رغم المكانة المرموقة للصين المعاصرة في المجالات الاقتصادية — فهي الأولى عالمياً في إجمالي الناتج المحلي على أساس المعادل الشرائي، وصاحبة أكبر فائض تجاري في العالم، وهي صاحبة أكبر إنتاج صناعي عالمياً (ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، وتتفوق على الولايات المتحدة)، بل الأعلى في معدل النمو الاقتصادي لعقود — وفي التطور العلمي (تحتل المركز الأول في عدد براءات الاختراع)، بل هي ضمن الفئة الأولى في عدد المنشورات العلمية المحكَّمة، وهي صاحبة أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة عالمياً، والأولى عالمياً في الطاقة المتجددة وفي الذكاء الاصطناعي، ومن أعلى الدول في تخفيض مستويات الفقر وبشكل خطي… إلخ.

هل هناك فكر سياسي يقف وراء هذا التطور المتسارع؟ ما مدى اطلاع الجامعات العربية والنخبة الفكرية العربية وصانعي القرار العرب على هذا الفكر؟ فجامعاتنا كنظمنا السياسية، لا تعرف إلا أفلاطون وجان جاك روسو وماركس وهنتنغتون وفوكوياما… بينما كم من أساتذتنا ومفكرينا اطَّلع على أبرز المفكرين الصينيين المعاصرين؟

يبدو لي أن النخب العربية، وبخاصة أساتذة الجامعات — لأنهم معزولون عن القرار السياسي — يظنون أن الحال في بقية العالم كالحال في عالمنا العربي، وأن أستاذ الجامعة ليس له دور إلا “التعليم”. ومن هنا لا يبحثون عن دور المفكرين في الدول الصاعدة في هذا الصعود، لأنهم يظنون أن الأمر هناك كما هو هنا.

أعود إلى الصين لأتوقف عند أبرز مفكريها، لعلَّ وعسى أن تُولِيَهم جامعاتنا بعض الاهتمام:

أولاً: وانغ هونينغ (Wang Huning)

رجل يرتدي بدلة رسمية وقميصا بأزرار، يقف أمام خلفية فنية تحتوي على أشجار وصورة طبيعية. يظهر وجهه بملامح جادة ونظارات، مما يبرز طابعه الرسمي.

وهو أحد أركان الرؤية الصينية السياسية المعاصرة، بل يمكن القول وبثقة عالية إنه يقف وراء التوجهات الاستراتيجية الصينية منذ الرئيس “جيانغ زيمين”، مروراً بالرئيس “هو جينتاو”، وصولاً إلى الحالي “شي جين بينغ”. ولعل هذا الدور هو الذي جعله يحتل المرتبة الأولى في نسبة المتابعة من مراكز الدراسات الغربية. فماذا عنه في جامعاتنا العربية؟ لا شيء، رغم أن من أراد فهم التوجهات الصينية وإدراك استراتيجياتها عليه بمتابعة هونينغ، فهو في تقديري الأكثر تأثيراً في صياغة القرار السياسي الاستراتيجي الصيني.

ومن المستحسن التوقف عند بعض توجهاته الفكرية، وبخاصة دراسته America Against America، وهذا الكتاب تم نشره بعد زيارته لأمريكا عام 1988. وأزعم أن المفكر الأمريكي يوهان غالتنغ (Johan Galtung) اقتبس منهج تحليله في دراساته عن “سقوط الإمبراطورية الأمريكية” عام 2004 من منهجية هونينغ القائمة على تحديد التناقضات داخل المجتمع الأمريكي، والتنبؤ بمستقبل أمريكا من خلال رصد تصاعد حدة هذه التناقضات.

ثانياً: يان شيويتونغ (Yan Xuetong)

رجل يرتدي بدلة رسمية يتحدث خلال مؤتمر، مع خلفية زرقاء تحمل شعار منتدى السلام العالمي. يظهر وهو يرفع يده للتأكيد على نقطة معينة.

كشفت دراسة منشورة حديثاً أن هذا المفكر الصيني يحظى بالمرتبة الأولى في الاقتباس بين الباحثين الأمريكيين في الفكر السياسي المعاصر، بل من العسير أن تجد دراسة أمريكية تبحث في تفسير الصعود الصيني ليس فيها اقتباسات من دراساته، وبخاصة التركيز على نظريته التي أسماها “الواقعية الأخلاقية” (Moral Realism)، والتي تسعى إلى أنسنة مفهوم القوة، خلافاً لمفهومها في المنظور الغربي من واقعية تقليدية (مدرسة مورغانثو) أو الواقعية الجديدة (كينيث والتز… إلخ). ويمكن القول بأن هذا المفكر الصيني هو المرجع للغربيين في فهم خلفيات السياسة الصينية.

وتكمن أهمية شيويتونغ في قدرته على “عصرنة التراث الفكري الصيني”، أي العمل على تكييف الفكر السياسي الصيني القديم ليصبح قادراً على المساهمة في تطوير نظرية عصرية للعلاقات الدولية. ويمكن اعتبار كتابه Ancient Chinese Thought, Modern Chinese Power الصادر منذ 15 سنة هو المرشد في فهم التطور الصيني المتجدد. أما كتابه الشهير الذي تمت ترجمته إلى الإنجليزية ونشره عام 2020، فهو كتاب Leadership and the Rise of Great Powers، وهو ما يساعدك على فهم التصور الاستراتيجي لرؤية المسار الصيني المستقبلي، استناداً لرصد مقومات الصعود في المركز الدولي.

ثالثاً: تشنغ يونغنيان (Zheng Yongnian)

رجل يتحدث على منصة خلال المنتدى الدولي الثاني حول الديمقراطية، مع خلفية زرقاء وكتابات بالإنجليزية والصينية.

تتركز دراساته حول الإصلاح السياسي وتطوير مفهوم وآليات الحوكمة، ومن النادر أن تجد دراسة غربية تتناول نظريات التنمية السياسية لا يكون يونغنيان أحد مراجعها، بينما ما زال أساتذتنا قابعين عند أطلال كتابات هنتنغتون (كتابه النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة عام 1968) وفوكوياما (كتابه النظام السياسي والتدهور السياسي… إلخ). ويمكن اعتبار كتاب يونغنيان The Chinese Communist Party as Organizational Emperor مدخلاً ضرورياً لفهم النظام السياسي الصيني.

رابعاً: تشنغ بيجيان (Zheng Bijian)

رجل مسن يقف أمام منصة متحدث، يبتسم، محاط بزهور ملونة. خلفه لافتة تحمل شعارات مؤسسات بحثية. الصورة تعكس حدثًا رسميًا أو مؤتمرًا في الصين.

وهو صاحب نظرية “الصعود السلمي” ذات المكانة المرموقة في استراتيجية الصين الدولية، بخاصة في فترة الرئيس “هو جينتاو”. وتقوم فكرته على طرح رؤية علمية لصعود الصين دولياً، ولكن عبر رؤية ومسارات لم تعرفها القوى الصاعدة عبر التاريخ؛ أي أنه يطرح تطوراً لا يقوم على التوسع والهيمنة، بل على “تقديم النموذج الجذاب”، واعتبار العلاقات الدولية مباراةً غير صفرية (Non-Zero-Sum Game)، وهو ما يتضح في عنوان دراسته منذ عام 2005: China’s Peaceful Rise to Great-Power Status.

في تقديري، من العسير فهم السياسة الصينية الداخلية والخارجية دون الاطلاع على أدبيات هؤلاء الأربعة على أقل تقدير. فالدراسات الصينية أصبحت “أقساماً” لا مجرد مساق تدريسي في الجامعات التي فيها الحس المستقبلي. إن الصين “سيد قادم”، ولكن هذا السيد “أقل” فجاجةً و”أقل” طمعاً و”أقرب” إلينا في منظومته الثقافية من مجتمع إبستين. فاطلبوا العلم ولو في الصين… ولا تطلبوا التحرر وأنتم مستعمَرون عقلياً. نعم، الفكر الغربي ساهم تاريخياً ولا يجوز الإنكار، ولكن ماذا عن الحاضر والمستقبل؟ الجواب لكم.