هل يكمن جوهر العدالة التعليمية في تماثل الإجراءات من حيث المنهج والوقت وطريقة التدريس؟ أم أن العدالة الحقيقية تتجسد في تكافؤ فرص التعلم وبلوغ غاية مشتركة، عبر سبل تستجيب لتباين قدرات المتعلمين وحاجاتهم؟

يضم الفصل الواحد طلابا متقاربين في العمر، يتلقون المعرفة من المعلم ذاته، ويدرسون المنهج عينه ضمن جدول زمني موحد،  ويتوقع منهم في النهاية بلوغ الغاية التعليمية ذاتها، ويمنح هذا التنظيم المدرسة عدالة إجرائية لكنه لا يضمن تعلما متماثلا لأن الطلاب لا يدخلون الصف من نقطة البداية نفسها، ولا يواجهون المهمة التعليمية بالشروط المعرفية واللغوية والدافعية والاجتماعية ذاتها.

يصل كل طالب إلى الصف وهو يحمل خبرات ومعرفة سابقة ودافعية وقدرة على التركيز ومعالجة المعلومات تختلف عن غيره، كما أن هذه الجوانب قد تتغير مع الممارسة، ونوع المهمة، ودرجة صعوبتها، ومقدار الدعم الذي يتلقاه. لذلك لا يقتصر السؤال التربوي على: ما خصائص هذا الطالب؟ بينما السؤال الأهم هو ماذا يحدث عندما يواجه هذا الطالب هذه المهمة ويتعلم بهذه الطريقة وفي هذه المرحلة من تعلمه؟

وتطرح الأدبيات الحديثة سؤالا أكثر دقة هل تنجح الطريقة التعليمية نفسها مع جميع الطلاب أم يختلف أثرها باختلاف المتعلم والظروف والهدف؟ وبذلك تتغير النظرة إلى الفروق الفردية فبدلا من البحث عن نوع ثابت ينتمي إليه الطالب، يصبح الاهتمام بفهم العلاقة بين الطالب والمهمة وطريقة التدريس والسياق والزمن.

وهذا المنظور لا يلغي الأهداف والمعايير المشتركة وإنما يضع موضع السؤال افتراض أن الطريق نفسه سيقود إلى النتيجة نفسها لدى جميع الطلاب.

التشخيص بين الفهم والتصنيف

تبدأ إشكالية الفروق الفردية كثيرا من التشخيص حيث يحتاج المعلم إلى معرفة مواطن الخلل، وتحتاج المدرسة أيضا إلى تنظيم خدمات الدعم، لكن الخطورة تكمن بتحول الوصف التعليمي إلى حكم ثابت يرافق الطالب في كل مراحله.

ويتضح هذا الأمر جليا في قضية أنماط التعلم فقد خلص كل من Harold Pashler, Mark McDaniel, Doug Rohrer & Robert Bjork، في مراجعتهم “Learning Styles: Concepts and Evidence” الصادرة عام 2008، إلى عدم كفاية الأدلة التي تبرر اعتماد التدريس وفق نمط تعلم مفترض لدى الطالب.

 وميز الباحثون بين وجود تفضيلات لدى المتعلمين، وبين إثبات أن مواءمة طريقة التدريس مع تلك التفضيلات تحسن التعلم (1).

وتشير الدلالة التربوية هنا إلى أن وجود فروق حقيقية بين الطلاب لا يجعل تصنيفهم في قوالب ثابتة شرطا للتدريس، وإنما يوجه الانتباه إلى الأداء الفعلي، وطبيعة المهمة، والمعرفة السابقة، وما تكشفه الممارسة من حاجة.

الدعم للطالب على قدر الحاجة

إذا كان التشخيص أداة للقرار، فإن الدعم ينبغي أن يرتبط بالحاجة الحالية. فقد يحتاج الطالب في بداية تعلم مفهوم إلى نمذجة وتلميحات وخطوات واضحة، ثم يحتاج لاحقا إلى مساحة أكبر للمحاولة والاستقلال.

يوفر التشخيص للمعلم مؤشرا إلى ما يحتاجه الطالب في اللحظة التعليمية الراهنة، ومن ثم يساعده على تحديد مقدار الدعم الذي ينبغي تقديمه. فقد يحتاج المتعلم في بداية تعلم مفهوم جديد إلى شرح إضافي أو نموذج واضح أو خطوات منظمة تساعده على فهم المهمة والبدء فيها، ثم تتغير حاجته مع تحسن فهمه وتقدمه في التعلم، فينتقل تدريجيا إلى مساحة أكبر للمحاولة والعمل باستقلال. وهكذا لا يرتبط الدعم بالطالب على نحو ثابت، وإنما يتغير تبعا لحاجته وما يظهره أداؤه من تقدم أو صعوبة.

وتوضح مراجعة Leonard Tetzlaff, Bianca Simonsmeier, Tabea Peters & Garvin Brod، “A Cornerstone of Adaptivity: A Meta-analysis of the Expertise Reversal Effect” الصادرة عام 2025، أن أثر الدعم يختلف باختلاف المعرفة السابقة لدى المتعلم. فقد استفاد الطلاب الذين لديهم معرفة سابقة محدودة أكثر من الدعم المرتفع، بينما أظهر الطلاب الذين لديهم معرفة سابقة أكبر استفادة أكبر من مستويات الدعم المنخفضة، وشملت المراجعة 60 دراسة تجريبية، و176 حجم أثر، و5924 مشاركا (2).

لكن هذه النتيجة لا تعني أن تقليل الدعم هو الخيار الأفضل دائما فقد كان الدليل أقل وضوحا لدى الطلاب الأصغر سنا وفي بعض المجالات، واختلف الأثر بحسب قياس المعرفة السابقة والسياق. لذلك يصبح السؤال ما الدعم الذي يحتاجه الطالب الآن؟

توقعات المعلم وطرق التدريس

الفروق الفردية تتشكل أيضا من الطريقة التي يقرأ بها المعلم الطالب، ففي دراسة Rune Lomholt “Formation of Teacher Expectations: Evidence from a Factorial Survey Experiment Manipulating Student Information” الصادرة عام 2026، درست توقعات 403 معلمين في 45 مدرسة دنماركية من خلال تجربة مسحية عاملية عالجت معلومات عن انخراط الطلاب وخصائصهم الاجتماعية والسياق التعليمي.

 وأظهرت النتائج أن المعلمين ارتكزوا في توقعاتهم بدرجة أكبر على السلوكيات الصفية القابلة للملاحظة، ولا سيما مؤشرات الانخراط في التعلم، مقارنة ببعض خصائص الانتماء الاجتماعي، مع استمرار تحيز مرتبط بانخفاض مشاركة الوالدين (3).

وفي دراسة أخرى، للباحثين Jonne Bloem, Iris Boer, Kim Stroet & Lisette Hornstra والمعنونة بـ “Teacher Expectations and their Need Support and Thwarting: An SDT Perspective on Ethnic and Socioeconomic Inequality in Education” الصادرة عام 2026، العلاقة بين توقعات المعلمين وممارسات الدعم وإحباط الحاجات النفسية لدى 62 معلما و1,056 طالبا في هولندا، وظهرت توقعات أقل تجاه الطلاب من الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأقل، كما أفاد هؤلاء الطلاب بمستويات أعلى من ممارسات إحباط الحاجات النفسية، ولم تظهر الدراسة أن توقعات المعلمين تفسر العلاقة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية وبين دعم الحاجات النفسية أو إحباطها (4).

وتكمن الأهمية في أن قراءة الفروق تعتمد أيضا على المعلومات التي تصل إلى المعلم والطريقة التي يفسر بها تلك المعلومات. لذلك تحتاج الممارسة المهنية إلى فحص التوقعات والقرارات.

كيف يستجيب التدريس لتنوع المتعلمين؟

تتقاطع في هذا المجال ثلاثة أطر متداخلة هي:

  1. التدريس المتمايز،
  2. التصميم الشامل للتعلم،
  3. التدريس التكيفي.

ويتيح التدريس المتمايز تعديل المحتوى والأنشطة ومستوى الدعم وفق حاجات المتعلمين (5)، بينما يراعي التصميم الشامل للتعلم هذا التنوع منذ تصميم بيئة التعلم (6)، ويقوم التدريس التكيفي على متابعة أداء الطالب وتعديل الاستجابة مع تغير حاجته.

وأظهر تحليل جمع نتائج 20 دراسة، أجرته مارغريت كينغ-سيرز وزملاؤها عام 2023، أثرا إيجابيا لصالح التدريس القائم على التصميم الشامل للتعلم (UDL)، بلغ متوسط الأثر (g = 0.43 ) (7) وتكشف دراسات عربية عن تحديات تواجه تطبيق هذا الإطار في المدرسة، تتصل بمستوى المعرفة والاستعداد والتدريب. فقد وجدت أسماء أحمد الزدجالية وسهيل محمود الزعبي، في دراستهما “مستوى تطبيق معلمات برنامج صعوبات التعلم لمبادئ التصميم الشامل للتعلم” الصادرة عام 2024، أن مستوى تطبيق المبادئ كان متوسطا لدى 247 معلمة في سلطنة عمان، اعتمادا على استبانة تناولت مستوى الممارسة،(8) كما وجدت نوف السديري، في دراستها “واقع معرفة واستعداد معلمات التعليم العام لتطبيق التصميم الشامل للتعلم ومقترحات تحسينه” الصادرة عام 2024، أن معرفة 350 معلمة في الرياض بالإطار كانت منخفضة، بينما كان استعدادهن لتطبيقه متوسطا، استنادا إلى استبانة تناولت المعرفة والاستعداد(9).

وتظهر الصورة نفسها عند الانتقال إلى التعليم المتمايز. فقد أظهرت دراسة عهد الحربي ومنال الشبل، موافقة عالية على استخدام التعليم المتمايز لدى 360 معلمة في مدارس دمج التلميذات ذوات صعوبات التعلم في الرياض، مع ارتفاع تقديرات المعوقات والحاجة إلى التحسين (10) وفي دراسة نوعية شملت مدرسة ثانوية واحدة، عرضت كاثرين غيبس عام 2023 صعوبات في تطبيق التعليم المتمايز، من بينها ضيق الوقت والموارد، وحجم الصف، ومحدودية مرونة المنهج (11)، كما سجلت القياسات البعدية تحسنا بعد برنامج تدريبي لتنمية مهارات تطبيق التعليم المتمايز لدى 34 معلمة في دراسة ميمونة العوضي عام 2024، مع الحاجة إلى عينات أوسع وتصميمات أقوى لتأكيد النتيجة (12).

وتدعم هذه الصورة مراجعة تحليلية شملت 49 دراسة و63 حجم أثر، أجراها Muh. Asriadi AM وزملاؤه عام 2023، ووجدت أثرا مجمعا إيجابيا للتعليم المتمايز بلغ g = 1.11، مع تفاوت كبير في النتائج بين الدراسات (13)، لذلك لا تكمن قيمة التمايز في كثرة الخيارات، وإنما في اختيار ما يناسب حاجة المتعلم، ومعرفة متى ينبغي تغييره.

المرونة تحتاج إلى نظام يساندها

تحتاج المرونة التربوية إلى دورة واضحة من المعلومات والقرار، تبدأ بدليل عن أداء الطالب، ثم فهم لما يحتاج إليه، ثم اختيار استجابة تعليمية مناسبة، ثم متابعة ما يحدث، وتعديل القرار عند الحاجة.

وتدعم كاتارينا إم. باخ وسارة آي. هوفر وسارة بيشلر هذا التصور في المراجعة البحثية المعنونة بـ “Adaptive Learning, Instruction, and Teaching in Schools: Unraveling Context, Sources, Implementation, and Goals in a Systematic Review” الصادرة عام 2025. فقد فحصت المراجعة 555 مقالة بحثية، وانتهت إلى 69 دراسة، ووجدت أن أداء الطالب كان من أكثر مصادر التكيف استخداما، كما استخدمت الملاحظة وبيانات التتبع والتقويم الديناميكي ضمن مصادر التكيف وطرائق تقديره (14).

ويضيف بول بلاك وديلان ويليام، في مقالهما “Assessment and Classroom Learning” الصادر عام 1998، أن قيمة التقويم التكويني تظهر عندما تستخدم المعلومات التي يوفرها في تعديل التدريس والتعلم (15)، لذلك لا تتحدد قيمة التقويم بجمع المعلومات وحده، وإنما بما يترتب عليها من فهم وقرار وتعديل في الممارسة.

الزمن الذي يحتاجه التعلم

قد يتقارب طالبان في مستوى التعلم، مع اختلاف الوقت الذي يحتاجه كل منهما للوصول إليه، كما قد يظهر أثر التدريس بعد فترة بصورة أوضح من أثره المباشر. وفي دراسة ليوني سيبلي وزملائها “Adaptive Teaching with Technology Enhances Lasting Learning” الصادرة عام 2025، شملت الدراسة شبه التجريبية 656 طالبا من الصفوف 7-12 في ست مدارس ألمانية. وأظهر التدريس التكيفي المدعوم بالتكنولوجيا تفوقا في التعلم المؤجل بعد أربعة أسابيع، بينما لم يظهر فرق دال في القياس الفوري في التحليل الأساسي (16).

ولا تثبت هذه النتيجة أن الزمن وحده يؤدي إلى تعلم أفضل، وإنما تشير إلى أن الاختبار الفوري قد لا يقدم الصورة كاملة عن التعلم. لذلك يمكن أن يكون تعديل الزمن جزءا من الاستجابة التعليمية، مثل زيادة وقت الممارسة، أو توزيعها على فترات، أو تقليل كمية المهام مع الحفاظ على الهدف التعليمي.

قدرة المدرسة على الاتساع

لا تتعلق القدرة على الاستجابة بتصرف المعلم وحده، وإنما بقدرة المدرسة مهنيا وتنظيميا على تلبية حاجات الطلاب المتنوعة مع الحفاظ على الأهداف المشتركة. ويتقاطع هذا المعنى مع دراسة فريد إم. نيومان وإم. بروس كينغ وبيتر يونغز، “Professional Development That Addresses School Capacity: Lessons from Urban Elementary Schools” الصادرة عام 2000، والتي تابعت تسع مدارس ابتدائية حضرية في الولايات المتحدة على مدى عامين (17).

ركزت الدراسة على خمسة جوانب من قدرة المدرسة هي:

  1. معرفة المعلمين ومهاراتهم وتوجهاتهم المهنية،
  2. والمجتمع المهني
  3. واتساق البرامج،
  4. والموارد التقنية،
  5. وقيادة المدير.

ووجد الباحثون أن التطوير المهني الأكثر شمولا ارتبط بدرجة أقوى بمستوى القدرة المدرسية في البداية وقيادة المدير، وبدرجة أقل بتمويل المعلمين. ولم تتمكن الدراسة من تقدير أثر التطوير المهني الشامل في تحصيل الطلاب بسبب عدم قابلية بيانات اتجاهات التحصيل للمقارنة بين المدارس.

وتتصل المسألة أيضا بالبيئة التي يعمل فيها المعلم، حيث يرى برونو لاتور في كتابه “Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory” الصادر عام 2005م أن الفعل يتشكل من خلال شبكة من العلاقات والوسائط، وأن العناصر المختلفة في هذه الشبكة قد تتيح أفعالا أو تعوقها أو توجهها (18) ويمكن للجدول المدرسي والمنصة ومواد المنهج وأدوات التقويم أن توسع مساحة التكيف أو تضيقها

التقويم وحدود مساحة التدريس

قد تتيح المدرسة للطلاب طرقا مختلفة للتعلم، ثم تنتهي إلى أداة تقويم تضع شروطا متشابهة عند الحكم على نتائجهم. وقد وجدت مراجعة واين أو “High-Stakes Testing and Curricular Control: A Qualitative Metasynthesis” الصادرة عام 2007، وشملت 49 دراسة نوعية، أن الاختبارات عالية المخاطر ارتبطت في عدد كبير من الدراسات بتضييق المحتوى، وتجزئة المعرفة إلى أجزاء مرتبطة بالاختبار، وزيادة التدريس المتمركز حول المعلم، مع اختلاف النتائج في بعض الحالات تبعا لتصميم الاختبار وبنيته (19).

ويطرح ذلك مسألة تتصل بمدى اتساق التقويم مع واقع التعلم: ماذا تقيس الأداة فعلا، وإلى أي حد تعكس ما أتيح للطالب أن يتعلمه ويمارسه؟ فالتقويم تكون قيمته أكبر عندما يساعد على قراءة الفجوات وتحليل الاحتياجات وتحديد ما يحتاج إلى تحسين، مع مراعاة السياق الذي جرى فيه التعلم. وعندما تنفصل أداة الحكم عن هذا السياق، قد تعكس النتيجة شروط التقويم بقدر ما تعكس مسار التعلم نفسه. ومن هنا تبرز أهمية أن يكون التقويم جزءا من دورة الفهم واتخاذ القرار، لا نقطة نهائية تنقطع عندها صلة النتيجة بما سبقها من تعلم.

 متى تصبح الحاجة معيارا للفرز؟

تتسع المشكلة عندما تدخل الخلفية الاجتماعية في قرارات توزيع الدعم والفرص. وتناول ديفيد جيلبورن وديبورا يوديل، في “Rationing Education: Policy, Practice, Reform and Equity” الصادر عام 2000، مفهوم الفرز التعليمي (Educational Triage) الذي يصف ممارسات قد تدفع فيها ضغوط المساءلة المدارس إلى توجيه مواردها بصورة انتقائية نحو الطلاب الذين يتوقع أن تحقق الاستثمارات فيهم مكاسب أكبر في النتائج التي يجري قياسها (20).

ويأخذ الأمر منحى أكثر إشكالا عندما تتحول لغة الاحتياجات من وسيلة لتقديم الدعم إلى وسيلة لتحديد من يحصل على فرص أكثر ومن يحصل على فرص أقل.

ومن منظور آخر، تناول بيير بورديو وجان-كلود باسرون، في “Reproduction in Education, Society and Culture” بطبعتهما الإنجليزية الثانية الصادرة عام 1990، دور رأس المال الثقافي واللغة والامتحان والانتقاء في الكيفية التي قد تتحول بها الفروق الاجتماعية إلى فروق في المسارات والنتائج التعليمية (21).

لذلك ينبغي أن يبقى هدف التمايز توسيع فرص التعلم مع الحفاظ على التوقعات التعليمية وإبقاء إمكان الانتقال بين مستويات الدعم مفتوحا.

ما الاستجابة الأنسب؟

إن الأدبيات التي تبحث في الفاعلية التفاضلية أي اختلاف أثر الاستجابة التعليمية باختلاف خصائص الطالب وشروط التعلم، تدفعنا لطرح السؤال التالي: لمن تنجح الاستجابة، وتحت أي شروط، وبأي مقدار؟

وفي البحث عن إجابة، يعرض بيتر أ. إدلسبرونر وليونارد تيتزلاف وكاتارينا إم. باخ وزملاؤهم، في “Beyond Linear Regression: Statistically Modeling Aptitude-Treatment Interactions and the Differential Effectiveness of Educational Interventions” الصادرة عام 2025، التحديات الإحصائية المرتبطة بكشف اختلاف آثار التدخلات بين المتعلمين، ومنها العلاقات غير الخطية، وتأثيرات السقف والأرضية، وتفاعلات خصائص المتعلم (22)، وتدعم هذه الرؤية الانتقال من البحث عن أثر متوسط للتدخل إلى سؤال أكثر تحديدا عن اختلاف أثره باختلاف خصائص المتعلم وشروط التعلم.

وبالنظر إلى فكرة مراعاة اختلاف المتعلمين، نجد لها جذورا واضحة في التراث الإسلامي؛ فقد أفرد الإمام البخاري في كتاب العلم بابا بعنوان “باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا”، وأورد فيه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟” (23). ويكشف هذا التوجيه عن وعي مبكر بأن فاعلية التعليم ترتبط بقدرة المتلقي على الفهم، وأن تقديم المعرفة يقتضي مراعاة مستواه واستعداده، بما يعينه على فهمها والانتفاع بها.

وتطرق ابن خلدون لهذا المعنى في مقدمته، ضمن الفصل السابع والثلاثين “في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته”، حيث يقول: “اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه”.(24) ويؤكد كذلك أن المعلم ينبغي أن يراعي “طاقته” و”نسبة قبوله للتعليم”، بقوله: “ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته، وعلى نسبة قبوله للتعليم”.(25)

ويمكن قراءة هذا التصور الخلدوني في ضوء المبدأ المعاصر القائم على تكييف التعليم وفق استعداد المتعلم وحاجته، وهو ما يعضد فكرة المقال عن تعدد مسارات الوصول إلى الغاية التعليمية المشتركة، كذلك نجد معنى قريب عند الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين، عندما دعا المعلم إلى “أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله”، ووأصى بالتدرج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة (26).

خاتمة

العدالة التعليمية تبدأ من غاية مشتركة ومعايير واضحة، وتتطلب مرونة في الاستجابة لحاجات المتعلمين. وتنجح هذه المرونة حين تستند إلى دليل يقرأ أداء الطالب، ودعم يعاير وفق حاجته، وتقويم يكشف الفجوات، ووقت يسمح بالمراجعة، ومدرسة تملك القدرة المهنية والتنظيمية على تعديل قراراتها.

تظهر الفروق الفردية داخل علاقة متفاعلة بين المتعلم والمهمة وطريقة التدريس والسياق والزمن، وتصبح مهمة المعلم قراءة هذه العلاقة باستمرار ومعرفة حاجة الطالب في اللحظة الراهنة، ومقدار الدعم الملائم له، وتوقيت تعديله. وعلى ضوء ذلك تأخذ العدالة التعليمية صورة أكثر واقعية من خلال وضوح الغاية المشتركة، وتعدد الاستجابات وتجدد فرص التعلم.