عاش صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني “رحمه الله” مسيرة حافلة لم تكن حدودها خارطة شبه الجزيرة القطرية فحسب، بل امتدت لتكون ظلاً وارفاً لكل محتاج، ومنارة علم لكل باحث، ومسجداً يرفع فيه اسم الله في عواصم كانت تعاني فيها الأقليات المسلمة من غياب المركز الروحي. لم يكن بناء المساجد والمدارس بالنسبة لسموه مجرد مشاريع إنشائية، بل كانت “رؤية حضارية” لإثبات أن الإسلام دين سلام وتواصل وبناء إنسان.
وفيما يلي استعراض موجز لإنجازاته التاريخية في خدمة الإسلام ونشر رسالته السمحة عبر العالم:
عمارة بيوت الله.. منارات الصمود في قلب أوروبا
لقد تميز عهد الأمير الوالد “رحمه الله” بنهج فريد في دعم المسلمين في الغرب، فكان يدرك أن المسلم في أوروبا يحتاج إلى مؤسسة لا تقتصر على الصلاة فقط، بل تكون مركزا ثقافيا يعزز الهوية ويفتح أبواب الحوار مع الآخر.
- المركز الإسلامي في لوبليانا (سلوفينيا): ظل هذا الحلم يراود مسلمي سلوفينيا لأكثر من 50 عاما، ولم ير النور إلا بفضل الدعم السخي والمباشر من الشيخ حمد بن خليفة. هذا المسجد، الذي يُعد تحفة معمارية فريدة، أصبح اليوم رمزا للتسامح في قلب أوروبا، وجسرا يربط بين المسلمين ومجتمعهم السلوفيني، حيث يضم مكتبة ومراكز تعليمية وقاعات للمؤتمرات. بلغت تكلفة المشروع الإجمالية حوالي 34 مليون يورو، ساهمت دولة قطر بتمويل الجزء الأكبر من المشروع عبر صندوق قطر للتنمية بمنحة تجاوزت 28 مليون يورو، وغطت تبرعات الجالية المحلية وباقي الشركاء المبلغ المتبقي.
- المركز الإسلامي في رييكا (كرواتيا): يعتبر هذا المركز من أجمل المساجد في أوروبا قاطبة، وقد شيد بدعم قطري كامل في عهد سموه. تحفة معمارية إسلامية عصرية، اكتمل بناؤه عام 2013 بتكلفة بلغت حوالي 10 ملايين يورو وبدعم كامل من دولة قطر. هذا المسجد لم يخدم مسلمي كرواتيا فحسب، بل أصبح مقصدا سياحيا وثقافيا يعكس جمال الفن الإسلامي المعاصر، وقد وصفه القادة هناك بأنه “أيقونة السلام” التي منحت المسلمين شعورا بالانتماء والكرامة.
- مركز حمد بن خليفة الحضاري في كوبنهاجن: يعد مركز حمد بن خليفة الحضاري أول مركز ثقافي إسلامي وجامع متكامل بمئذنة يُفتتح في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن. تأسس المركز عام 2014، وأُقيم على مساحة تتجاوز 5000 متر مربع، بتمويل من الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لخدمة الجالية المسلمة وتعزيز الحوار الحضاري.
- دعم مساجد البلقان وسراييفو: لم يكن غريبا أن يُصلى على سموه صلاة الغائب في جامع “خسرو بك” التاريخي في سراييفو؛ فبصماته في البوسنة والهرسك لا تُمحى. لقد ساهم سموه في إعادة إعمار وترميم العديد من المساجد والمراكز الإسلامية التي دمرتها الحروب، مؤكدا أن الحفاظ على التاريخ الإسلامي في هذه المنطقة هو حفظ لذاكرة الأمة برمتها. ودعمت ولا تزال دولة قطر مساجد ومراكز البلقان، لا سيما في سراييفو، عبر مؤسساتها الرسمية وجمعياتها الخيرية، حيث تشمل هذه الجهود بناء وإعمار المساجد، تمويل المراكز الإسلامية، ترميم كليات الدراسات الإسلامية، كفالة الأئمة، وصيانة المخطوطات بالمكتبات التاريخية

مصحف قطر.. أثرٌ خالد يطوف العالم
من أعظم القربات التي قدمها الأمير الوالد “رحمه الله” للإسلام هو مشروع “مصحف قطر“. لم يكن المشروع مجرد طباعة للمصحف، بل كان عملا فنيا وعلميا استغرق سنوات من البحث والتدقيق واختيار أمهر الخطاطين في العالم عبر مسابقة دولية كبرى.
- أمر سموه بأن يكون المصحف بأعلى معايير الجودة العالمية من حيث الخط والورق والإخراج.
- تم توزيع ملايين النسخ من هذا المصحف في أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، والأمريكيتين، حيث وصل إلى أبعد قرى المسلمين الذين كانوا يتوقون لنسخة من كتاب الله.
- أصبح “مصحف قطر” اليوم هو الهدية الأغلى التي تقدمها الدولة لضيوفها، والأثر الذي لا يغيب عن مساجد وبيوت المسلمين حول العالم.
المدارس القرآنية والمراكز التعليمية.. بناء العقول
آمن الشيخ حمد بن خليفة بأن الفقر الحقيقي هو فقر المعرفة، ولذلك ركز في عطائه على بناء المؤسسات التعليمية الإسلامية:
- تأسيس المدارس في أفريقيا وآسيا: موّل سموه بناء مئات المدارس القرآنية والمعاهد العلمية التي تدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية إلى جانب العلوم الحديثة. الهدف كان حماية الأجيال الناشئة من الجهل والتطرف عبر تقديم تعليم ديني وسطي معتدل.
- كراسي الأستاذية في الجامعات العالمية: لم يكتف بالتعليم الأساسي، بل أمر بتأسيس كراسي للدراسات الإسلامية في أعرق الجامعات الغربية (مثل أكسفورد وجورجتاون وغيرها)، لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام في مراكز صنع القرار الفكري في الغرب، وتقديم بحوث علمية رصينة تخدم قضايا الأمة.

نصرة القضايا الإسلامية.. الوفاء للقدس وغزة
لا يمكن الحديث عن خدمة الإسلام في عهد الأمير الوالد دون ذكر فلسطين؛ فالقدس كانت دائماً في قلبه:
- صندوق دعم القدس: أطلق سموه مبادرة لإنشاء صندوق برأسمال مليار دولار لحماية الهوية العربية والإسلامية للقدس الشريف في مواجهة التهويد.
- إعادة إعمار غزة: كان سموه أول زعيم عربي يكسر الحصار عن قطاع غزة بزيارته التاريخية في 2012، حيث أمر ببناء مدينة سكنية ومستشفيات ومساجد، مخففا عن أهلها وطأة الحصار، ومنتصرا لكرامة المسلمين فيها.
الإعلام الإسلامي الراقي والدفاع عن المقدسات
عبر قناة الجزيرة التي أسسها سموه، وعبر “مؤسسة قطر”، خُصصت مساحات واسعة للتعريف بالإسلام ورموزه. كما كان لسموه مواقف شجاعة ومبادرات في الدفاع عن النبي محمد ﷺ والمقدسات الإسلامية ضد أي إساءة، مستخدما القوة الناعمة والدبلوماسية لتوضيح قيم الإسلام والرد على “الإسلاموفوبيا”.
يرحل الجسد ويبقى الأثر
لقد كان الأمير الوالد “رحمه الله” بلسما لجراح الأمة؛ فمن يطوف في شوارع “لوبليانا” سيرى مسجده شامخا، ومن يتصفح “مصحف قطر” في أدغال أفريقيا سيذكر دعواته، ومن يصلي في مساجد غزة المرممة سيدعو له. رحل الرجل الذي لم تمنعه ضغوط السياسة ولا وحشة الجغرافيا من أن يكون “خادما وفيا” لدينه وأمته. إن تلك المساجد والمدارس والمصاحف هي اليوم “صدقة جارية” وشهود صدق على قلب أحب الله فأحبه الناس، وصعدت روحه إلى بارئها مخلفة وراءها إرثا إسلاميا عالميا يعجز التاريخ عن نسيانه.
تغمد الله الأمير الوالد بواسع رحمته، وجعل ما قدمه للإسلام والمسلمين في ميزان حسناته.
