لا أجدني خجولًا ولا متورايًا وأنا أصدّر مقالي بهذا العنوان الذي يبدو صادمًا لكثيرين لاسيما أقراني الذين يَخبُرونني
ومع قد يبدو من الدهشة أسوق كلامي غير عابئ بما قد يصل للقارئ ابتداء وكلي أمل أن ينسجم معي حتى نصل سويا لمرمى ما أكتب..
اعتراف..!!
ولأن هذه الدنيا – وإن طالت – قصيرة ، وإن عظمت حقيرة فليس بمقدوري والحال هذه أن أتوارى أكثر من ذلك أو أتجمل ولسان حالي:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ · وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
من هنا آثرت الوضوح الذي هو بمثابة اعتراف لوقوعي في هذه العلاقة الحميمة لمرات كثيرة ومع ما شعرت به حيالها كل مرة من متعة أخّاذة تحاملت فيها على جسدي الهزيل وواصلت طريقي لأخذ جرعات أكثر منها.
أحيانا كثيرة جسدي يهزُل وربما أصابني إعياء وزهدت الطعام وزارني دوار، ولازمني صداع لكن شيئا من المتعة يغلب كل هذا وينسيني آلامي ويدفعني للمزيد.
لا أعلم بالضبط متى أنتهي، لكن الثابت الوحيد أنني لا أريد الإقلاع..!
أنا شخص واحد، بينما الطرف الآخر متعدد. نعم أعترف فكل مرة لها مذاقها الخاص الذي يأخذ بلبي ويحجمني عن التفكير في الابتعاد.
أكاد أجزم مع كل مرة أنتهي منها أني أريد التخفف على أقل تقدير بل أحمل نفسي –أحيانا- على هذا بفرض عقوبات لاسيما بعد ضعف نظري الذي خلفته هذه العلاقات لكنني أضعف وأعاود الكرة مرات ومرات..!!
ها قد وصلت لاتفاق أظنه يحقق توازنًا بين جسدي وروحي بأن تكون (العلاقة الحميمة) متوازنة مع قواي حتى لا أذبل، وقد ذبلت.
علاقات متعددة..!!
وبعد هذه المقدمة التي لا أظن قارئي غفا أو سها عن كلمة منها أحمله وبنفس التركيز أن يكمل معي تفاصيل علاقاتي، وأنا عازم في السطور القادمة أن أذكر الأطراف الأخرى التي أقمت معها علاقاتي بوسمها واسمها، فلربما يعذرني القريب ويدعو لي البعيد.
(العلاقة الحميمة).. مصطلح ناله من التهمة وسوء السمعة ما نال كثيرا من المصطلحات التي أسيء استعمالها وقصروا دلالتها على حقول دلالية بعينها دون أخرى.. والسؤال: ما ذنب الكلمات، وما جريمة المفردات والمصطلحات؟.. هل هي تحمل في ذاتها “دلالة سوداء” لنتوارى من ذكرها؟ الإجابة بالنفي. إذا لماذا نساير هذا التيار المفروض على لغتنا، والمرفوض في ثقافتنا؟
لماذا لا نسعى لاستعادة دلالات الألفاظ التي اختزلت عمدا، وردها لحقولها الدلالية المتعددة؟
إن الأزمة -التي يهمشها البعض- تمثل اتجاها خطيرا في توليد دلالات خاطئة وإضافة دلالات غير متكافئة مع الألفاظ مثل هذا المصطلح الذي نحن بصدده (العلاقة الحميمة) فهي ليست قاصرة عليه.
لكنها في مئات الكلمات التي ظلمناها طواعية فتجمدت معانيها حتى صرنا نتهامس عند ذكرها ونلتفت يمنة ويسرة حال النطق بها.

ظلمنا ها عمدًا، وليتنا وقفنا عند هذا الحد لكننا رحنا نغتصب دلالات أخرى لمفرادت ثانية وألصقناها بها لتصير الأزمة متراكبة ومعقدة أركانها: اختزال الدلالة ، واغتصاب المفاهيم. فالاختزال يعني قصر أحد المعاني على لفظ وتجاهل باقي دلالته اللغوية، بينما الاغتصاب وهو جريمة لا تقل شناعة عن سابقتها بأن ننسب للفظ ما ليس له من دلالات عنوة دونما اكتراث وكأننا نحن والسياق حاكمان على الدلالات الأصلية والمولّدة.
نحن إذًا أمام كارثة لغوية فشت منذ سنين لم ينتبه لها كثيرون حتى ممن ينشغلون بالدراسات اللسانية والنصية..!
المصطلحات الحارقة
وقد أشرت لهذه المشكلة منذ ما يقرب من عشر سنوات في مقال لي حمل عنوان: (المصطلحات الحارقة) فلم يسلم من التدخلات والتعديلات التي طالت حتى العنوان مما زاد في وصفي من “تأزيم الأزمة” إذلم ينتبه المعدّلون للمرمى الذي أقصده وبسرعة تحركت سهام أقلامهم يحذفون ويعدّلون ليختزلوا المعاني ويغتصبوا الدلالات دونما اكتراث بحرمة ما وقعوا فيه من “جناية” على اللفظ وكاتبه؛ إذ صارت اللغة كلأ مستباحًا.
وأنا هنا لا أعيب على هؤلاء صنيعهم بقدر ما أنبه من جديد على حقوق المعاني للألفاظ وأنه ليس من شأن أحد التدخل فيها بهذه الطريقة إلا لمتمرس يعرف فنون الكلام وكيف يصاغ.
والحُرمة التي ارتكبوها لا تقل -في نظري- عن حرمات أصحاب الذنوب والمعاصي لأنها تؤدي إليها بطريق مباشرة وغير مباشرة فما اختزال دلالات ألفاظ القرآن والسنة ومفردات العلماء واصطلاحاتهم والتأويلات الشاذة للنصوص وتطويعها حسب الهوى إلا صورة من صور هذه الأزمة المحدقة ما نتج عنها فتاوى شاذة وآراء فاسدة.
عودٌ على بدء
أعود بك قارئي الكريم سريعا لـ (العلاقة الحميمة) لأكشف اللثام عن كثير من الحقائق التي ارتكبتها -وما زلت- ولا أظنني أتوارى بعدما حملتك حملا على إدراك الحقيقة الغائبة أن: “المصطلحات لها دلالات متعددة ، وأن فهمك ليس هو الحاكم الوحيد على اللفظ”.
أعود فأسأل: لماذ يشكو بعض المصلين من إطالة الإمام في قرائته، بينما لا يشعر آخرون ممن يُصلّون خلفه بهذا الشعور؟
ولماذا–وهو واقع- يعاب على شخص كثرة قراءاته بصورة يغفل فيها عن حالته المادية وحاجياته الأساسية؟
بعض الناس في القطارات والمواصلات العامة المكتظة بأهلها لا يعجز أن يجد لنفسه مكانًا ينحته وسط الزحام يأمن فيه على نفسه من الوقوع فينزوي حتى يخرج كتابًا أو مصحفا يقرأ فيه غير عابئ بطول المسافات وتذبذب القطارات وتداخل الأصوات..!
كيف فعل هذا، وما المتعة التي حصّلها وقد أغنته عن التفكير في حاله والمنغصات التي بجواره؟
ما الذي جعل كثيرًا من الكُتّاب يذهل عن احتساء مشروبه الساخن المفضل، فيما يتلكأ آخرون في إجابة دعوات الطعام وهو يريدها وربما أغلق عليه حجرته وسَكَّر هاتفه.
يبدو أن هناك (علاقة حميمة) نشأت بينه وبين ما يقرأ أو يسمع أو يكتب كانت وراء ذلك..!
هذه العلاقة إذًا تنشأ بين طرفين ليس شرطًا أن يكونا (الذكر والأنثى)، وبهذا يمكن أن نعذر من لم يصل لهذه الدرجة من الحميمية مع النص (المكتوب أو المسموع أو المكتوب) فيتضجر لطول قراءة الإمام أو يغادر قاعة المحاضرات أو يتعجب لقراءة هذا الرجل في المواصلات.
وهذه العلاقة بهذا الوصف وقعتُ فيها لمرات وذقت عسيلتها أيامًا كثيرة في سفري وترحالي بين القاهرة وقريتي. فلم أجد بديلا عنها وكثيرا ما ساعدتني – أعترف – على تجاوز آلام الطريق ووحشته.
وهذه العلاقة –أيضا- كانت سببا في مراجعتي القرآن مرارًا وتحصيلي بعض ما ينفعني في دراستي النظامية وغيرها. ولا أبالغ إن قلت كانت سببا في تفتق ذهني عن أفكار مقالات وأبحاث ودراسات اشتغلت عليها كانت مثار تعجب البعض:من أين ومتى جاءته هذه الأفكار؟!
وزال عجبي –شخصيًا- عندما وصف صديق لي رسالته للماجستير بأنها: (ماجستير المواصلات) إذ وضع لنفسه خطة يومية يُحصّل فيها قراءات يومية لرسالته ومصادر طالعها في سفرياته الكثيرة كانت سببا في إنجاز قدر لا بأس به مما يحتاجه في دراسته فوق الجامعية.
هذه العلاقة عبّر عنها بهذا الوصف (العلاقة الحميمة) د. شكري عياد في كتابه الماتع (اللغة والإبداع) وهو يتحدث عن إدراك وسائل ترابط النص حيث قال نصا: “عندما نقف حائرين أمام حشد من الأنساق والسمات اللغوية والمعلومات التاريخية فيجب أن نعلم أننا بدأنا (علاقة حميمة) مع النص، وأن حيرتنا لن تطول فسنرى النص فجأة – أرجو أن تركز معي فيما يقول- وقد شمله نور منبعث من مصدر وسيتبين لنا أن كل تلك الجزئيات قد تجمعت في نظام” .
إن التعايش مع النص ودراسته وهو جل همي في رسالتي للدكتوراه أوقفني على قدر غير يسير على هذه المعاني العميقة والتي زالت حيالها دهشتي عن أسئلة كثيرة كانت مخزونة في عقلي مفادها: كيف كان سلفنا الصالح وعلماؤنا الأكارم يقرأون كل هذه العلوم ويدونون كل هذه التصانيف وتستوعب أوقاتهم كل هذه المعلومات وتتسع حافظتهم لهذه الآيات والأحاديث والأبيات؟!
ولأنني وفي بداية مقالي عزمت على ذكر الطرف الآخر بوصفه أو اسمه، فها أنا ذا أدعوكم لأن تعيشوا في بساتين هذه الكتابات والتي منها: “بلاغة الخطاب وعلم النص” للدكتور صلاح فضل، و”الظواهر اللغوية والتراث النحوي” للدكتور علي أبو المكارم، و”نحو الجملة ونحو النص” للدكتور تمام حسان، و”اتجاه جديد في الدرس النحوي” للدكتور أحمد عفيفي وماتعة الوالد الحبيب أطال الله بقاءه د. سعد مصلوح “نحو أجرومية للنص الشعري” والوقوف كثيرا عند “اتجاهات التأليف في علم تحقيق النصوص التراثية في التقاليد العربية المعاصرة: دراسة استكشافية للخرائط المعرفية للدكتور خالد فهمي، فهذه وغيرها تشكل لي الطرف الثاني التي يستحق إقامة علاقة معه تجد فيها متعة من نوع خاص.
وبصفة عامة أدعو قارئي الحبيب أن يستزيد من القراءة والتحصيل والفهم ودراسة كل ما يقربه من فهم النصوص لاسيما الحبك (Semantic Cohesion) والسبك ((Grammatical Cohesion وغير ذلك من وسائل التماسك النصي ليسهل عليه الدخول في علاقات مع النص الذي حتمًا سيتكلم معه وسيكلمه وينفعل معه ويسأله ويستحسنه أو يستقبحه، وبهذا يبقى النص معطاء وهو ما يعرف لدى اللسانيين بـــ (بالاستمرار الدلالي) بعيدًا عن أزمة اختزال المفاهيم التي أشرت إليها آنفًا.