة في الثمانينيات من القرن العشرين.

تأثير عالمية العلوم الإسلامية على البيئة الغربية

هل كان هناك تأليف في السياق الغربي قبل روسو في التربية والتعليم؟

لا هم يعتبرون روسو مؤسس التربية الحديثة، في القرن الثامن عشر، ولذلك اعتبروه مؤسساً. و في السياق الغربي غالباً ما يطمسون أي معالم لتأثير الحضارة الإسلامية عليهم، ولكن حقيقة تأثير الثقافة الإسلامية كان كبيراً للغاية بحيث كانت اللغة العربية هي لغة العلم، وكان مفروضاً على أي طالب في أي بلد أوروبي يطلب العلم أن يتعلم اللغة العربية، لماذا يتعلم اللغة العربية؟ لأن هذا التعلم سيكون نافذة للاطلاع على التراث العربي، و في الحقيقة هذا التراث كان تراثا عالميا، فلا شك أنه أثر في البيئة الغربية تأثيراً كبيراً وإن لم يعترفوا بذلك؛ و كما قال بودي وغيره بأن ثقافة الغرب ثقافة مسروقة، كثير من النظريات تجدها بأسماء غربية وهي لمسلمين.

على كل حال، لما نرجع إلى المدونة البيداغوجية التي كتبها الفقهاء نكتشف أن المجتمع العلمي والتقاليد العلمية كانت راسخة، وتنتشر من جيل إلى جيل منذ الطفولة الأولى لدى الإنسان. أيضاً ممكن أن نتكلم عن شبكة العلماء، سواء على المستوى الأفقي حيث كان تواصل بين العلماء في نفس الزمن ونفس المكان ،وإن اختلف المكان أحياناً ولكن في نفس الزمن؛ إما تواصل بالمكاتبة أو تواصل بالمعاينة، بالاتصال المباشر، فكان العلماء يتواصلون حتى في العلوم الطبيعية نكتشف بعض المراسلات الآن ، هناك وثائق مراسلات بين علماء كبار في مسائل فلكية وغيرها ، في قضايا دقيقة جداً يتشاورون بينهم. أو على المستوى العمودي بين الأساتذة ومشايخهم وتلامذتهم، فتجده يأخذ العلم الفلاني من فلان، يعني بالمباشرة وليس فقط بالسماع. فإذن كان هناك شبكات ممتدة أفقياً أو ممتدة عمودياً تحرص على استمرارية هذا النشاط العلمي وتعميق هذه التقاليد العلمية. وكذلك مجال المختبرات، نجد وسائل جامعة وناقلة للثقافة العلمية والتقاليد العلمية في البحث والدراسة والتنقيب والرصد وغير ذلك، يعني هذا بحر لا ساحل له ويحتاج إلى نقاش طويل، ولكن هذه إشارات فقط للوقوف على بعض ملامح التقليد العلمي في العالم الإسلامي القديم.

نقد العلم ممارسة أصيلة في فقه العلوم الإسلامية

أستاذنا الكريم، في محاضراتكم في فلسفة العلوم الإسلامية تتحدثون عن أن من التقاليد العلمية موضوع الشكوك، يعني نجد هناك مؤلفات الشكوك على كتاب كذا، فكيف يمكن أن ننظر إليها في سياق نقد العلم، واتصالها بنظرية المعرفة؟

صحيح، لأننا نعلم بأن من الأمور الأساسية في الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم وهذه أيضاً يتبناها فقه العلوم؛ أن العلم هو عملية تصحيحية تراكمية باستمرار. تراكمية بمعنى أن ما صح من إنتاج العلوم السابقين سواء بلديّك، من نفس مجتمعك أو من مجتمعات أخرى، فأنت تأخذه مأخذ المسلّم ريثما يظهر ما يسقطه أو ما يعدّله، لكن ما كان فيه ضعف سواء في التوثيق أو في الدلالة فواجب العالِم أن يتردد في قبوله لأنه لم يعد منسجماً مع مستوى تطور العلم. هذا بالذات ما وقع في ظاهرة الشكوك التي عرفها العالم الإسلامي القديم في العلوم الدقيقة وغيرها، نحن نأخذ مثال العلوم الدقيقة لأنه ما صح في الدقيق أولى بأن يصح في غيره، عادة العلوم الدقيقة تؤخذ كمسلمات فإذا وقع فيها الشكوك فما بالك من العلوم النظرية التي ليست دقيقة.

فإذاً نلاحظ أن هذه العملية تمت في مراجعة كثير من نظريات جالينوس ونظريات نظريات رياضية عند فيثاغورس أو عند إقليدس أو نظريات طبية. إذاً ما حدث من مراجعات وإثارة هذه الشكوك كلها كانت ممارسة نقدية داخل العلم لا يراد بها هدم العلم فقط من أجل الظهور بمظهر الذي يتعالم ، لا أبداً، بل كان الناس يحترمون مخالفيهم، فمثلا كان ابن البيطار لما يأتي بـ “ديسقوريدس” أو غيره من المشتغلين بالنبات والطب من القدماء يضع كلمة “الفاضل فلان”، فهذه لغة احترام رغم أنه مخالف له في التاريخ وفي الملة وفي الجغرافيا، ولكن مع ذلك يقدّر الجهد الذي بذله ويعلم أنه من الممكن أن يراجعه في بعض التفاصيل. فكذلك نفس اللغة كان يستعملها ابن الهيثم ويستعملها الرازي وغيرهم ممن مارسوا هذه الشكوك. فممارسة الشكوك ممارسة عملية ناضجة يقصد بها الشق الثاني بعد التراكم، قلنا التراكم والتصحيح، يقصد بها هذا الشق الثاني وهو الشق التصحيحي في تاريخ العلم لأن العلم إنما ينمو بهذا التراكم وبهذا التصحيح. وهذه النظرة حقيقة إيجابية ومهمة جداً، وفقه العلوم يشتغل عليها ويحل بعض المشكلات العالقة في العلاقة بين الحضارات أو في الحوار بين الحضارات على المستوى العلمي؛ ما الذي يمكن أن يؤخذ وما الذي يمكن أن يُرد، ما الذي يمكن أن تنطبق عليه قوانين التراكم التصحيحي وما الذي لا يمكن أن تطبق عليه هذه القوانين فيُرفض ابتداءً. فمثل هذه الإشكالات العالقة كمشكلة الترجمة، دور الترجمة في نقل الثقافة من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، كل هذه تعالج بهذه الظاهرة أو بهذه المسألة، مسألة الشكوك في العلم أو بصفة عامة مسألة التراكم التصحيحي كممارسة علمية أصيلة داخل العلم.

وفيما يتصل بالتراكم التصحيحي، هل يمكن أن نقول إن مقولة باشلار “تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه” تصح على التراث الإسلامي حين ندرسه؟

بل نقول إن المسلمين كانوا سبقوا باشلار إلى هذا؛ لأن الاعتراف بأن الخطأ فضيلة هذا جوهر الممارسة الفقهية، وأن يكون هذا جوهر الممارسة الفقهية هذا شيء حقيقة يستحق التقدير. عادة ما يُنظر إلى الفقه كقطاع من التعصب، لا أبداً ، بل كان الفقه رحباً، كان الفقه علماً يعترف بظنيته، تسعين في المئة من الأحكام الفقهية تدخل في الظن لا في القطع، وربما أكثر من باب التغليب فقط.

ولذلك نجد مصطلح الاجتهاد في علم الفقه؟

لأنه هو المفتاح، مصطلح الاجتهاد هو مفتاح الظنية في علوم الفقه، فالمجتهد مأجور على خطئه، فإذاً الخطأ فضيلة في العلم. فلذلك عندما يقول باشلار تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه، هو يقصد هذا المعنى الإيجابي أن العلم هو ممارسة تصحيحية للأخطاء، وبالتالي إذا لم يعترف العلم بأخطائه فليس علماً، سيكون فلسفة، سيكون أيديولوجيا؛ لأن الأيديولوجيا تدعي دائماً أنها على صواب، هي دعوى ، لكن لا يمكن أن تُمتحن، فالعلم يقدم لك امتحاناً أو أساليب امتحان ذاته، بأن تراجعه بعد أن ينتج العلم، ويمكن للعلم نفسه أن يراجع نفسه مع الزمن. فإذاً العلم فعلاً ممارسة تصحيحية تراكمية باستمرار ، والخطأ فضيلة في العلم، ولهذا باشلار كان على صواب في هذا، ويستحق أن يكون شعارنا “أيها الخطأ لست شراً”، الخطيئة شر، لكن الخطأ ليس شراً، هناك فرق بين الخطيئة التي  لها معنى أخلاقي وبين الخطأ الذي له معنى إبستمولوجي أو معنى علمي محمود في المعرفة العلمية.

 ابن خلدون كان “ابستمولوجيا “

وفي تاريخ العلوم هل عرفنا التحقيب التاريخي في تراثنا الإسلامي؟

موجود نعم، نتحدث مثلاً في أصول الفقه عن مرحلة ما قبل دخول المنطق وما بعد دخول المنطق، نتحدث في علم الكلام وابن خلدون له كلام بديع في مقدمته في الكتاب السادس أو الجزء الأخير من مقدمته التي خصصها لتاريخ العلم، له كلام بديع عن حقبتين خطيرتين في علم الكلام مثلاً؛ حقبة المتقدمين حيث كان شعارها أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، وحقبة المتأخرين التي صار شعارها بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول. وهذا التحول ليس بسيطاً، ليس فقط إضافة نفي بسيطة لغوية بل تدل على نمط في التفكير ونمط في بناء الدليل، وهو يشرح هذا النمط بعمق وكأنك أمام إبستمولوجي فعلاً في هذه الجزئية. فإذاً كان هناك إحساس فعلاً بقضية التحقيب، يكفي إذاً أن يتوجه الدارسون إلى المدونات التي كتبت في تاريخ العلم وفي أصنافه ليقفوا  على درر من هذا النوع ، ويمكن أن تطور بأدوات بحث جديدة للبناء على السابق. نحن قلنا دائماً المعرفة تراكمية وتصحيحية، فإذن نبني على السابق و نصحح ما عسى أن يكون خطأً، ونضيف ما تبين لنا من أمور تغني هذا المبحث العظيم في فقه العلوم وهو مبحث في التحقيب في تواريخ العلوم، أقول تواريخ بصيغة الجمع لأن لكل علم تاريخه الخاص.

تعريف جديد العلوم الإسلامية

ما هي العلوم الإسلامية؟ ما هو تعريفكم للعلوم الإسلامية؟

إذا أردنا أن نجيب عن سؤال: كيف يكون علمٌ ما علماً إسلامياً؟ فالعلوم الإسلامية هي كل علمٍ إما تولد من البيئة الإسلامية، أو أنه اكتسب صفة الشرعية فيها وإن لم يكن تولد فيها. ولأدقق أكثر أو أوضح أكثر، أقول: ممكن أن ينشأ علمٌ من الوحي مثلاً؛ علوم القرآن، علم التفسير،وهو ليس قطعياً، كونه نشأ عن الوحي لا يعني أنه وحي، سيكون اجتهاداً بشرياً يؤخذ منه ويُرد، لكنه شرعي من جهة أنه نتج عن الاشتغال في شيء جوهري في البيئة الإسلامية وهو الوحي، و اللغة كذلك.

لكن ممكن أن يظهر علم كعلم الميكانيكا مثلاً، أن يظهر علم ويجتهد فيه مسلمٌ مثلاً، أو حتى غير مسلم، أو يمكن أن يؤخذ حتى من بيئة غير إسلامية، ولكن ليس فيه أي ضرر. والضرر في العلم ليس في ذاته، ليس هناك علمٌ ضارٌ بذاته، إنما يكون العلم ضاراً إذا تجاوز حده؛ يعني إذا خرج عن صفته العلمية ، أو أنه ادعى أنه علمٌ شرعي وهو ليس كذلك، أو أنه ادعى أنه سيد العلوم وليس في العلوم سيد، لأن كل العلوم كما قلت سابقاً خادمٌ ومخدوم، فهنا يصبح هذا العلم غير إسلامي.

أو بسبب استعمالاته، وآثاره، وهذا شرط يتعلق بالعلم، هناك شروط تتعلق بالعالِم؛ أن يستعمله في غير ما هو محمود، إما طلباً للمال مثلاً، الجاه، أو الاحتراف، أو الاسترزاق.. ولهذا المسلمون رفضوا الكيمياء وقبلوا الفيزياء، هذه تبدو مفارقة الآن!

هل تقصد الكيمياء القديمة ؟

نعم،  لأن الكيمياء القديمة كان فيها مصيبتان: أنها ليست علماً في ذاتها؛ لأنها كانت مختلطة إلى حد كبير بالسحر، ثانياً أنها كانت تستعمل للاحتراف، أي كان الكيميائي يخلط المعادن الخسيسة بالنفيسة ويبيعها على أنها نفيسة كلها بقصد الربح، فكان فيها هاتان المصيبتان  التي جعلت العلماء يرفضونها، بل حتى منهم من كان يُحرم الاشتغال بالكيمياء. والناس لا يفهمون بأن المسألة كانت في سياق معين، هم لا يرفضونها لأن الكيمياء شرٌ أو ضررٌ في ذاتها، بل لأنه دخلها هذا الأمر.

إذاً يصبح العلم غير إسلامي لشروطٍ غير موجودة في العلم، أو لشروطٍ غير صحيحة في الاشتغال بالعلم وتوظيفه، أي في العالِم في نهاية المطاف. فبالتالي إذا خلا العلم من هذه الخوارم فممكن أن يكون علماً إسلامياً حتى ولو لم ينتجه مسلمون. وقد كان من الأطباء يهود و مجوس ونصارى ،وكان من الأطباء مسلمون، والبيئة الإسلامية سَمَّت علمهم علماً إسلامياً ونسبته إليها.

لكم تقسيم أيضاً للعلوم الإسلامية؛ علوم الفرقان، وعلوم الإنسان.. لو تحدثونا عن ذلك.

هذا يتعلق بتصنيف العلوم، لأن العلوم الإسلامية قدمت تصنيفاً جديداً لعائلات العلوم ليس موجوداً عند اليونان وليس موجوداً الآن عند الغربيين ؛ العلوم عائلات، الغربيون الآن عندهم عائلتان، أو يمكن تجاوزاً نقول ثلاث، لكن هم يعترفون بعائلتين فقط: العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، أو العلوم الاجتماعية. اللغة الأنجلوسكسونية الناطقة بالإنجليزية يفضلون اسم العلوم الاجتماعية، والناطقون بالفرنسية يفضلون اصطلاح العلوم الإنسانية، هذا جانب اصطلاحي. لكن نحن نقول العلوم الإنسانية عموماً بحكم أن مادتها الإنسان. فإذاً عندهم عائلتان: عائلة العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. وعندهم الإلهيات واللاهوت يدرس في بعض الجامعات ولكن أغلبهم لا يعترفون به، لا يعتبرونه علماً، يعتبرونه نشاطاً فلسفياً.

نحن كان عندنا أربع عائلات: عائلة العلوم التي تدور على الوحي وهي علوم الفرقان، طبعاً الاصطلاح مني، أتجنب أن أقول “العلوم الشرعية” لأننا قلنا سابقاً الشرعية قد تعطى لعلمٍ في الظاهر غير شرعي؛ فيزياء مثلاً، طب، كلها علوم شرعية، وإن كانت هي علوم تتصل بالجانب المادي، فإذن أتجنب استعمال مصطلح “الشرعية” لأنه قد يضيق واسعاً. فبالتالي أفضل استعمال العلوم الدائرة على الوحي، وهي العلوم التي تدور على القرآن؛ علوم القرآن والتفسير ونحوهما، والعلوم التي تدور على الحديث؛ علوم السنة عموماً، هذه العائلة الأولى.

العائلة الثانية عندنا علوم الإنسان، علوم الإنسان أنا أدرج فيها الفقه، بل هو أمها.

أليس الفقه في علوم الفرقان؟

لا ، هو ليس في علوم الفرقان، هذا هو الجديد في فقه العلوم الإسلامية؛ هو ليس في علوم الفرقان، الفرقان هي التي موضوعها الوحي نفسه، قرآناً أو سنة. والعلوم التي موضوعها الوحي نفسه هما هذان اللذان ذكرت؛ ما يسمى بالعلوم القرآنية، الدراسات القرآنية وعلوم القرآن التفسير والحديث. قلنا العائلة الثانية إذاً علوم الإنسان، وعلوم الإنسان هي مدارها الأصلي على الفقه، ولكن هناك علوم بموازاته مثل علم الأخلاق، علم السلوك، علم العمران البشري ونحو هذه من العلوم، كلها تشتغل على المكلَّف في ناحية من نواحيه. فبالتالي هذه عائلة ثانية.

العائلة الثالثة: علوم الأكوان، وهي العلوم الطبيعية سواء كانت مجردة كالرياضيات، أو كانت غير مجردة كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وغيرها من العلوم المادية الأخرى.

العائلة الرابعة: هي العلوم الآلية، والعلوم الآلية صنفان: علوم تشتغل على الأدوات الاستدلالية، علوم منهجية استدلالية إن شئت بعبارة أخرى، وأدخل فيها أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه علم استدلالي بامتياز، علم منهجي بامتياز، وأدخل فيها علوما أخرى مثل كتب مناهج البحث والمناظرة، وكانت تعرف بآداب البحث والمناظرة، كتب الجدل، كتب الخلاف، كل هذه آلات منهجية أو آلات استدلالية. النوع الثاني من الآلات هي الآلات اللغوية، وهي علوم اللغة المعروفة بأنواعها الصرف والنحو والبلاغة إلى آخره. فإذاً هي أربع عائلات: عائلة علوم الفرقان، وعلوم الإنسان، وعلوم الأكوان، والعلوم الآلية، هذه هي خارطة تصنيف العلوم الإسلامية، وتحت كل عائلة علوم كثيرة قد تكون قليلة وقد تصل أحياناً إلى المئات كما هو الحال في العلوم الطبيعية مثلاً إذا فصلنا فيها، وكذلك العلوم الإنسانية.

اخترتم “فقه العلوم الإسلامية” بدلا “فلسفة العلوم الإسلامية”، وتتحدثون عن اختيار مفردة فقه التي تدل على الفهم العميق، ما دلالتها في التعريف بفلسفة العلوم الإسلامية؟

الفقه أكبر من العلم، حتى في الاصطلاح القرآني، فيه علم وزيادة؛ فيه علم بمعنى إدراك المعلوم سواء قلنا على ما هو به كما في بعض التعريفات أو قلنا إدراكاً صادقاً جازماً كما في بعض التعريفات، لكن الفهم درجة أرقى من هذا، هي استيعابٌ للعلم بكل أبعاده، ولذلك الفهم له أبعاد، له مستويات؛ منها المستوى المعرفي، أن تعرف بناء العلم من حيث موضوعه ومنهجه وأنساقه النظرية ومفاهيمه التي يتكلم بها، أو من حيث تاريخه بمختلف مستويات العملية التاريخية في العلم.

كتاب بعنوان "التحليل في زمن المأزق (2)" يتناول موضوعات تتعلق بالتحليل في الفلسفة الإسلامية، يغطي الجوانب الفكرية والثقافية. الغلاف يتميز بتصميم فني ملون يجمع بين الأشكال الهندسية والخطوط، مع خلفية طبيعية تعكس العمق الثقافي للموضوع.

لكن أيضاً الفهم ينفتح على الممارسة النقدية، بأن تعرف أيضاً ما في العلم من الأخطاء ومن المشكلات العالقة؛ ليس هناك علمٌ فيه جميع المشاكل محلولة، ولا حتى الفقه، وإلا لما احتجنا إلى فقه الفتوى والنوازل ، لأن فقه النوازل معناه أن تستجد عندك أمور تحتاج بحثاً جديداً. فليس في العلم علمٌ كامل إلا العلم الإلهي، الله عز وجل هو الذي عنده العلم الكامل، لكن البشر دائماً علمهم محدود وناقص، وهذا ما يسمح بمزيد من التراكم التصحيحي كما ذكرنا سابقاً.

فإذاً الفهم ينفتح على هذا المعطى الآخر، وهو المعطى المتعلق بمهارة النقد، فإذن هناك مهارة التحليل والتركيب والوصف ونحو ذلك من المهارات المعرفية، ولكن هناك أيضاً مهارة المراجعة والنقد والتصحيح، وهذه يسمح بها مفهوم الفهم بشكل عميق جداً، ولهذا جعلناها جزءاً من الضميمة الاصطلاحية التي اخترناها وهي ضميمة “فقه العلوم” لتكون معبرة عن هذا النشاط الجامع الذي يستهدف معرفة ما هو العلم، ثم معرفة كيف نقرأ تاريخ العلم، وكيف نتبين مشكلة المراجعات التصحيحية التي تقع في تاريخ كل علم.

من فلسفة الرياضيات إلى علم النفس

شهادتكم الأولى في الدكتوراه كانت في فلسفة الرياضيات، وحضّرتم دكتوراه ثانية في علم النفس، لو تحدثونا عن سبب تحضيركم لشهادة دكتوراه ثانية واختيار علم النفس، وهل له اتصال بالإبستمولوجيا أو نظرية المعرفة؟

الاشتغال بعلم النفس له سياقات كثيرة جداً، سياقات نظرية وعملية طبعاً بحكم أن علم النفس فيه شق نظري وعملي؛ علم النفس الإرشادي، علم النفس الإكلينيكي أو العيادي، هذا علم عملي، وكذلك علم نظري الذي هو نظريات مفهوم النفس ومكوناتها وتاريخ النشاط الفلسفي على النفس أو النشاط العلمي على النفس، كل هذا يدخل في إطار نظري.

والإبستمولوجيا في حاجة إلى الوقوف على هذا الجانب. والحقيقة الذي كان سبباً أولياً للدفع لهذا الأمر أنه في قراءتنا للمنتج الإبستمولوجي الفرنسي على وجه  الخصوص وجدناهم يهتمون بهذا الأمر أكثر من الأنجلوفونيين، وهو تأثير الجوانب النفسية في حركة العلم، وهو موضوع اهتم به برونشفيك، و باشلار، أعلام مهمين جداً، لأنهم وقفوا على قضية مهمة جداً وهي قضية أن من أكبر مشكلات تطور العلوم دخول هذا العامل النفسي، دخوله كعائق، يسميه باشلار “عائق إبستمولوجي”، عندما يتكلم عن العوائق يذكر عوائق كثيرة ويذكر منها هذا العامل، العائق النفسي.

لما رجعت إلى التراث العلمي الإسلامي وأنا أقرأ النصوص التي تركها العلماء خاصة في مجال العلوم الدقيقة كالفلك والرياضيات، وجدتهم أيضاً يلاحظون هذا الملحظ، فابن الهيثم مثلاً يتحدث أيضاً عن أن العالِم يعتذر في مقدمة كتابه عما يمكن أن يقع في الكتاب من نقائص، ويقول: إذا عثرتم على شيء من هذا فاعذرونا بسبب الجبلة والكدر النفسي الطبيعي في الإنسان، أو النقص الطبيعي، يصفه بلفظ الكدر يعني لأنه مشوش على المعرفة، فحقيقة هو عامل مهم يُفسَّر به الخطأ الذي يمكن أن يحصل في كتابه. كان هناك وعي بهذا العامل النفسي في تأخر المعرفة.

فكانت هذه النقطة أو النافذة التي فُتحت من فقه العلوم إلى الدراسات النفسية، في البداية دخلت مدخل الهواة، وقلت ليست لدي مشكلة؛ لأن هذا درسناه في الفلسفة كثيراً ، سنوات الإجازة الأربع في الفلسفة كان فيها علم النفس مادة أساسية عندنا، مادتان، فقرأنا علم النفس المرضي وعلم النفس النظري، ثم في مستوى الماجستير كان عندنا أيضاً مادة في علم النفس، فقلت لاتوجد صعوبة إذا سجلنا دكتوراه في هذا الموضوع، فسجلنا أولاً ماجستير في علم النفس الإكلينيكي وماجستير في علم النفس العام، ثم هذه المادة مكنتني من أن أنجز الدكتوراه في عام ونصف تقريباً أو عامين، فالحمد لله تمت الأمور بكل سهولة .

وهذه صورة من التكامل المعرفي.

وهذا مهم جداً، وهو أن ثمرة هذا الأمر أنه بدأ يظهر لي مفهوم التكامل بشكل أوسع، ثم بعد أن استثمرت الأمر في فهم أكثر لتدخل  العامل النفسي في تاريخ العلم، أيضاً قلنا هذه مسألة التكامل، وربما مسألة أيضاً في غاية الأهمية وهي فهم أكبر للعلوم الإنسانية الغربية، خاصة وأنني أدرّس في الجامعة مادة العلوم الإنسانية منذ مدة عندنا في المغرب؛ فكان لابد أن يكون عندي تكوين متخصص في هذا الباب، فانتفعت به أيضاً في إدراكي لحركة العلوم الإنسانية الغربية من مدخل العلوم الإنسانية وليس من المدخل البسيط ،وهو مدخل مهم جداً؛ خاصة أن علم النفس يلتقي بعلم الاجتماع، وهو الآن تخصص كبير يسمى علم النفس الاجتماعي، فكأنك لما تدرس علم النفس تحيط بالمادة الإنسانية عموماً سواء في صياغتها الاجتماعية أو في صياغتها النفسية، فكان في ذلك منفعة كبيرة للدراية بالعلوم الإنسانية واكتساب القدرة أيضاً على وضع فلسفة للعلوم الإنسانية بدءاً من التخصص فيها.

لأنه من فضائل الإبستمولوجيا الغربية، وهي ليست كلها عطباً وخطأً، من فضائلها أنه أصبح يمارسها المتخصصون، فالذي يتكلم في إبستمولوجيا الرياضيات يشترط فيه أن يكون رياضياً، الذي يتكلم في إبستمولوجيا الفيزياء يشترط فيه أن يكون فيزيائياً، باشلار كان عالم رياضيات واشتغل بالفيزياء و وأطروحته في الدكتوراه كانت في الفيزياء، كان عنوانها “المعرفة التقريبية”.

وباشلار هو شيخ فلاسفة العلوم في الغرب.

فإذاً هذه الدراية بعلم النفس كانت نافذة أيضاً للدراية بفلسفة العلوم الإنسانية حتى يكون الإنسان حجة في بابه. قضية الرياضيات أيضاً مهمة، لأن الرياضيات هي لغة، لغة الطبيعة، الطبيعة تتكلم بالحساب، هناك جوهر الطبيعة مادي ولكن لغة الطبيعة هي في الحساب بالرياضيات.

منطق كوني ؟

منطق كوني ، حتى أننا عندما نرجع إلى تراثنا ستجد مثلاً في بعض الكتب، مثل الكتاب الذي حققته أنا في الرياضيات لعالم اسمه ابن هيدور التادلي الفاسي، له مقدمة بديعة في الكتاب يتكلم فيها  عن دور الرياضيات في العلوم الإسلامية كلها، بدءاً من القرآن الكريم والعقائد، يقول الرياضيات تدخل في العقائد، وتدخل في التشريعات كلها، في الصلاة والزكاة وحساب الغنائم في الجهاد وفي الحج والمواريث، لا يترك شيئاً تقريباً في المعاملات ولا العبادات إلا ويقول يدخله الحساب.

فإذاً هو يعتبر الحساب أمراً مهماً جداً، وابن خلدون يقول بأن الحساب ضروري لأنه يعلم مهارة التفكير السليم حتى في العلوم الإسلامية، العلوم الشرعية، ابن تيمية يقول أيضاً نفس هذا الكلام، قال لما قارن علوم الفلاسفة ” علومهم في الرياضيات هي علوم صحيحة وسماها “علوم دقيقة” باللفظ الشائع عندنا الآن، هو سبق إلى استعمال هذا اللفظ سماها علوماً دقيقة، فلم يناقشها ولم يرد عليها كما رد على المناطقة مثلاً، المناطقة علم لم يكن دقيقاً. فإذاً حقيقة الاشتغال بالرياضيات مهم جداً، زد على ذلك فائدة أخرى أن التراث الرياضي في القرن الثامن الذي اشتغلت عليه كان هو التراث العالمي في ذلك الوقت، كان هو الذي يدرس في كل العالم، وبالتالي كان هو المقرر الذي يدرس للرياضيات في إسبانيا وفي باريس منتمٍ للحضارة الإسلامية ، فأدركت أن الإحاطة بهذه المفردات التي كانت في ذلك الوقت في الرياضيات بقواعدها وتمارينها، هي إحاطة بحركة العلم وحركة النهضة الأوروبية نفسها وإدراكٌ لتأثير المسلمين في هذه الحركة. فكان هذا فعلاً متصلاً بفلسفة العلوم.

نختم بـسؤال عن رؤيتكم لواقع فلسفة العلوم في البلاد العربية والإسلامية؟

طبعاً هو أغلب الاشتغال الآن هو في تاريخ العلوم، أكثر من فلسفة العلوم، فلسفة العلوم تستوعب تاريخ العلوم وزيادة ، وهذا أمر مبشر بخير، لأن هذه خطوة ضرورية ستدفعنا بعد أن نستوعب تاريخ العلم إلى أن نطرح عليه الأسئلة الأساسية التي يريد فيلسوف العلم أن يطرحها على المنتِج للعلم ، وهو العالِم نفسه، وعلى المؤرخ للعلم الذي يؤرخ لعلم واحد أو لمجموعة من العلوم. فنحن نعتبر أن ما يقع الآن على قلته هو خطوات مبشرة إن شاء الله بتطور إيجابي لحركة البحث في فلسفة العلوم وإن كانت مازالت العملية ضعيفة للغاية لكنها تبشر بخير.

شكراً جزيلاً دكتور، لو توصون بمؤلفات في فلسفة العلوم الإسلامية؟

سأوصيكم بكتابي “الضروري في فقه العلوم”؛ لأنه بالنسبة للدارس خطوة أولية ضرورية، وهي لا تدعي أنها تجمع كل شيء، ولكن على الأقل تقول أموراً موجودة في كتب أخرى، ولكن تقول أموراً أيضاً ليست موجودة، وخاصة ما يتعلق بفقه العلوم الإسلامية الجزء الثاني، “الضروري في فقه العلوم الإسلامية”، الجزء الأول مدخل عن الإبستمولوجيا بصفة عامة وفقه العلوم بصيغته كما نراها فقه العلوم، فهذا مدخل تعريفي وهو مهم لكل دارس ليس له معرفة مسبقة وعميقة بهذا المجال، فهو إذاً مفيد للأساتذة وللطلاب الذين يريدون التعرف على هذا الميدان بشيء من الدقة. والصنف الثاني يتعلق بفقه العلوم الإسلامية خصوصاً، وفيه الإضافة النوعية التي نعتبر بحمد الله أننا من أوائل من اشتغل عليها، طبعاً لا ندعي الأولية المطلقة؛ لأن هناك مقالات ودراسات أنتجها باحثون مرموقون في هذا الباب سواء في المغرب أو في المشرق، لكن جمع هذا في مؤلف جامع كان هذا عملاً متميزاً كما ذكر بعض الزملاء  من الأساتذة المتخصصين، وسيكون فرصة لمن طالعه أن لا يتعرف فقط بل يمكن أن نستفيد مما يصلنا من تعليقات أو ملاحظات حتى نطور العمل إن شاء الله مستقبلاً ليكون أكثر دقة وأكثر فائدة للقراء من جميع الشرائح.

وما ذكرتموه  يذكرنا بما سبق أن أشرتم إليه أن من التقاليد العلمية في تراثنا الإسلامي قضية التصحيح من قبل الباحثين والدارسين إن كان هناك خطأ، الأمر الذي يساهم في تطور العلوم.

نشكركم جزيل الشكر أستاذنا الكريم الدكتور إدريس الجابري على هذه الفرصة لإتاحة الحوار لموقع إسلام أون لاين، جزاكم الله خيراً.