معرفة الحديث الضعيف من الأمور المهمة لكل مسلم لما لها من آثار كبيرة في صحة العقيدة والعبادة، ومن باب تنمية الوعي الشرعي يحسن ذكر ركائز عشرة يجب معرفتها عن الحديث الضعيف، لأن المسلم مؤتمن على ما ينقل وخاصة إذا كان النقل متعلق بالحديث النبوي فيجب توخي الحذر في نشره والتأكد من صحته.
وركائز هذا الباب نلخصها فيما يلي:
1. الركيزة الأولى: معنى “حديث ضعيف”
مقصود المحدثين من قولهم:” حديث ضعيف” يعني فقدان الحديث شرطًا من شروط القبول وخاصة من جهة الضبط، ولا يقتضي وصف الحديث بضعف أن يكون كذلك في الواقع جزما بأن النبي ﷺ لم يقله؛ وإنما الحكم على غلبة الظن وعلى ظاهر الحال، لأننا مكلفين بالحكم على الظاهر والله عليم بحقيقة الأمر، وإلا قد يضبط الراوي الضعيف ويصيب أحيانا، إذ كل بشر يصيب ويخطئ ولكن حُكم عليه بالضعف لعدم اطمئنان القلب إلى رواياته بسبب غلبة الخطأ عليه.
- كيف تُروى الأحاديث الضعيفة؟ من روى الحديث الضعيف من النصيحة أن يبين ضعفه؛ أو يستخدم صيغة تمريض مثل: روي يُروى، يُحكى.
2. الركيزة الثانية: “الضعيف درجات”
لم يكن الحديث الضعيف على سواء في الميزان بل أنواع متفاوتة، وقد بلغت أقسامه عند ابن حبان إلى خمسين قسماً إلا واحدا، وحصر ابن حجر سبب رد الحديث في سببين: إما بسبب سقط في السند كالمعلق، والمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمدلس، أو بسبب طعن في عدالة الراوي كالموضوع، والمتروك، والمنكر، والمعل، ومن هذه الأنواع ما ضعفه خفيف كحديث مرسل الذي في سنده انقطاع يسير أو سوء الحفظ، ومنه شديد الضعف كالوهم والشذوذ.
3. الركيزة الثالثة: “ليس كل ضعيف ينجبر”
من الحديث الضعيف ما يكون صالحا وقابلا لأن ينجبر ويصبح حسنًا أو حسن لغيره، ومنه ما يكون وجوده كالعدم وليس له سبيلا للتقوية أبدا.
- فأما الحديث الضعيف الذي ينجبر: هو ما كان من قبيل الطعن في الضبط أو عدم اتصال السند، مثل: (رواية سيئ الحفظ، رواية المختلط إذا لم يتميز حديثه، رواية المجهول، رواية المدلس إذا لم يُعرف المحذوف، المرسل). فإذا وجدت معضدات أخرى لهذه الأنواع من شواهد ومتابعات من طريق آخر معتبر، تقوّت وارتقت إلى الحسن لغيره.
- وأما الحديث الضعيف الذي لا ينجبر: ولا ينظر إليه ألبتة هو ما كان سبب الطعن فيه من قبيل العدالة أو الوهم أو الخطأ، مثل حديث: (الموضوع، المتروك، المنكر، ما كان شديد الضعف). لن تنهض هذه الأنواع مهما تعددت طرقها وكثرت، ولذا اتفق أهل العلم بالحديث جميعًا على ردها مطلقا.
4. الركيزة الرابعة: “صحة السند لا تعني صحة المتن”
ليس كل سند صحيح يدل على صحة المتن فلا تلازم بين الإسناد والمتن، وقد يصح الإسناد ويضعف المتن لعلة فيه، ولذا ترد في عباراتهم أحيانا للتعبير عن هذا المعنى مثل قولهم: هذا حديث إسناده صحيح، أو رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح ونحوها، وقد يضعف الإسناد ويصح المتن لوروده من طرق أخرى صحيحة، لذلك يقال أحيانا: هذا الإسناد ضعيف، ولا يعنى أن متنه ضعيف بطبيعة الحال بل لا بد من التأكد من عدم وجود طرق صحيحة أخرى.
5. الركيزة الخامسة: “يحكم على المتن بأقوى أسانيده”
إن الحكم على الحديث من حيث القبول مبني على أصح أسانيده، ويُقوَّى بتعدد طرقه، فمتى وجد إسناد صحيح حكم بالصحة، وإذا لم يوجد إلا الحسن مع ما يعضده ارتقى إلى الصحيح لغيره، وبعبارة أخرى: وإذا ورد حديث بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن فالحكم يكون بالصحة، أو أحدهما حسن والآخر ضعيف فالحكم يكون بالحسن وهكذا، والحكم يكون دائمًا للأقوى لا غير.
- الإسناد يُحكم عليه بأضعف رواته: السند كالسلسلة المتصلة، إذا انكسرت حلقة واحدة منها انكسرت السلسلة كلها، فالحكم على الإسناد المنفرد يكون باعتبار أضعف رواته؛ لأن صحة الحديث لا تتم إلا باجتماع شروط القبول في جميع رجال السند من حيث الاتصال والعدالة والضبط من البداية إلى النهاية، فإذا وُجد فيهم راو ضعيف اختلّ الشرط، فحُكم على الإسناد بالضعف.
6. الركيزة السادسة: “إفادة تلقي الأمة الحديث الضعيف بالقبول”
يدخل الحديث الضعيف في حيز القبول إذا تلقته الأمة بالعمل ولا يلزم البحث عن سنده اكتفاء بشهرته بين أهل العلم دون نكير، وقال ابن الوزير:” وقد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول” وقال ابن القيم عن الحديث الضعيف ” فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف في العمل به . بل أوصله بعضهم إلى مرتبة المتواتر، وذهب ابن حجر إلى وجوب العمل بمثل هذا النوع من الحديث، وقد نقل كل من الإمام ابن المنذر والنووي وغيرهما الاتفاق على ضعف زيادة ” إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه” من حديث ” الماء طهور لا ينجسه شيء” ثم نقل الإمام النووي تلقي العلماء العمل به بالقبول.
7. الركيزة السابعة: “التفريق بين الحكم بضعف الحديث وبين العمل بمضمونه”
رب حديث ضعيف مردود لكن معناه مقبول لاعتبارات أخرى: إما من أجل موافقتها لآية، أو للإجماع، أو للقواعد الكلية في الشريعة أو مقاصدها، فيكون العمل على ذلك الحديث الضعيف لأصل خارج عنه، مع بقائه على ضعفه وعدم نسبته إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكثير ما يحكم الإمام الترمذي على الحديث بضعف ثم يقول عقبه:” والعمل عليه عند أهل العلم” ولا يعني هذا تقوية الحديث أو تعضيده بمجرد العمل به كما تقرر في علم الحديث، قد يأتي قيام العمل بمقتضاه من حيثيات أخرى كما سبق.
8. الركيزة الثامنة: “لا يُحتج بالحديث الضعيف في الأصول”
لا يعتمد على الحديث الضعيف في أمر من أمور الغيب أو أصل من أصول الدين، وإن تساهل بعض أهل العلم في الأخذ به في فضائل الأعمال، فلا يصلح ذلك في مسائل العقائد والأحكام، ومثلا: لا نثبت لله صفة من صفاته جراء حديث فيه ضعف أو احتمال الضعف بل لا بد من وجود نص من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الصحيح يثبته. وقد ثبت عن عبد الرحمن بن مهدي وغيره من الأئمة الأثبات قولهم:” إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال. وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال”.
9. الركيزة التاسعة: “وجود كذاب في السند لا يعني الوضع”
يمنع التسرع في الحكم على الحديث بالوضع لمجرد وجود وضاع في سنده ما لم تكن هناك قرائن ودلائل تشير إليه، فقد يكون للمتن طريق آخر ثابت مقبول، وعليه فلا يُقطع دائما بوضع الحديث بسبب اشتمال إسناده على من رمي بالوضع أو الكذب، وهو مع ذلك لا يرتفع سند الحديث عن حال شديد الضعف لاشتماله على من اتهم في عدالته.
10. الركيزة العاشرة: “ممنوع رواية الحديث الموضوع”
لا تحل رواية الموضوع في باب من الأبواب، سواء في الحلال والحرام أو الفضائل، أو القصص أو السير أو التاريخ، ويحرم فعل ذلك، ومن ارتكب فعله متعمدا فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ودخل في زمرة الكذابين، وموعود بوعيد النار، بل حكم عليه بعضهم بالكفر، إلا أنه يجوز ذكر الحديث الموضوع أو روايته في حالة واحدة وهي في حالة النصيحة وبيان وضعه والتحذير منه والنهي عن نشره.
