لا تبدو صعوبة الحكم على الحجاج بن يوسف الثقفي ناتجة عن فقر المادة التاريخية المتعلقة به، بل عن كثافتها وتناقضها. فقد بقي في الذاكرة الإسلامية واليا حازما أعاد للدولة الأموية قدرتها على الحكم، وخطيبا بالغ التأثير، وقائدا واجه الخوارج والثورات، وإداريًا ربط العراق بالمركز، وأنشأ واسط، ودعم الفتوحات في خراسان وما وراء النهر والسند. لكنه بقي، في الوقت نفسه، رمزا للطغيان والبطش، وللحاكم الذي جعل الدم جزءا من انتظام الدولة، وأخضع المجال الديني لمنطق السيادة، وضيّق الفاصل بين المعارضة والجريمة. وهذه الازدواجية لا ترجع كلها إلى انحياز المؤرخين؛ إذ إن جانبا منها كامن في شخصيته وتجربته بالفعل: كان يبني ويقمع بالأداة نفسها، ويحقق النظام من خلال الخوف، ويزيد قدرة الدولة بمقدار ما يخفض شعور المجتمع بالأمان منها.
ومع ذلك، فإن تناول “شخصيته النفسية” يحتاج إلى احتراز منهجي. فلا يمكن تشخيص شخصية تاريخية تشخيصا سريريا بعد قرون، ولا يصح تحويل الروايات الأدبية إلى ملف نفسي مكتمل، خصوصا أن أخبار الحجاج نقلتها مصادر متأخرة نسبيا، وتأثرت بالسرد العباسي وبالوظيفة الأخلاقية لقصص الطغاة. لكن هذا الاحتراز لا يمنع تحليل الملامح النفسية-السياسية التي تكشفها أنماط سلوكه المتكررة وخطبه واختياراته: شدة الحاجة إلى السيطرة، والحساسية المفرطة تجاه العصيان، والميل إلى تقسيم العالم إلى طاعة وتمرد، والثقة الاستثنائية بالقدرة الشخصية، وتوظيف الخوف بوصفه موردا للحكم، والارتباط النفسي العميق بالمركز الذي منحه المكانة والشرعية. فالحجاج لم يكن ابن قوة قبلية مستقلة، ولم يصعد من بيت خلافة، بل ارتقى من خلال الكفاءة التنفيذية والولاء لعبد الملك بن مروان؛ ومن ثم كانت هويته السياسية مرتبطة بالدولة التي صنعته، وكان الدفاع عنها دفاعا عن موقعه وذاته في آن واحد.
صعود الشخصية: من هامش النسب إلى مركز السلطة
ولد الحجاج بن يوسف الثقفي في الطائف في حدود سنة 40 أو 41هـ، في زمن تبلورت فيه الدولة الأموية واشتدت فيه الصراعات حول الخلافة. ولم يكن من بيت سياسي أول، لذلك لم يكن رأسماله الأساسي النسب أو الزعامة القبلية، بل القدرة على التنفيذ والانضباط والولاء. ومن منظور علم الاجتماع السياسي يمثل صعوده انتقالا جزئيا من نخبة تستمد مكانتها من الأصل القبلي إلى “نخبة تنفيذية” تستمد القوة من قربها من المركز ومن استعدادها للقيام بما يتردد الآخرون في القيام به. وقد احتاج عبد الملك بن مروان، الخارج من الفتنة الثانية، إلى هذا النمط تحديدا: رجل لا يفاوض الأقاليم طويلا، بل يعيدها إلى الطاعة، ولا يرى نفسه ممثلا لها، بل ممثلا للخليفة فيها (Hawting, 2000, pp. 58–70; Kennedy, 2001).
يمكن فهم بعض قسوة الحجاج في ضوء هذه الخلفية. فالشخص الذي يصعد بفضل الكفاءة والانضباط، لا بفضل نسب يضمن له المكانة، قد يصبح أكثر تمسكا بإثبات الجدارة، وأكثر رفضا لأي علامة على الضعف. لم يكن يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يبدو واليا عاديا؛ لأن موقعه كله قائم على كونه الأشد حسما والأكثر قدرة على إنجاز المهمة. ولذلك تحولت الشدة من وسيلة إلى جزء من هويته العامة. إنه لا يستخدم العنف فقط، بل يعرضه، ويتحدث به، ويصنع حول نفسه صورة من يعرف مواضع الفتنة قبل ظهورها ويستطيع سحقها. وهذا ما يفسر الحضور المسرحي في خطبه: فالكلام عنده لم يكن نقلا للقرار، بل تمثيلا للسلطة.
قدمت باميلا كلاسوفا الحجاج بوصفه “الطاغية البليغ” الذي امتزجت في صورته الفصاحة بالإمبراطورية؛ إذ كانت خطبه جزءا من إنتاج الحكم لا هامشا أدبيا عليه (Klasova, 2025). ويكشف خطابه عن نزعة واضحة إلى احتكار تعريف الواقع: هو الذي يحدد من المطيع ومن العاصي، وما إذا كان التردد ضعفا أم خيانة، وما إذا كان الاعتراض رأيا أم فتنة. ويمكن ربط ذلك بمفهوم “العنف الرمزي” عند بورديو؛ فالسلطة لا تضرب الأجساد فقط، بل تفرض أسماءها وتصنيفاتها، وتجعل المجتمع يرى المعارض من خلال اللغة التي تصفه بها الدولة (Bourdieu, 1991). ومن هنا لم يكن التهديد عند الحجاج انفعالا عابرا، بل تقنية حكم: حين يعلن أنه يرى “رؤوسا قد أينعت”، فإنه لا يصف خصوما موجودين فحسب، بل يصنع من الجمهور كله مساحة لاحتمال الاتهام.
وقد امتلك الحجاج ما يمكن تسميته “كاريزما سلبية”؛ أي هيبة لا تقوم على المحبة، بل على الرهبة والانبهار بالقدرة. وهذا تعبير تحليلي لا يطابق مفهوم الكاريزما عند ماكس فيبر؛ لأن قبول العراقيين به لم يكن طوعيا في الغالب، لكن حضوره تجاوز المنصب نفسه. لقد كرهه كثيرون، إلا أنهم لم يستطيعوا تجاهله، وبقيت خطبه محفوظة أكثر من خطب ولاة أعدل منه. فالخوف قد يصنع حضورا في الذاكرة أقوى من الرضا، والطاغية البليغ يترك في الوعي أثرا يتجاوز عدد ضحاياه، لأنه يمنح العنف لغة وشكلا وصوتا.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حصاره لمكة وإنهائه سلطة عبد الله بن الزبير سنة 73هـ. لم يكن الحجاج معاديا لقدسية مكة من حيث الاعتقاد، لكنه كان قادرا على تعليق أثر هذه القداسة عندما تعارضت مع المهمة السياسية. فقد أصبحت المدينة المقدسة في وعيه مركزا لسيادة منافسة، وبالتالي خضعت لمنطق الحسم. وتذكر المصادر استخدام المنجنيق وما لحق بمكة من أضرار، مع اختلافها في بعض التفاصيل والمسؤوليات الدقيقة (الطبري، 1387هـ، ج6؛ ابن الأثير، 1997، ج4). والأهم نفسيا وسياسيا أن الحجاج أظهر قدرة على الفصل بين الاعتراف الرمزي بالمقدس والاستعداد العملي لانتهاك حرمته إذا اقتضت مصلحة الدولة. هنا تظهر صلابته الأخلاقية بمعناها الخطير: لم يكن يتردد طويلا أمام التعارض بين الوسيلة والغاية، لأن الغاية، في نظره، تعيد تعريف الوسيلة وتبررها.
العنف بوصفه نظاما نفسيا وسياسيا
عندما تولى الحجاج العراق سنة 75هـ تقريبا، لم يواجه مجتمعا هادئا. كان العراق غنيا، كثيف الجند، متعدد القبائل، محملا بذاكرة الفتنة وكربلاء وثورة المختار وحركات الخوارج. وكانت الكوفة والبصرة مدينتين سياسيتين بالمعنى العميق؛ فقد اعتاد جنودهما مناقشة الولاة والامتناع عن الحملات والثورة إذا تعارضت أوامر المركز مع مصالحهم. لذلك كان الحجاج أمام تهديدات حقيقية، لا أوهام مصطنعة. لكنه لم يكتفِ بمحاربة التنظيمات المسلحة، بل عمّم منطق الحرب على المجال الاجتماعي كله، فصار الشك في الطاعة مدخلا إلى العقاب، وتقلصت المسافة بين المقاتل والناقد والمتردد.
هذه النقطة أساسية لفهم شخصيته. فالحجاج لم يكن يطمئن إلى الطاعة الجزئية أو المؤقتة؛ كان يريد طاعة مرئية، معلنة، لا تحتمل التأويل. ويمكن تفسير ذلك بوصفه “قلقا سلطويا” دائما: الحاكم الذي بنى مكانته على القدرة على الإخضاع يرى في كل تردد تهديدا لصورة القوة التي يقوم عليها وجوده السياسي. لذلك لا يستطيع ترك المعارضة في حدودها؛ بل يوسعها نفسيا حتى تصبح خطرا على النظام كله. وهنا يتحول الأمن من وظيفة إلى هاجس، ويصبح الخصم أكبر في خيال السلطة مما هو في الواقع.
وقد ساعدته العقوبات العلنية والخطب التهديدية وشبكة الولاة والعيون على تحويل الخوف إلى مؤسسة. فـ”مأسسة الخوف” لا تعني قتل الجميع، بل جعل احتمال العقاب حاضرا في وعي الجميع. عندئذ يراقب الفرد نفسه كما لو كانت السلطة تراه، ويصبح الانضباط نتيجة لتوقع العقوبة، لا لاقتناع بشرعية الأمر. وهذا يفسر كيف استطاع الحجاج فرض استقرار نسبي، من دون أن ينتج قبولا اجتماعيا حقيقيا. وبالتمييز الفيبري بين القوة والسلطة المشروعة، امتلك الحجاج قدرة واسعة على الإكراه، لكنه لم يحظَ في العراق بشرعية مجتمعية موازية؛ فقد استمد شرعيته من تفويض الخليفة، لا من اعتقاد المحكومين بعدالة حكمه (Weber, 1978).
وتجلت أزمة الشرعية في ثورة ابن الأشعث، التي بدأت بتمرد عسكري على حملة شاقة إلى سجستان، ثم اتسعت لتضم جندا وأشرافا وقراء وموالي. لم تكن الثورة حركة أخلاقية نقية؛ فقد تشابكت فيها المصالح القبلية والعسكرية والدينية، لكن اتساعها كشف أن قهر الحجاج لم ينتج اندماجا، بل راكم تحالفا واسعا ضده. ويرى هوتنج أن الثورة عبّرت عن مقاومة الجند العراقيين والأشراف لمحاولة الدولة إزاحتهم لمصلحة القوات السورية المرتبطة بالمركز(Hawting, 2000). وبعد هزيمتها في دير الجماجم ظهرت إحدى أخطر سمات حكم الحجاج: تحويل العصيان السياسي إلى اعتراف ديني بالذنب، بحيث لا يكتفي المستسلم بترك السلاح، بل يُطلب منه أن يعيد تعريف نفسه باعتباره خارجا على الطاعة والجماعة. هنا تحتكر الدولة العقاب وتحتكر تفسير العقاب في الوقت نفسه.
تكشف هذه السياسة أن الحجاج لم يكن يفصل بين الولاء للدولة والسلامة الدينية؛ فقد تحولت الطاعة السياسية في خطابه إلى معيار أخلاقي، بينما تحول التمرد إلى خروج يتجاوز السياسة. وهذا ما يمكن تسميته “التسييس السلطوي للدين”، حيث تستخدم السلطة مفردات الجماعة والفتنة والطاعة لنزع الشرعية عن الخصم. لم يعد الحاكم مجرد طرف في نزاع سياسي، بل أصبح ممثلا للنظام الديني نفسه، وبذلك غدا عقاب المعارض دفاعا عن الجماعة لا دفاعا عن موقع الحاكم فحسب.
أما مقتل سعيد بن جبير فقد أصبح أكثر وقائع دم الحجاج رسوخا في الذاكرة. صحيح أن الحوارات الطويلة المنسوبة إلى لقائهما تحمل أثر الصياغة الأدبية والوعظية، لكن أصل الواقعة ثابت في مصادر متعددة (الذهبي، 1985، ج4؛ ابن كثير، 1988، ج9). وتكشف الحادثة عن جانب نفسي آخر: صعوبة احتمال وجود سلطة رمزية مستقلة عن الحاكم. فسعيد لا يملك جيشا عند مقتله، لكنه يملك مكانة علمية وأخلاقية، وهذه المكانة تقاوم احتكار الحجاج للتعريف والشرعية. لذلك لم يكن قتله مجرد إزالة خصم سابق، بل كسرا لصوت يستطيع أن يبقى محترما خارج دائرة السلطة.
وتكتسب الواقعة معناها الأعمق من عجز الحجاج عن السيطرة على ذاكرة القتل. فقد استطاع إنهاء حياة سعيد، لكنه لم يستطع فرض تفسيره لموته. انتقلت الحادثة في كتب التراجم بوصفها انتصارا أخلاقيا للعالم الأعزل وإدانة للحاكم المنتصر ماديا. وهنا تظهر حدود العنف السياسي: يمكن للسلطة أن تتحكم في الجسد، لكنها لا تضمن التحكم في الذاكرة، وقد يتحول العقاب الذي أريد له أن يثبت قوة الحاكم إلى شهادة تاريخية على خوفه من الكلمة.
ينبغي، مع ذلك، عدم التسليم بكل الأرقام والحكايات المنسوبة إلى ضحايا الحجاج؛ فالطبري وغيره نقلوا روايات متعددة، وكُتبت المدونات الكبرى بعد العصر الأموي، كما أن السرد العباسي والأدب الوعظي أسهما في تضخيم صورة الطاغية. لكن نقد الأرقام لا يبرئ السياسة. فالمبالغة في بعض التفاصيل يمكن أن تجاور حقيقة العنف المنظم، لا أن تنفيها. ومن المغالطة أن يبدأ الدفاع عنه بإسقاط رقم غير موثوق، ثم ينتهي إلى إنكار القمع كله. فالاختلاف حول عدد القتلى لا يغير طبيعة النظام الذي جعل العقوبة أداة مركزية لإدارة المجتمع.
البناء المؤسسي: الوجه الآخر للدم
لم يكن الحجاج سفاحا عاجزا عن البناء؛ وهنا تكمن خطورته التاريخية. فقد أسهم في تعزيز قدرة الدولة على الجباية والتجنيد والإدارة، وربط العراق بالمركز، ودعم الفتوحات شرقا، وإنشاء مدينة واسط قاعدة للقوات السورية ومركزا للحكم. ولم تكن واسط مجرد مدينة؛ كانت هندسة مكانية للسلطة. فمن خلالها فصل الحجاج قوته العسكرية عن الكوفة والبصرة، وحافظ على ولاء الجند للمركز، وقلل اعتماد الدولة على القوات العراقية المتقلبة (Hawting, 2000, pp. 66–67). وهكذا بُني المكان نفسه على أساس الشك: مدينة جديدة لأن المدن القديمة لا يُوثق بها، وجيش منفصل لأن المجتمع المحلي لا يُطمأن إليه.
وتجسد واسط المفارقة الأوضح في شخصيته: القدرة التنظيمية الممتازة التي يحركها انعدام الثقة. فهو يفهم الإدارة، لكنه يبنيها على افتراض أن المجتمع خصم محتمل؛ ويعرف قيمة المؤسسة، لكنه يصممها لتقليل التفاوض لا لتوسيعه. ولذلك يمكن وصف تجربته بـ”الاستبداد المؤسِّس”: استبداد لا يكتفي بالدفاع عن جهاز قائم، بل يخلق مؤسسات أكثر فعالية في الجباية والضبط والحركة العسكرية. غير أن تأسيس القدرة لا يساوي تأسيس الشرعية. فقد جعل الدولة أقدر على الوصول إلى المجتمع، لكنه لم يجعلها أقرب إليه.
وتظهر هذه المفارقة كذلك في سياساته المالية. كان العراق أساسا مهما للخراج، وكانت هجرة الفلاحين والموالي إلى المدن تهدد الإنتاج والإيرادات، فأعاد الحجاج كثيرين إلى الأراضي وأصر على التزاماتهم المالية. من منظور الخزانة كان ذلك انتظاما؛ ومن منظور الأفراد كان إكراها يحد من الحركة والاندماج. وهنا تبرز ملامح “الدولة الجبائية العسكرية” التي تجمع الضرائب لتمويل الجيش، وتستخدم الجيش لضمان تحصيل الضرائب. وقد مثّل الحجاج الرابط الصارم بين المال والقوة، حتى حين تعارض ذلك مع تطلعات الموالي إلى المساواة داخل المجتمع الإسلامي (Hawting, 2000).
ويمكن الاستفادة بحذر من تصور تشارلز تيلي للصلة بين الحرب والإكراه واستخراج الموارد وبناء قدرة الدولة؛ فالحرب تدفع السلطة إلى تطوير الجباية والجند، ثم تمنحها هذه الأجهزة قدرة أكبر على إخضاع المجتمع (Tilly, 1992). غير أن نموذج تيلي وُضع أساسا لتفسير التجربة الأوروبية الحديثة، ولذلك لا يصح إسقاطه آليا على الدولة الأموية. وما يهم هنا هو الفكرة المقارنة: أن ارتفاع قدرة الدولة قد يتحقق من دون ارتفاع مماثل في شرعيتها، بل قد تكون زيادة القدرة نفسها سببا في اتساع شعور المجتمع بالاغتراب عنها.
كما ارتبط عهد الحجاج بالتعريب والإصلاح النقدي وبعض إجراءات ضبط المصاحف والكتابة. لكن الموضوعية تقتضي عدم تحويله إلى المؤسس المنفرد لهذه العمليات؛ فقد كانت تدريجية وشارك فيها كتّاب وقراء ولغويون، كما ارتبطت بمشروع عبد الملك المرواني الأوسع. ومع ذلك، لا يصح إنكار دوره في رعاية التوحيد الإداري والرمزي للدولة. فاللغة الرسمية والنقد الموحد والمصحف المضبوط أدوات سيادة بقدر ما هي أدوات ثقافة، وقد أدرك الحجاج أن الإمبراطورية لا تُحكم بالسيف وحده، بل بالوثيقة والرمز والمعيار.
ودعم الحجاج كذلك قتيبة بن مسلم في خراسان وما وراء النهر، ومحمد بن القاسم في السند. وقد وسعت هذه الحملات المجال السياسي الإسلامي ومهدت، على المدى الطويل، لانتشار الإسلام، لكنها لم تكن دعوة دينية خالصة؛ فقد تداخلت فيها اعتبارات الأمن والغنيمة والضرائب وإبعاد الجند العراقيين عن مراكز التوتر (Donner, 1981; Kennedy, 2001). لذلك كان الحجاج خادما لتوسع الدولة بوضوح، أما خدمته للإسلام فتحتاج إلى تمييز: لقد قوّى دولة حكمت باسم الإسلام وفتح مجالا تاريخيا لانتشاره، لكنه لم يجسد دائما قيم العدل والرحمة التي تمنح الحكم الإسلامي معناه الأخلاقي.
وهنا تظهر ضرورة الفصل بين الإسلام بوصفه منظومة قيم، والدولة الإسلامية بوصفها بناء سياسيا تاريخيا، والدولة الأموية بوصفها سلطة أسرية لها مصالحها وصراعاتها. لقد خدم الحجاج الدولة الأموية بصورة مباشرة، وأسهم في تقوية المجال السياسي الإسلامي بصورة غير مباشرة، لكن ذلك لا يجعل كل أفعاله خدمة للدين. فالانتصار لسلطة مسلمة لا يحول وسائلها تلقائيا إلى وسائل عادلة، واتساع رقعة الحكم لا يعني بالضرورة اتساع رقعة العدالة.
ومن الناحية النفسية، تكشف إنجازاته عن عقل منظم شديد الميل إلى الترتيب الهرمي. كان يعرف كيف يختار القادة، ويوزع القوة، وينقل الجند، ويخلق مراكز جديدة، ويحول اللغة والجباية إلى أدوات سيادة. لكنه كان يفتقر إلى الثقة بقدرة المجتمع على التنظيم من دون قهر؛ لذلك أصبحت المؤسسة عنده امتدادا لإرادته، لا وسيطا يحد منها. وهذه هي المفارقة: كان مؤسسيا في البناء، شخصانيا في السيطرة. بنى أجهزة للدولة، لكنه صبغها بطبيعته، حتى غدا انتظامها مرتبطا بحضوره وخوف الناس منه.
خاتمة: رجل الدولة الذي هزم المجتمع ولم يكسبه
لا يمكن رد الحجاج إلى صورة واحدة. فقد كان بالغ الذكاء التنفيذي، قوي الذاكرة، سريع البديهة، فصيحا، قادرا على اكتشاف الرجال وتوظيفهم، وصاحب رؤية واضحة لمعنى الدولة المركزية. وفي المقابل كان شديد الحساسية تجاه العصيان، قليل الاحتمال للاعتراض، ميالا إلى تضخيم الخطر، ومقتنعا بأن الخوف أكثر موثوقية من الرضا. وقد صنعت هذه السمات إنجازاته وجرائمه معا؛ فاليد التي بنت واسط هي نفسها التي أحكمت السجن، والعقل الذي نظم الخراج هو نفسه الذي صنف المجتمع إلى مطيع ومشبوه، واللسان الذي صاغ خطاب الدولة هو نفسه الذي جعل التهديد جزءا من البلاغة السياسية.
لذلك لا يصح القول إن إنجازاته “تعادل” دمويته، فالإدارة والدم لا يوضعان في ميزان حسابي واحد. الإنجاز يثبت الكفاءة، لكنه لا يثبت العدالة. كما لا يصح إنكار إنجازاته لأن صورته الأخلاقية سوداء؛ فالاستبداد قد يكون فعالا، وأخطر الطغاة ليسوا العاجزين، بل القادرون على بناء أجهزة ناجحة في خدمة القهر.
كان الحجاج خادما عظيما للدولة الأموية، لكنه لم يكن بالقدر نفسه خادما لمجتمعها. لقد أخضع العراق، ولم يصالح العراقيين مع الحكم؛ نظم الموارد، ولم يحقق المساواة؛ وسع حدود الدولة، ولم يوسع حدود الرحمة؛ وأرسى النظام، لكنه جعل الخوف شرطا لاستمراره. ومن ثم يمكن اعتباره رجل دولة كبيرا بالمعنى التقني، ورجل عدالة صغيرا بالمعنى الأخلاقي.
والحقيقة الأشد دلالة أن الدولة التي احتاجت إلى الحجاج كي تستقر كشفت بقوته ضعفها: كانت قادرة على الانتصار، لكنها عاجزة عن إنتاج الطاعة من دون تهديد. أما الحجاج نفسه، فقد انتصر على خصومه في حياته، لكنه خسر معركة الذاكرة. بقيت واسط أثرا من آثار بنائه، وبقيت الفتوحات جزءا من تاريخ التوسع، غير أن اسمه ظل مرتبطا بالدم أكثر من ارتباطه بالعمران. ذلك لأن المجتمعات قد تنسى تفاصيل الجباية، لكنها لا تنسى الحاكم الذي جعلها تخاف من الدولة.
