أنشأت الأرواق التجارية من منطلق مسايرة التطور السريع في ساحة الأوراق العالمية، حيث ذللت كثيرا من التحديات المالية في عالم التجارة والمعاملات، وهي “صكوك قابلة للتداول تمثل حقا نقديا وتستحق الدفع لدى الاطلاع أو بعد أجل قصير ويجري العرف على قبولها كأداة للوفاء، وتقوم مقام النقود في المعاملالات”[1] وتسهل تدوالها إما بالتسليم أو بالتظهير إذا كانت موقعة بتوقيع صاحبها، مما يتسنى لأرباب التجارة وغيرهم الاستفادة منها في البيع والشراء وأداء الحقوق والديون حتى في تحويل الأموال من مكان إلى مكان آخر، وهي في المشهد على ثلاثة أنواع: الكيمبيالة، والسند لأمر، والشيك، وبيان حكم الرهن بها فيما يلي:

حكم رهن “الكمبيالة

أولا: التخريج الفقهي للكمبيالة: الكمبيالة كلمة إيطالية الأصل تعنى الصرف، وهي في الاصطلاح بمعنى:” أمر مكتوب بكيفية خاصة من شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه بدفع مبلغ معين من نقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر شخص معين يسمى المستفيد أو لحامله دون تعيين”.[2]

وهذا العقد نظير السفتجة المعروفة في الفقه الإسلامي منذ العصر الأول، وهي تعنى قرض يسدد في بلد آخر وبالتالى يمكن تخريجه عليها من حيث تقبلهما آجال الديون، حتى نجد “بعض القوانين الحديثة، كالسوري واللبناني، سمَّت الكمبيالة سفتجة”[3]، وفي حين آخر قد توصف السفتجة أنها من قبيل الحوالة وتتخرج الكمبيالة على ذلك أيضا.

تقول هيئة المحاسبة والمراجعة:” مستند مشروعية التعامل بالكمبيالة هو أنها إما أن تكون بمعنى الحوالة أو بمعنى القرض، وهما جائزان بالإجماع، أو تكون بمعنى السفتجة، وهي جائزة على القول الراجح[4]

والحاصل، أن حقيقة الكمبيالة في الواقع هي السفتجة وإن سميت باسم الكمبيالة.

ثانيا: حكم رهن الكمبيالة.

الكلام في التوثيق للدين بالكمبيالة يلزم التذكير بمسألة رهن الدين، والجمهور لا يرون جواز رهن الدين وإنما اشترطوا أن يكون المرهون عينا لا دينا، إضافة إلى أن القبض في الرهن شرطا لازما عندهم، وبناء على مذهب الجمهور لا يصح عقد رهن الكمبيالة لكونه رهن الدين.

ولكن في مذهب المالكية سعة على جواز عقد رهن الدين ونحوه فيصح رهن الكيمبيالة تبعا، لأنه مما لا يتعذر استيفاء الدين منه، ولعل هذا المذهب أسعد بمقاصد الرهن.

وعلى القول بجواز رهن الكمبيالة يجب أن يعلم أنه لايتم تداولها إلا عن طريق التظهير.[5] ويدخل رهن الكمبيالة في حكم المنقولات فتأخذ حكمها في القبض، وقد تقرر أن العرف هو المرجع في مثل هذا. ولذا تتم حيازة المرتهن للكمبيالة عن طريق التظهير مع توقيع الراهن.

رهن السند لأمر

يسمى السند لأمر بالسند الإذني أيضا، ويقال في تعريفه إنه:” التزام مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة، يتضمن تعهد شخص معين يسمى: المحرر بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر أو لإذن شخصي يسمى: المستفيد.[6]

وهذا التعريف يوضح أن السند الإذني وثيقة الدين بين الطرفين: بين المدين ( يسمى المحرر ) والدائن ( يسمى المستفيد ) يتعهد فيها المدين بدفع دينه في وقت محدد، وليس فيه طرف ثالث كما هو الحال في الكمبيالة.

السند الإذني يعتبر توثيق من الوثائق الشرعية وإن سمى باسم الجديد، وهو في نفس منحى الكمبيالة تماما من حيث التكييف الفقهى وتداوله عن طريق التظهير، ويصلح دخوله في مسمى رهن الدين لمن هو عليه، تبعا لمذهب المالكية ومن وافقهم، وهو المترجح الذي يندب المصير إليه كما تقدم.

وقد ذهبت هيئة المحاسبة والمراجعة إلى أن: “مستند مشروعية السند للأمر أنه يعتبر وثيقة بدين، وقد أمر الله عز وجل بتوثيق الديون، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل} (البقرة:282) [7]

رهن الشيك

التخريج الفقهي للشيك: يعتبر الشيك أشهرورقة تجارية ذات قيمة النقد الحقيقى، قابل للتداول، وسند لإثبات الدين، ويعرف بأنه “أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة يطلب به شخص يسمى: الساحب من شخص آخر يسمى: المسحوب عليه أن يدفع بمقتضاه أو بمجرد الاطلاع عليه مبلغا معينا من النقود للساحب أو لشخص معين أو لإذن شخص معين أو لحامله.[8]

وعلى ضوء هذا التعريف ممكن تخريج الشيك على عقد الحوالة الموروثة في التراث الإسلامي، والتى من شأنها نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى، ولذا أوضحت هيئة المحاسبة والمراجعة مبدأ مشروعية الشيك من هذا المنظور الفقهي بشكل مفصل كما يلي:”

1- مستند مشروعية الشيك الموجه من العميل إلى مصرف له فيه حساب أنه يعتبر حوالة، المحيل فيها: الساحب، والمحال: المستفيد، والمحال عليه: المصرف المسحوب عليه.

2- مستند مشروعية الشيك الموجه من العميل إلى مصرف ليس له فيه حساب أنه إما أن يكون حوالة على رأي من لا يشترط لصحة الحوالة أن يكون المحال عليه مدينا للمحيل، ويجيز الحوالة على من لا دين له عليه إذا قبلها، ويسميها بعضهم بالحوالة المطلقة أو بالحوالة على بريء، وإما أن يكون وكالة في اقتراض، وكلاهما جائز، ولكن هذا الحكم مشروط بعدم تضمن الشيك للربا عن طريق ما يسمى بالسحب على المكشوف، إذ إن البنوك لا تقرض في الغالب إلا بفائدة، ولا تقبل الشيك الموجه إليها من عميل ليس له فيها رصيد إلا باحتساب فوائد ربوية يطالب الساحب بها مع قيمة ذلك الشيك، وبناء على ذلك إذا تضمن الشيك الموجه من العميل إلى مصرف ليس له فيه رصيد فوائد ربوية كان محرما لم يجز تحريره ولا التعامل به.

3- مستند جواز التعامل بالشيك المسطر والمقيد في الحساب، ولزوم وفاء المسحوب عليه بشرط الساحب فيهما هو عموم قول النبي :” المسلمون على شروطهم ” ولأنه شرط صحيح في مصلحة العقد، ولأصل في الشروط والعقود الصحة.[9]

حكم رهن الشيكات

يتبين من التقرير السالف أن الشيك داخل في أنواع التوثيق المشروع، وأنه أداة للوفاء بالحقوق في المعاملات المعاصرة، وعليه يجوز رهنه في الجملة، حتى لو كان بلا رصيد ما دام سيغطيه قبل موعد السداد تخريجا على مذهب المالكية ومن وافقهم، ثم إن عادة التجار جارية على قبول الشيك بدون رصيد ما دام هناك ضمان تغطيته قبل تاريخ الاستيفاء.

وفي الفتوى رقم (7944) للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
س: بعض الناس يقرض إلى أجل مدة معلومة في شراء عقار أو سيارات أو غيرهما من البضائع، ثم يرهنه المقترض شيكا مؤجلا على أحد البنوك، فما رأي فضيلتكم بهذه الطريقة.
ج: إذا كان الشيك مصدقا بالقبول من البنك المحول عليه جاز جعله رهنا. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.[10]
وفي عموم جواز توثيق الأوراق التجارية جاء في قرار المجمع الفقهى أن “الأوراق التجارية (الشيكات – السندات لأمر – سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة.”[11]

والحاصل، أن إصدار الأوراق التجارية وتداولها كأداة الرهن لحماية الحقوق وضمان وفاء الديون من العقود الجائزة،[12] وذلك لتحقق المصالح والتيسير على الناس في المعاملات المالية المعاصرة، إذ الجنوح إلى منع رهن الأوراق التجارية وإلزام المرتهن بأن لا يقبل تلك الأرواق رهنا، يسبب ضيقا صريحا وحرجا ظاهرا، لأن الأوراق التجارية تمثل أداة فعالة لضمان الحقوق ووفاء للديون في عالم العقود الحديثية.

لكن يجب خلو التعامل بالأوراق التجارية من جميع المعاملة الربوية والغش والتدليس ومن كل ما يؤدى إلى أكل أموال الناس بالباطل، سواء من قبل الراهن أو المرتهن.


[1] المعاير الشرعية، ص:459

[2]  ينظر المصدر السابق

[3]  المقال بعنوان: البيع بالتقسيط، لرفيق يونس المصري، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة 7/632

[4]  المعايير الشرعية ص:452.

[5]  تعريف التظهير: هو “تصرف قانوني تنتقل بموجبه الكمبيالة، وما تمثله من حقوق، من شخص اسمه المظهر، إلى شخص اسمه: المظهر له، ويثبت هذا التصرف ببيان يدون عادة على ظهر الصك، ومن هنا أتت تسمية التصرف المذكور بالتظهير”. ينظر المعاملات المالية أصالة ومعاصرة 13/ 573

[6]  أبحاث هيئة كبار العلماء 5/341

[7]  هيئة المحاسبة والمراجعة. ص:453

[8]  أبحاث هيئة كبار العلماء 5/332

[9]  المعايير الشرعية، ص:453-457.

[10]  فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى 14/174

[11]  قرار رقم: 66/2/7 لمجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة 8/318.

[12]  ولم يقع خلاف بين القانونين في جواز التظهير التأميني ( الرهن(  للكمبيالة والسند الإذني، وأما الشيك فقد منع من رهنه أكثرهم؛ ذلك أن الشيك:” صك يحرر وفقاً لشكل معين، يتضمن أمراً صادراً من شخص  )يسمى الساحب(  إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه(  بدفع مبلغ معين من النقود إلى شخص ثالث  )يسمى المستفيد(  بمجرد الاطاع، فهو في طبيعته أداة وفاء؛ إذ يلزم المسحوب عليه دفع المبلغ المحدد فيه بمجرد الاطلاع، وهذه الحقيقة تتنافى مع جعله أداة ائتمان، ولذلك نص كثير من القانونيين على عدم إمكان رهن الشيك، بخلاف الكمبيالة والسند الإذني فهما أداتا ائتمان ووفاء، ولذلك أمكن رهنهما، إلا أنه في واقع الحال وفي ضوء التطبيق العملي فقد جرت العادة على إعطاء شيكات مؤجلة التاريخ ترفق مع الكمبيالات التي تخصمها البنوك؛ لتكون ضماناً لتسديد تلك الكمبيالات. إن رهن الشيك يخرجه عن أداء وظيفته؛ كأداة وفاء فيصبح أداة ائتمان؛ بسبب ما يكتب عليه من عبارات الائتمان الشرطية التي تخرجه عن وظيفته الأساسية، وبناءً على هذا التكييف أجاز رهنه بعض القانونيين. (ينظر: المقالة بعنوان: رهن الدين وتطبيقاته المعاصرة لعياد بن عساف بن مقبل العنزي. مجلة البحوث الإسلامية).