لتحسين جودة التعلّم وسلامة الكوكب معاً، أصبحت مدارس التعليم العام (من الروضة إلى الصف 12) في طليعة الجهات التي تضفي الطابع الأخضر على جيل جديد من المباني المدرسية.

تتبنى أعداد متزايدة من مدارس التعليم العام (من الروضة إلى الصف 12) في أمريكا تصميم وتشييد المباني الخضراء. وبدعمٍ من مجموعة كبيرة من البيانات التي تُظهر أن الطلاب يتعلمون بشكل أفضل في المساحات الصديقة للبيئة، وأن المدارس يمكنها تحقيق وفورات كبيرة في التكاليف التشغيلية من خلال البناء الأخضر، تعمل المناطق التعليمية في جميع أنحاء البلاد على تشييد مئات المرافق الجديدة وفقاً لمبادئ الاستدامة. ولكن ما الذي يعنيه ذلك حقاً — وكيف يفيد الكوادر التعليمية؟

لماذا نبني مباني خضراء؟

يُعد “البناء الأخضر” مصطلحاً جامعاً يشمل العديد من القرارات الصغيرة والمترابطة التي يمكننا اتخاذها بشأن المواد والتصميم وأساليب البناء، والتي تؤدي مجتمعة إلى تقليل استهلاك الطاقة، وتحسين الصحة، وتحقيق أهداف بيئية أخرى. وفي المباني التعليمية، يولي مشيدو الأبنية الخضراء اهتماماً خاصاً بضوء النهار الطبيعي، وجودة الهواء، وتحسين العزل الصوتي؛ وهو ما يؤدي إلى تقليل أيام الإجازات المرضية لكل من المعلمين (حيث يعد إجهاد الأحبال الصوتية سبباً رئيسياً للغياب) والطلاب.

وإذا كان ثمة سبب رئيسي واحد للتحول نحو البناء الأخضر، فهو التأثير المُثبت للضوء الطبيعي على الطلاب؛ إذ أجرت مجموعة “هيشونغ ماهون” (Heschong Mahone Group)، وهي شركة استشارات في مجال المباني الخضراء، دراسات عديدة على مدار العقد الماضي تشير إلى أن الإضاءة والجوانب الأخرى للراحة البدنية يمكن أن تؤدي إلى تحسين درجات الاختبارات. وقد توصل الباحثون إلى نتائج مماثلة في بيئات البيع بالتجزئة والمكاتب، حيث أسهم الضوء الطبيعي المتدفق من المناور السقفية والنوافذ والمصادر الأخرى في تعزيز اليقظة والإنتاجية.

يتذكر دوغلاس أتكينز، المدير التنفيذي لمدرسة “تشارتويل” الخاصة في سيسايد بولاية كاليفورنيا: “لم يبدأ مشروعنا برؤية للبناء الأخضر، بل بنية بناء التجربة التعليمية الأقوى. ولكننا كنا ندرك وجود صلة بين توفير ضوء النهار كامل الطيف وتعلّم مواد مثل اللغة أو الرياضيات؛ وهذا ما قادنا إلى بروتوكول نظام ‘ليد’ (LEED) التابع للمجلس الأمريكي للأبنية الخضراء.”

يدير المجلس، وهو منظمة غير ربحية، بروتوكول “الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة” (LEED)، وهو نظام التصنيف الرئيسي للمباني الخضراء في البلاد. وفي وقت سابق من هذا العام، أصبحت مدرسة تشارتويل أول حرم تعليمي متكامل ينال أعلى تصنيف في نظام “ليد”.

كما يمكن للمدارس الخضراء أن تغدو وسيلة لربط التعلّم بالعالم الخارجي وبث الحياة في القضايا البيئية داخل الفصول الدراسية. وتقول راشيل غاتر، المسؤولة عن قطاع المدارس في المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء: “إنها تُقدّم دروساً لطالما استبعدناها تاريخياً من المناهج؛ فأنت تقف على السطح لقياس إنتاجية الألواح الشمسية، أو تتواجد في الحديقة العضوية فوق السطح لقطف الخضروات لوجبة الغداء، أو في الأراضي الرطبة المجاورة لدراسة النحل. إنها أداة تعليمية واحدة ضخمة”.

ويؤيد أتكينز هذه الفكرة مشيراً: “التصميم الأخضر هو في واقعه تصميم متكامل. وتلك فرصة هائلة للتعلم ضمن المناهج الدراسية، لأن الأطفال يستفيدون حقاً من رؤية كيف تترابط الأشياء، ولماذا يمكن لفعل شيء لعنصر ما أن يؤثر على العناصر الأخرى. فثمة تساؤل متكرر ومألوف من طالب مرحلة متوسطة متهكم في حصة الرياضيات: ‘لماذا نحتاج إلى معرفة هذا؟’ حسناً، لدينا الآن ألف مثال ومثال”.

الإنفاق من أجل التوفير

تتطلب المباني الخضراء استثماراً أولياً أكبر، حيث يعمل المعماريون والمهندسون والبناؤون معاً في مراحل مبكرة جداً من المشروع وعلى نحو أكثر تواتراً، وهو ما يشكل مصدر قلق محتمل للمدارس التي تعاني من ضائقة مالية. ومع ذلك، تُثبت مشاريع المدارس المستدامة على نحو متزايد أن الوفورات في الطاقة والموارد الأخرى تعوّض التكلفة الإضافية على مدار عمر المبنى — وعادة ما يتم ذلك في غضون بضع سنوات. وعندما يستغل التصميم الطرق الطبيعية للتحكم في درجات الحرارة بصورة أفضل، مثل العزل عالي الجودة واختيار موقع ملائم للمبنى، فإن انخفاض تكاليف التشغيل يترجم إلى وفورات طاقة جوهرية.

ويشير أتكينز إلى هذه الوفورات بوصفها فائدة مفاجئة جاءت بعد أن قررت مدرسته التحول إلى البناء الأخضر لأسباب أكاديمية، حيث يفيد قائلاً: “لقد خفضنا احتياجاتنا من الكهرباء بنسبة 50 بالمئة”. وتتميز المدرسة بنظام لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بالإضافة إلى وفرة الضوء الطبيعي، وميزات ترشيد استهلاك المياه، وتدابير ضبط جودة الهواء الداخلي.

وفي إحدى الدراسات، حددت شركة الاستشارات “كابيتال إي” (Capital E) متوسط عائد وفورات الطاقة على الاستثمار في بناء مدرسة خضراء بنحو 70 دولاراً لكل قدم مربع؛ وهو ما يزيد عن عشرين ضعف متوسط التكلفة الإضافية للتحول إلى البناء الأخضر والبالغة 3 دولارات لكل قدم مربع. ويشير المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء إلى أن المدارس الخضراء توفر 100 ألف دولار سنوياً في تكاليف الطاقة — وهو ما يكفي لتوظيف معلمين جديدين، أو شراء 200 جهاز حاسوب جديد، أو اقتناء 5000 كتاب مدرسي جديد.

ولنأخذ على سبيل المثال مدرسة بنجامين فرانكلين الابتدائية، الواقعة في ضواحي كيركلاند بواشنطن، والتي أُدرجت ضمن قائمة المشاريع الخضراء العشرة الأولى المرموقة لمعهد المعماريين الأمريكيين (AIA) في عام 2006؛ فبموقعها المحاذي لغابة تمتد على مساحة 10 أفدنة، وفصولها ذات التهوية الجيدة والمضاءة طبيعياً بنسبة 100 بالمئة، توفر المدرسة سنوياً طاقة تزيد بنسبة 35 بالمئة عما تتطلبه قوانين البناء القياسية.

يقول المعماري ديفيد ميلر، أحد المحكّمين في قائمة معهد المعماريين الأمريكيين: “إنه مبنى ملائم للبيئة الإقليمية؛ فالضوء الطبيعي ثمين في منطقة شمال غرب المحيط الهادئ، وهذا المبنى يتجه نحو الضوء مستثمراً الغابة كوسيلة للتظليل من أشعة الشمس، بينما تخلق تلك النوافذ الكبيرة صلة وثيقة مع الفضاء الخارجي”.

وعلى نحو مماثل، تضم “مدرسة المستقبل” التي افتُتحت حديثاً في فيلادلفيا، والتي تم تمويلها وتخطيطها من خلال شراكة بين شركة “مايكروسوفت” والمنطقة التعليمية بالمدينة، أحدث التطورات في التصميم البيئي؛ حيث يجمع نظام لتجميع مياه الأمطار على السطح المياه لاستخدامها في أغراض غير الشرب، في حين تعمل الألواح الشمسية المثبتة في النوافذ الزجاجية وعلى السطح على خفض تكاليف التدفئة والتبريد ونقل البيانات اللحظية ليتمكن الطلاب من رؤية الأثر الإيجابي الملموس على البيئة.

طفرة البناء وتنشئة البستانيين

يحضر خمسون طالباً فصولاً دراسية في مركز تعليم البستنة العضوية بمدرسة تشارتويل، والذي يُستخدم أيضاً كمورد تعليمي لحصص العلوم والرياضيات وفنون اللغة. ومع ذلك، لا تزال هذه المدارس تمثل طليعة الركب، في حين أن معظم المدارس الجديدة لم تصبح خضراء بعد، كما تشير راشيل غاتر من المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء: “لكنني أعتقد أننا نتجه قريباً نحو نقطة التحول تلك، ولن يمر وقت طويل حتى نشيدها جميعاً بهذه الطريقة”. وتضيف: “أعتقد جازمة أنها حركة مجتمعية متنامية؛ فبمجرد أن تدرك الفوائد، لن ترفض ذلك أبداً”.

واليوم، توجد مشاريع مدارس حاصلة على شهادة “ليد” في ست وأربعين ولاية، وتقوم المناطق التعليمية ببناء أكثر من 550 مدرسة إضافية وفقاً لهذه المعايير. وفي ولايات مثل أوهايو، سيزداد هذا الرقم مع إقرار قوانين جديدة تُلزم جميع المدارس الحكومية للتعليم العام بالحصول على تصنيفات “ليد”. وبالمثل، تخطط شيكاغو لتعديل وتحديث جميع مدارسها لتتوافق مع مواصفات “ليد”. وقد أصبحت هذه التشريعات أكثر شيوعاً في ظل تمثيل المنظمات البيئية داخل الكابيتول هيل عبر “التكتل البرلماني للمدارس الخضراء” الممثل للحزبين في الكونغرس.

تساعد المدارس الخضراء بشكل مضطرد في تحقيق الهدف الطموح للمجلس الأمريكي للأبنية الخضراء والمتمثل في أنه في غضون جيل واحد، ستلبي جميع المباني التجارية أو العامة الأمريكية التي يُعاد تحديثها أو تشييدها حديثاً المعايير الخضراء تقريباً؛ وذلك لأن كل مدرسة خضراء تخلق ما تحب غاتر تسميته بـ “أجيال فطرية على الاستدامة”. وتوضح قائلة: “نحن البالغين يتعين علينا تعديل سلوكنا؛ أما بالنسبة للأطفال في المدارس الخضراء، فإن هذا السلوك الواعي بيئياً يأتي بشكل عفوي وطبيعي تماماً”.

تستحضر غاتر ما رواه مدير إحدى المدارس الخضراء في ولاية ماريلاند حول كيفية إدراكه لأثر المبنى على طلابه؛ حيث قال المدير: “الفضل يعود إلى أولياء الأمور، فهم يواصلون مراجعتي متسائلين: ‘ما الذي يحدث بحق السماء في مدرستكم؟ أطفالي يطفئون الأنوار، ويوبخونني إذا استغرقت أكثر من خمس دقائق في الاستحمام'”. وتعلق غاتر: “عندما تفكر في الأمر، هؤلاء هم الأطفال الذين سيتعين عليهم حل معضلة الاحتباس الحراري التي سنتركها بين أيديهم، وسيكون أطفال المدارس الخضراء هم الأفضل إعداداً وتأهيلاً للقيام بذلك”.

دع أشعة الشمس تدخل: إضاءة بلا كهرباء

تكشف الدراسات عن وجود علاقة ارتباطية بين توفر ضوء النهار في الفصول المدرسية وأداء الطلاب في الاختبارات المعيارية؛ لذا سعت المخططات التصميمية الجديدة لمدارس التعليم العام على نحو متزايد إلى توزيع أكبر قدر ممكن من الضوء الطبيعي. وتقليدياً، يتحقق ذلك بإحدى طريقتين: تزويد النوافذ بمظلات خاصة تُعرف باسم “رفوف الإضاءة ” (light shelves)، صُممت لتعكس الضوء عن الأسقف وتدفعه إلى عمق المساحات الداخلية؛ وفي المباني المكونة من طابق واحد، يتم ذلك عبر بناء مناور سقفية أو أنظمة أسقف مائلة تسمح بدخول ضوء إضافي من أحد الجوانب.

وبخلاف وسائل التظليل البسيطة، لم تكن تتوفر حتى وقت قريب سوى وسائل محدودة لضبط مستويات الإضاءة دون الاستعانة بالمصابيح الكهربائية، غير أن نظام إضاءة طبيعية جديداً ابتكره ثلاثة مصممين من أوريغون بصدد تغيير هذا الواقع.

وبقيادة البروفيسور جي زي براون من جامعة أوريغون، يمثل نموذج “الفصل الدراسي عالي الأداء” نموذجاً أولياً لتصميم الفصول يلغي استخدام الإضاءة الكهربائية بالكامل؛ حيث يتدفق الضوء من منور سقفي مركزي، وتقوم أجهزة استشعار بمراقبة مستويات الإضاءة باستمرار وتوجيه سلسلة آلية من الستائر الرقيقة أو الشرائح الخافضة للضوء (louvers) التي تتحرك ذهاباً وإياباً للحفاظ على مستويات إضاءة ثابتة ومتجانسة في الداخل.

ويوضح براون: “لا تصبح الغرفة مفرطة الإضاءة ولا خافتة الإضاءة”. ويُستخدم هذا النظام في معهد ديني تابع لدير “ماونت أنجل” (Mt. Angel Abbey) في سانت بنديكت بأوريغون، وكذلك في فصل دراسي جديد قيد الإنشاء في مدرسة دافنشي للفنون للمرحلة المتوسطة في بورتلاند، والتي ستولد كامل طاقتها ذاتياً. ويشير براون: “يمكنك مشاهدة هذا المبنى وهو يتفاعل مع الضوء في الخارج؛ ومن المنظور التعليمي، يعد هذا أمراً بالغ التأثير”.

ينطوي جزء من نهج براون على جانب مثير للجدل؛ إذ يجب على المدارس أن تكون مستعدة لإعادة النظر، على سبيل المثال، في أوقات بدء الحصص الدراسية خلال اليوم للاستفادة من فترات سطوع الضوء في الخارج. ولكن، كما أثبتت الدراسات، يعمل الطلاب بشكل أفضل أثناء ساعات النهار على أية حال.

ويؤكد براون أنه بمجرد أن يرى مخططو المدارس هذا المفهوم مطبقاً على أرض الواقع، يصبح من السهل إقناعهم؛ حيث يقول: “كلما دخل التربويون إلى نموذجنا الأولي أو إلى الفصل الدراسي في ماونت أنجل، يشعرون جميعاً بالدهشة والانبهار فور دخولهم المكان. إنه لأمر مذهل حقاً ما يمكن للضوء الطبيعي أن يفعله”.


براين ليبي – مارس 2008