تتجه الأنظار عادة مع بداية العام الدراسي إلى اللحظة التي يطأ فيها الطفل عتبة الصف لأول مرة في مسيرته التعليمية، وتعيش كثير من الأسر حالة من الترقب والقلق بشأن مدى استعداد أطفالهم لتقبل المناهج والاندماج في البيئة الجديدة. إلا أن الواقع التربوي سبق هذه الخطوات الأولى من خلال الحصيلة التي يحملها الطفل قبل ولوجه للمدرسة بوقت طويل.

 السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في الأوساط التربوية : كيف تتحول تلك الخبرات المبكرة التي حملها الطفل من بيئته الأسرية إلى عوامل إيجابية وفعالة  تساهم في إنجاح رحلته التعليمية؟

سنسعى في هذه المقالة إلى تقديم قراءة تجمع بين الاستنتاج العملي والخلاصة المستمدة من الأدبيات التربوية والاجتماعية والنفسية، وتطرح فكرة بناء الرصيد التربوي للطفل بهدف الربط بين أدوار الأسرة والمدرسة وتفعيل الخبرات السابقة للطفل، بما يشمل السياقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للأسرة.

تتأثر سياسات الإصلاح التعليمي غالبا باللحظة التي تحدد فيها نقطة بدء التعلم النظامي، وعندما ينطلق التحليل من لحظة دخول الطفل المدرسة فقط نقع في خطأ يتمثل في إهمال سنوات من الخبرات النمائية، والعلائقية، واللغوية التي تشكلت مسبقا في كنف الأسرة.

ولتقريب الصورة أكثر، لنتخيل طفلين يقفان في اليوم الدراسي الأول ولنفترض أن كليهما يعرفان عددا متقاربا من الحروف والأرقام، ويمتلكان حصيلة لغوية متشابهة، لكن عندما تواجههما معضلة جديدة، يرفع أحدهما يده ليسأل ويفهم، بينما يلوذ الآخر بالصمت، أو ينسحب من الصف. ويتضح عمليا الفارق بين الطفلين وما تعلمه كل طفل خلال سنواته الخمس الأولى عن طبيعة العلاقة مع الكبار والثقة في طرح سؤال عند الحاجة ويظهر للمدرسة جانب من تاريخ الطفل النمائي والثقافي.

إذا قمنا بتسليط الضوء على أبحاث “اللدونة النمائية” وعلوم الدماغ [1]، سنكتشف كيف يتمتع الدماغ في سنوات الطفولة الأولى بقدرة هائلة على التكيف مع الخبرات الجديدة. وعلى هذا الأساس يمكن من خلال توثيق علاقة الطالب بالمعلم وتوفير بيئة صفية داعمة ، أن تبنى وشائج الثقة الجديدة، مما يتيح الفرصة لاكتشاف قدرات ومواهب كانت محجوبة أو معطلة بسبب ظروف بيئته الأولى.

الاستعداد المدرسي

تطرقت الأدبيات التربوية والنفسية إلى أهمية الاستعداد والتأهيل المدرسي للطفل، إلا أن المشكلة ظهرت في اختزال هذا المبدأ واستعماله معيارا لقبول الأطفال في المدرسة أو إقصائهم بحجة عدم الجاهزية [10]، وتحول هذا المفهوم من وسيلة داعمة وموجهة للسياسات التعليمية، إلى ذريعة لتهرب المنظومة التعليمية من الإخفاق، وإلقاء المسؤولية كاملة على كاهل الطفل الصغير وأسرته. ويأتي الرصيد التربوي من باب المقاربة لتفسير مصادر الاستعداد المدرسي الذي يستند إلى ما يعرف بـ “الممارسات القريبة” وهي جملة من التفاعلات اليومية مثل النقاشات الشيقة، والقراءة التفاعلية، وترسيخ انتظام الروتين المدرسي.

ويتشكل هذا الرصيد التربوي مما اصطلح على تسميته بـ “الموارد الوظيفية الحية” أي المهارات والطباع التي تشربها الطفل وأصبحت جزءا من شخصيته مثل قدرته على التركيز، وجرأته في سؤال المعلم دون خوف، ومرونته في التعامل مع انفعالاته، هذه الأدوات هي التي تمكنه من تحويل أي فرصة تعلم تمر أمامه إلى إنجاز وفهم حقيقي. وقد تتوفر لبعض الأسر ثروات مادية كالدخل المرتفع أو مستوى تعليم الوالدين، أو وفرة في المصادر المعرفية، غيرأن هذه الموارد لا تشكل فارقا في حياة الطفل ما لم تفعل عبر التفاعل البشري الحي.

تبلورت فكرة الرصيد التربوي نتيجة لاستقراء الواقع الميداني وتقاطعها مع مفاهيم ونظريات أعيد قراءتها لتفسير الواقع التربوي المعاصر:

رأس المال الثقافي : يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المدرسة والمؤسسات التعليمية تميل إلى تفضيل أساليب ولغات وسلوكيات معينة وتراها المعيار الوحيد للنجاح، وبالتالي تهمش وتتجاهل طرقاً أخرى في التعلم والتفكير [2]. ويستنتج من ذلك أنه لا يكفي امتلاك الطفل لموارد راقية، إنما العبرة في النجاح بتوظيف هذه الموارد وكيفية استخدامها للتواصل وإظهار شغفه بالتعلم.

نهج القدرات :  يفرق عالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي أمارتيا سن بين توفر المورد وبين القدرة الفعلية على استخدامه [3]. بحيث لا يضمن توفر الكتاب في المنزل بحصول الفائدة التعليمية تلقائيا، وإنما يحتاج الطفل إلى قدرة لغوية ومهارات القراءة للاستفادة من هذه المورد.

العمليات القريبة والتطور البيئي : استنادا إلى نظرية الأنظمة البيئية ليوري برونفنبرنر [4]، يتشكل نمو الطفل عبر تفاعله المستمر مع سياقاته المحيطة حيث تعد “العمليات القريبة” المتمثلة في التفاعلات اليومية البسيطة والمتكررة مثل القراءة التفاعلية، الحوار أثناء اللعب مع الوالدين  أو تناول الطعام معا المحرك الأساسي لهذا التطور، وتعمل هذه المواقف المباشرة والتفاعلات الحية عمل الوسيط الناقل لهذه الخبرات البيئية إلى داخل البناء المعرفي للطفل.

أرصدة المعرفة : يفيد المنظور الاجتماعي- الثقافي للباحث التربوي الأمريكي لويس مول وفريقه من الباحثين والمعلمين وعلماء الأنثروبولوجيا الذين تعاونوا معه [5]، أن العوائل تمتلك ثروة من أرصدة المعرفة العملية والمتراكمة مثل الحرف اليدوية والزراعة والتجارة، ويهدف هذا النهج إلى بناء روابط وثيقة بين البيئة المنزلية والصف الدراسي من أجل توظيف هذه الخبرات في التعليم، وهذا يوضح  أن انخفاض مستوى الأداء الدراسي لدى الطفل قد يقع بسبب الانفصال بين لغة المؤسسة التعليمية والتاريخ المعرفي لبيئته، مما يستوجب استثمار هذه الأرصدة المعرفية لتعزيز نجاحه وجعل التعلم متصلا بهويته وتاريخ عائلته.

علوم النمو المبكر:  توضح أبحاث جامعة هارفارد في علوم نمو الدماغ أن التواصل الإيجابي والمتبادل مع الطفل بأسلوب الأخذ والعطاء يشكل عامل أساسيا في بناء شبكاته العصبية وتطوير لغته ومهاراته بينما يؤدي تعرض الطفل للتوتر الشديد والمستمر إلى إرباك هذا التطور وإعاقة مسار نموه الطبيعي [1].

5 أركان للرصيد التربوي

تتشارك خمسة أركان في دعم اندماج الطفل بمسيرة التعليم:

  1. الأمان العلاقي أو الأمان العاطفي: القاعدة الآمنة التي تمنح الطفل الجرأة على الاستكشاف والمحاولة دون خوف من الفشل أو السخرية. وتدعم الدراسات الحديثة هذا الطرح بالإشارة إلى أن أساليب المعاملة الوالدية الديمقراطية والداعمة ترتبط عكسيا بقلق الانفصال عند انتقال الطفل لبيئات جديدة كالمدرسة [6].
  • الكفاءة اللغوية والتواصلية: ولا تتوقف هذه الكفاءة عند التعرف الآلي على الحروف والأصوات، بل تمتد أعمق من ذلك لتشمل: فهم الخطاب، وصياغة الحاجة، وانتظار الدور في الحديث، والمشاركة الفاعلة في الحوار مع الأقران والراشدين.
  • الوظائف التنفيذية وقدرات التنظيم الذاتي: وتشمل الذاكرة العاملة، والمرونة المعرفية، والقدرة على كبح الاندفاع وهي بمثابة برج المراقبة في الدماغ، وتمكن الطفل من تنظيم انتباهه، وتوجيه سلوكه وانفعاله بعيدا عن المشتتات الصفية.
  • الدافعية والمثابرة: وتضم فضول الاكتشاف، والمبادرة الذاتية، ورؤية معنى حقيقي للمهمة المطلوبة، وهو ما يشكل درعا يحمي الطفل من الانسحاب والشعور بالعجز عند مواجهة التحديات الأكاديمية الأولى.
  • الكفاءة الاجتماعية والانفعالية: تشمل القدرة على التعاطف، وفهم مشاعر الآخرين، والتعاون، وحل الخلافات بهدوء. ولا تعني هذه الكفاءة بأي حال من الأحوال الامتثال السلبي أو الطاعة العمياء بدافع الخوف من السلطة المدرسية.

بوصلة القيم التربوية من تراثنا الإسلامي

وتكتمل هذه الأركان بتحديد بوصلة القيم والمستمدة من التراث الإسلامي بدءا من الحديث النبوي الشريف: “كل مولود يولد على الفطرة… [7] والذي يؤكد على وقوع المسؤولية الأولى على كاهل الأسرة في التوجيه والرعاية. وفي السياق ذاته، نبه الإمام الغزالي إلى عظم مسؤولية المربي في “رياضة الصبيان” بالرفق والحكمة [8]. كذلك وضع العلامة ابن خلدون قاعدة ذهبية حذر فيه من الآثار المدمرة للشدة على المتعلمين قائلا: “من كان مرباه بالعسف والقـهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القـهر وضيق على النفس في انبساطها”، مؤكدا أن ذلك يفسد المبادرة ويدفع للكسل والكذب [9].

الدور المدرسي

تلعب المدرسة دورا حاسما في كشف القدرات عبر الملاحظة الواعية، وتنميتها من خلال بناء علاقات مستقرة مع المعلم. تبحث المدرسة العادلة عن الحواجز التي تمنع الطفل من استخدام رصيده الفعلي عوضا عن معاقبته عما ينقصه. ويتطلب التقييم والقياس حذرا منهجيا عند استخدام وسائل مثل مؤشر النمو المبكر لتوجيه السياسات العامة ورصد جاهزية المجتمعات [10]، مع وجوب الابتعاد تماما عن تشخيص الأفراد أو إصدار أحكام إقصائية مبكرة بحق الأطفال.

يضع استنتاج عدم تحول الموارد تلقائيا إلى قدرات المسؤولية الكبرى على الممارسة التربوية وصناع السياسات العامة عبر ثلاثة مستويات :

  1. رؤية المعلم : يتمثل المستوى الأول في تفعيل المعلم لدور الممارس المتأمل كما صاغه دونالد شون [11]. ويتطلب ذلك من المعلم ألا يكون منفذا للمنهج فحسب، وإنما باحثا يتأمل ممارساته، ويعيد تفسير سلوك الطفل المشاغب أو المنسحب في ضوء حاجته الماسة للأمان وسياقه المحيط، عوضا عن تطبيق قوالب جاهزة من العقاب.
  2. الشراكة الوالدية : يرتكز المستوى الثاني على تجنب الخطابات الفوقية التي تحمل الأسر ذات الموارد المحدودة المسؤولية الكاملة عن الفجوات التعليمية، والشراكة الحقيقية تعني  تبادل المعرفة وبناء برامج دعم مجتمعي تقدم للآباء ممارسات يومية بسيطة وقابلة للتنفيذ، مثل استراتيجيات القراءة التفاعلية، وبناء الروتين المنزلي المطمئن.
  3. الاستثمار المبكر : توضح أدبيات اقتصاديات الطفولة وخاصة أبحاث جيمس هيكمان الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد، أهمية التكامل بين الاستثمار في المدخلات المبكرة والتعلم اللاحق [12]، ويوجه هذا الطرح بوصلة الاستثمار نحو تحسين جودة التفاعل وبناء قدرات المعلمين وتعزيز الشراكة مع الأسرة، جنبا إلى جنب مع الإنفاق على البنية التحتية المادية للمدارس، نظرا لأن العائد الاقتصادي والاجتماعي للتدخل المبكر يفوق أي مرحلة عمرية أخرى.