جاء الإسلام شريعة متكاملة ومنهج حياة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم، فأهم ما يميز الإسلام أنه جاء منهجا ينظم علاقة الفرد بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأهله، وعلاقته بالأقارب والأجانب، وعلاقته بالكون كله، حتى نظم علاقته بالحجر والشجر والماء والهواء، وبكل مكونات البيئة المحيطة به، وتلك البيئة تمثل الظروف الطبيعية والمؤثرات الخارجية التي تؤثر في الإنسان وكل الكائنات الحية، فتشتمل البيئة على الماء من البحار والمحيطات والأنهار والأودية، وكذلك النباتات والأشجار، وكذلك الحيوانات بأنواعها والكائنات البحرية من الأسماك وغيرها، كما تشتمل البيئة الغلاف الجوي ونحوه، فكل ما يتعلق بالماء والهواء والنبات وما فيها يعد من البيئة.

واستنباط منهج الإسلام في التعامل مع البيئة يحتاج إلى سبر أغوار نصوص القرآن والسنة، وآثار الصحابة والسلف، ومرويات الأئمة والعلماء، ليس في مجال الشريعة فحسب، بل مجاله الأرحب هو نتاج الفكر الإسلامي والتطبيقات التي خرج بها من خلال الحضارة الإسلامية التي امتدت إلى عدة قرون؛ أسدت للبشرية نتاجا فكريا وحضاريا وسلوكيا وبيئيا، يشهد له المنصفون من أبناء غير المسلمين.

ويمثل منهج الإسلام في رعاية البيئة محاور رئيسة، يمكن اختصارها في (الحفظ والتنمية والاستدامة)، ونعني بجانب الحفظ هو حفظ كل ما يتعلق بالبيئة وعدم إهدارها، ونعني بالتنمية زيادة الموارد البيئية القابلة للزيادة، ونعني بالاستدامة استمرار تلك التنمية وهذا الحفظ.

وقد أشار القرآن إلى جانب التنمية، بقوله سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف: 74].

المقاربة الأصولية: حفظ البيئة من جانبي الوجود والعدم

ومن وجهة نظر أصولية، فإن الإسلام اعتنى بالبيئة من جانب الوجود وجانب العدم:

وجانب الوجود هو جانب الإيجاد والميلاد، وجانب العدم هو جانب الوقاية والحفظ،

وهذا الملمح الأصولي أشار إليه الشاطبي في معرض حديثه عن حفظ الضرورات التي هي من مقاصد الشريعة، فقال في (الموافقات للشاطبي 2 / 8 – 10 ط دار المعرفة بيروت):

“والحفظ لها يكون بأمرين أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”.

وبيان ذلك في حفظ البيئة بما يلي:

أولاً – جانب الوجود:

وأما من جانب الوجود، فقد أوجد الله سبحانه وتعالى عناصر البيئة على أكمل وجه، حتى يستطيع الإنسان الاستفادة منها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ . وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ . إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ . وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ . وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ . وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ . وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ [الحجر: 16 – 23].

وجعل كل ما في الكون مسخرا للإنسان: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]. وذلل كل ما في الكون للإنسان لرسالة العمران، كما قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 13].

الحث على التشجير والزراعة

كما حث النبي على زيارة الرقعة الخضراء وكثرة الزروع والنباتات بأنواعها، وبين أن من يسعى إلى الحفاظ على البيئة من جانب الوجود والتنمية؛ له أجر عظيم عند الله تعالى، حتى إنه يثاب على استفادة بعض عناصر البيئة مثل الطيور، كما ورد من حديث النبي في صحيح البخاري: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة”.

مبدأ الاستدامة حتى اللحظات الأخيرة:

ويدخل في جانب الوجود الاستدامة، حيث أشار النبي إلى منهج استدامة البيئة حتى آخر لحظة في الحياة الدنيا قبل قيام الساعة، كما قال في حديث مسلم: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها.

إحياء الأرض الميتة:

ومن وسائل حفظ البيئة من جانب الوجود الدعوة إلى إحياء الأرض الميتة وتحقيق التنمية البيئية، كما في صحيح البخاري عن عروة عن عائشة – رضي الله عنها – عن النبي : “من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق”. قال عروة: “قضى به عمر – رضي الله عنه – في خلافته”.

استشراف مستقبل البيئة

كما يدخل في جانب الوجود الاستشراف والمستقبل المتعلق بالبيئة، وقد أشار النبي إلى استشراف استدامة البيئة بقوله كما في صحيح مسلم: “لن تقوم الساعة حتى تعود بلاد العرب مروجا وأنهارا.

ثانياً – جانب العدم:

وكما حفظ الإسلام البيئة من جانب الوجود، فإنه حفظها من جانب العدم، ويقصد به جانب الوقاية واتخاذ السبل والتدابير الوقائية التي تحفظ البيئة من الانقطاع، ومن ذلك:

إماطة الأذى عن طرق الناس:

كما في صحيح مسلم: “الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”، فإماطة الأذى عن الطريق أحد سبل الوقاية للبيئة.

الحماية من الأوبئة:

كما في صحيح مسلم: “غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس فيه غطاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء”، وذلك حماية من وقوع الأوبئة التي تؤثر سلبا على البيئة.

النهي عن الإفساد البيئي:

بل جعل القرآن الاختلاف البيئي راجعا إلى ما كسبت أيدي الناس، فقال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

ونهى عن الإفساد في الأرض والكون، فقال: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]، وعاب على من يسعى في الأرض فسادا، فقال: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205].

نظافة البيوت من وقاية البيئة:

كما حث الشارع على النظافة بشكل عام، ونظافة البيوت بشكل خاص، لما في ذلك من حفظ البيئة من جانب العدم، كما في حديث النبي : “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود”. بل كان علي – رضي الله عنه – يمتدح فاطمة بنظافتها، وحرصها على نظافة بيتها، حتى إن الغبار ليصيب ثيابها من شدة حرصها على نظافة بيتها.

ولهذا ورد في مصنف عبد الرزاق أمر علي بمنع ما يؤذي المسلمين عن طريقهم، كما ورد عن الشعبي أن عليا كان يأمر بالمثاعب والكنف تقطع عن طريق المسلمين، وهذا حفظ من جانب العدم.

بل جاء اللعن لمن يقوم بإفساد البيئة من خلال التبرز في الطرق العامة، كما في الحديث: “اتقوا الملاعن الثلاث؛ البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل”.

حفظ البيئة حال الحروب:

كما يمثل حفظ البيئة من جانب العدم وقت الحروب، بالنهي عن التخريب والتدمير للبيئة من قطع الأشجار وحرمة قتل الحيوان وكل ما يضر بالبيئة، كما ورد في (تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/75): أن أبا بكر لما وجه الجيش إلى الشام قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم أمرهم بالمسير إلى الشام وبشرهم بفتح الله إياها حتى تبنوا فيها المساجد… وإني موصيكم بعشر كلمات فاحفظوهن: لا تقتلن شيخا فانيا ولا صبيا صغيرا ولا امرأة ولا تهدموا بيتا ولا تقطعوا شجرا مثمرا ولا تعقرن بهيمة إلا لأكل ولا تحرقوا نخلا ولا تعزقوه ولا تعصوا ولا تجبن ولا تغلل وستجدون قوما قد حبسوا أنفسهم فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له.

الجانب الإجرائي والمصالح المرسلة في حماية البيئة

ثم تبقى الإجراءات القانونية والبيئية راجعة لكل مجتمع للتعامل مع البيئة حفظا وتنمية واستدامة، كما يدخل في ذلك قوانين الدولة المتعلقة بالحفاظ على البيئة، وهو ما يدخل تحت مسمى (المصالح المرسلة) لتنظيم القوانين والإجراءات التي تساعد في تحقيق مقاصد الشريعة المتعلقة بالبيئة.