هناك من الناس من اتخذ إثارة المشاكل وإيقاع الفتن بين الناس عادة يألفها، ويجد فيها متعة يتسامر بها، ويظن أنها مجرد أحاديث عابرة لا يترتب عليها شيء. والحقيقة أن هذا من أخطر ما يفسد المجتمعات ويمزق العلاقات، وقد يبلغ بصاحبه مرتبة عظيمة من الإثم إذا أصر عليه ولم يتب، فإن الصغيرة مع الإصرار قد تصير كبيرة.
وقد حذر النبي ﷺ من النميمة أشد التحذير، فقال: “لا يدخل الجنة قتات”[1]. والقتات هو النمام، وقيل: هو الذي يتسمع على الناس وهم لا يعلمون ثم ينقل حديثهم بقصد الإفساد[2]. كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ۖ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ۚ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ۚ واتقوا الله ۚ إن الله تواب رحيم﴾[3].
وقد رأينا في مجتمعاتنا صورا كثيرة من هذا البلاء؛ فتجد امرأة تتصل بجارتها، أو قريبتها، وتقضي معها الساعات الطوال، وليس محور حديثهما إلا: “فلانة قالت كذا، وفلان فعل كذا”. فتخرج الكلمات من مجلس إلى آخر، وتزداد مع كل ناقل، حتى تصبح أكاذيب أو مبالغات، فيقع الظلم، وتفسد القلوب، وتتقطع الأرحام، ويكون صاحبها قد جمع على نفسه الغيبة والنميمة وسوء الظن، وربما صار ذلك سببا لعذابه في قبره.
ورأينا كذلك من يفتري على زميله في العمل، فينقل إلى المدير كلاما محرفا أو يضخم موقفا يسيرا، ويضيف إليه من عنده ما لم يكن، حتى يبدو صاحبه فاسدا أو مقصرا، فيتسبب في فصله من عمله أو تشويه سمعته بين الناس، وما حمله على ذلك إلا الحسد أو المنافسة أو حب الانتقام. ورأينا من يوقع بين الزوج وزوجته، أو بين الحماة وكنتها، أو بين الأخ وأخيه، أو بين الصديق وصديقه، أو بين الجار وجاره، حتى أصبحت هذه الفتن تتكرر في صور لا تكاد تنتهي.
وبسبب هذه الألسنة المفسدة انتشر التباغض بين الناس، وضعفت الثقة، وصارت القلوب تغلي كالقدور، تنتظر كلمة أو إشاعة لتشتعل نار الخصومات بين الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء والزملاء. وكم من بيت هدم، وكم من رحم قطعت، وكم من صداقة انتهت، وكم من بريء ظلم بسبب كلمة خرجت من لسان لم يتق الله. وقد يفسد شخص واحد مجتمعا كاملا إذا جعل لسانه وسيلة لإشعال الفتن ونقل الكلام بين الناس.
ولو وقف هذا النمام مع نفسه وقفة صدق، وسألها: ماذا ربحت من كل ذلك؟ لما وجد إلا الذنوب، وخسارة محبة الناس، وسوء الذكر بينهم، وربما عاد عليه الشر الذي أشعله، فذاق من مرارة الفتن مثل ما أذاق غيره. فإن من أوقد نارا بين الناس، كثيرا ما تمتد إليه ألسنة لهبها قبل غيره.
فيا من ابتليت بالنميمة وإفساد ذات البين، ارفق بنفسك قبل أن ترفق بغيرك، وتأمل إلى أين تسير. أينتهي بك الطريق إلا إلى قبر توضع فيه وحدك، لا ينفعك من نقلت إليه الأخبار، ولا من ضحك معك على أعراض الناس؟! فكلنا راحلون، وكلنا موقوفون بين يدي الله تعالى، نحاسب على كلماتنا كما نحاسب على أعمالنا. قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[4]. فتب إلى الله قبل أن يحال بينك وبين التوبة، واتق الله في عباده، واترك الخلق لخالقهم، ولا تجعل لسانك وسيلة للطعن في الناس أو الإيقاع بينهم، فإن صلاح ذات البين من أعظم القربات، وإفسادها من أعظم الذنوب.
وقد جاء الوعيد الشديد لمن يسعى بالنميمة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: “إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة”[5]. وفي حديث آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: “لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم[6].
فنسأل الله تعالى أن يطهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وأن يصلح قلوبنا، وأن يجعلنا من الساعين في الإصلاح بين الناس، لا من الساعين في إفساد ذات البين، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
