أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والتعلم الإلكتروني من الأدوات الأساسية في الحياة اليومية، فمن خلالها يتلقى الأفراد المعلومات ويتواصلون مع الآخرين بسهولة وسرعة. ومع هذه النعمة تبرز أهمية التوعية الرقمية التي تمكن من الاستفادة الآمنة والمثلى من التقنية، وتساعد على حماية الخصوصيات، والتحقق من صحة المعلومات، والتعامل بوعي ومسؤولية في الفضاء الرقمي.
ومن أجل فهم هذا الموضوع يقول المهندس أشرف شريف خبير تقنية المعلومات والتحول الرقمي إن التوعية الرقمية تعني استخدام التقنية بطريقة صحيحة وآمنة، وحماية الأفراد والمجتمعات من المخاطر الإلكترونية، بحيث يستفيد الإنسان من الأدوات الرقمية وهو قادر في الوقت نفسه على حماية بياناته واحترام حقوق الآخرين.
وقال شريف إلى أن هذه التوعية أصبحت ضرورة في الحياة المعاصرة، مع اعتماد كثير من المعاملات اليومية والدراسة والعمل والتواصل على الهاتف والإنترنت، ولذلك يحتاج المستخدم إلى فهم التطبيقات ومواقع التواصل التي يستخدمها، ومعرفة من يستطيع التواصل معه، ومن يمكنه الاطلاع على معلوماته الشخصية، إلى جانب التعرف إلى إعدادات الخصوصية في كل تطبيق يستخدمه عبر الإنترنت.
ويشمل الأمن الرقمي أيضا حماية البيانات وكلمات المرور، والقدرة على التمييز بين الرسائل المشبوهة، وتحمل المسؤولية أثناء التعامل مع الآخرين، واحترام خصوصياتهم، والتأكد من الأخبار قبل تداولها، والانتباه إلى الأثر الذي قد تتركه التعليقات في الآخرين، بما يقلل احتمالات الوقوع في المشكلات والمخاطر الرقمية.
مخاطر تصل إلى الأبناء
ومع كثرة تعامل الأبناء والشباب مع منصات التواصل الاجتماعي والفضاء المفتوح في الألعاب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تتعدد صور المخاطر الرقمية التي يمكن أن يتعرضوا لها، وقد تصل إليهم وهم داخل منازلهم.
وأضاف المهندس شريف إن الخطر قد يبدأ برسالة، أو طلب صداقة، أو إعلان يظهر داخل إحدى الألعاب، ثم يمتد إلى صور مختلفة من الاحتيال وسرقة البيانات، مثل الرسائل التي تخبر المستخدم بأنه ربح جائزة أو حصل على رصيد مجاني.
ويتعرض الأبناء كذلك للتنمر والتشهير الإلكتروني من خلال السخرية المتكررة أو نشر الشائعات، إلى جانب محاولات الاستدراج والابتزاز. ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة في تعليم الأبناء والشباب كيفية التعامل مع محاولات الاحتيال، وتشجيعهم على التواصل مع الأهل وطلب المساعدة فور التعرض لأي موقف مريب، واللجوء إلى الجهات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية عند الحاجة.
ويمتد دور الأسرة إلى التأكد من ملاءمة المحتوى الذي يشاهده الأطفال لأعمارهم، فقد يتعرض الطفل لمحتوى غير مناسب، أو يتابع تحديا خطرا ويحاول تقليده، فيقع في مشكلات كان يمكن تجنبها. ولذلك تحتاج الأسرة إلى متابعة البرامج والألعاب التي يستخدمها الأبناء، وسؤالهم عنها، ومساعدتهم على اختيار المحتوى المناسب لهم.
التثبت قبل النشر
وتزداد أهمية التوعية الرقمية مع الانتشار السريع للشائعات والمعلومات غير الدقيقة في مجالات الحياة اليومية، ومنها المعلومات الطبية والصحية، وهي من القضايا التي قد تشكل خطرا خاصا على كبار السن. وبعد أن كانت مجموعة محدودة من المعلومات تمر على الإنسان خلال يوم كامل، أصبح الكم نفسه من الأخبار والمعلومات قادرا على الوصول إليه خلال ثوان من خلال التطبيقات ومنصات التواصل.
وأكد شريف على ضرورة التأكد من أي معلومة قبل نشرها، والعودة إلى المصدر الرسمي لمعرفة حقيقتها، مع التحقق من سياق الخبر وتاريخ نشره، وشدد على أهمية الرجوع إلى الجهات المتخصصة خاصة مع الاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن تنتجه من محتوى مزيف، الأمر الذي يستدعي التثبت من حقيقة المحتوى قبل إعادة نشره أو مشاركته مع الآخرين.
آثار الإفراط التقني على التحصيل الدراسي
ولا ترتبط التحديات الرقمية بطبيعة المحتوى وحدها، فالإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية والمواقع لفترات أطول من الطبيعي ينعكس بصورة واضحة على العلاقات الأسرية والتحصيل الدراسي.
وأوضح شريف أن كثرة الاستخدام قد تؤدي إلى ضعف التواصل داخل الأسرة وشعور الأطفال بالتهميش والإهمال، وهو ما قد يسهم في زيادة الخلافات وإضعاف الاستقرار الأسري.، كما يظهر أثر الاستخدام المفرط في التحصيل الدراسي من خلال تراجع التركيز والانتباه، واضطراب النوم، وإهمال الواجبات. ولذلك يتمثل جانب مهم من دور الأسرة في إيجاد توازن في الوقت الذي يقضيه الأبناء أمام الشاشات، ووضع ضوابط تساعد على استخدام التقنية بصورة مسؤولة.
المدرسة شريك في بناء الوعي الرقمي
وقال المهندس أشرف شريف إن بعد دور الأسرة تأتي المدرسة حيث يقضي الطفل أو الشاب فيها وقتا كبيرا من يومه ما يمنحها دورا مهما في تعزيز الثقافة الرقمية وحماية الطلاب من السلوكيات السلبية في العالم الرقمي، خصوصا مع وجود حصص ومناهج متقدمة في مجال تقنية المعلومات.
ويرى شريف أن المدرسة تستطيع تحويل الوعي الرقمي إلى مهارة يمارسها الطلاب في حياتهم اليومية، من خلال تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية حول أخلاقيات الإنترنت وطرق تجنب الاحتيال الرقمي.
وأضاف يشمل دور المدرسة تأهيل المعلمين وتدريبهم على الأدوات الرقمية الحديثة، وتعزيز الشراكة مع الأسرة من خلال حملات توعية مشتركة، إلى جانب الاستفادة من بعض مناهج الأمن السيبراني التعليمية التي تنتجها الوكالة الوطنية للأمن السيبراني بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، من خلال عروض ومواد مرئية وتعليمية تساعد الطلاب على فهم الاستخدام الآمن والمسؤول لتقنية المعلومات والمواقع الإلكترونية.
حماية الخصوصية تبدأ بالوعي
وأكد شريف أن حماية الشباب لخصوصيتهم وأمنهم الرقمي تبدأ بفهم طبيعة التطبيقات التي يستخدمونها، ومعرفة الأشخاص الذين يمكنهم التواصل معهم أو الاطلاع على معلوماتهم، وضبط إعدادات الخصوصية وفقا لذلك.
وتتطلب حماية الخصوصية المحافظة على البيانات الشخصية وكلمات المرور، والانتباه إلى الرسائل المشبوهة، وعدم التسرع في التعامل مع الرسائل التي تعد بجوائز أو أرصدة مجانية، إلى جانب طلب المساعدة من الأسرة عند التعرض للاستدراج أو الابتزاز أو أي مشكلة إلكترونية.
ويرتبط هذا الجانب كذلك باحترام خصوصية الآخرين، والتعامل معهم بمسؤولية، والانتباه إلى أثر الكلمات والتعليقات التي ينشرها المستخدم عبر المنصات الرقمية.
التقنية بهدف وحدود واضحة للوقت
وفي ما يتعلق بالموازنة بين الاستفادة من التقنية والمحافظة على الوقت والقيم والأخلاق ومتابعة المستجدات، يرى شريف أن الخطوة الأولى تبدأ بتحديد هدف واضح للاستخدام، سواء كان التعلم أو العمل أو التواصل، كما تحتاج الحياة اليومية إلى حدود واضحة للوقت، بحيث يخصص الإنسان وقتا للعمل، ووقتا للأسرة، ووقتا للراحة والعبادة، مع تحديد فترات لا يستخدم فيها الهاتف أو التقنية، مثل أوقات الجلسات العائلية ووقت الطعام.
وختم شريف حديثه بأن الأخلاق التي يلتزم بها الإنسان في العالم الواقعي ينبغي أن تحكم سلوكه في العالم الرقمي أيضا، من خلال الابتعاد عن التنمر وعدم التجسس على الآخرين، واحترام حقوقهم وخصوصياتهم، كما شدد على أهمية اختيار الأشخاص الذين يتابعهم المستخدم والمحتوى الذي يشاهده، لأن ما يتعرض له الإنسان بصورة مستمرة يؤثر مع مرور الوقت في أفكاره وقيمه وسلوكه.