من محاسن الكتابة عن عمل أدبي – مثل رواية دانشمند – لكاتب بمنزلة أحمد فال ولد الدين أنه يريحك من عناء الأبجديات النقدية، التي يختبئ وراءها الأكاديميون عادة ليحاكموا الكُتَّاب إلى قوانين أضحت لطول استخدامها قوالب جاهزة لخنق النصوص، وسلبها محاسنَها أو إلباسها من أثواب الفضل ما لا تستحق، تحاملا أو مجاملة.

ولم يكن للكاتب عن أعمال ابن الدين أن يستريح من ذلك العناء لولا شجاعة أحمد فال الأدبية التي اقتحم بها عالم الرواية، وهو يوثق قصة اختطاف فريق قناة الجزيرة في ليبيا عام 2011، ثم في كتابته لرواية تاريخية عن شخصية أدبية تأسيسية بمنزلة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت204هـ)، مازجا فيها بين عصرين مختلفين وبيئتين متناقضتين وبطلين بهموم شتى.. فكان “الحدقي” البكر الروائي الجاد لأحمد فال، وهو السلف الصالح لـ رواية دانشمند ، الصادرة حديثا عن دار مسكلياني.

ليس غريبا أن يكون أبو عثمان سلفا لأبي حامد، فكم أشعري خرج من ظهور أهل العدل والتوحيد، بمن فيهم مؤسس المذهب الأشعري نفسه، ولئن اعتبر مؤرخو الأشاعرة أن ظهور الإمام أبي الحسن الأشعري مثَّلَ لحظة بلوغ الفكر العقدي الإسلامي رشدَه ونضجَه؛ فإن الرواية التاريخية بالنسبة لي وصلت مع رواية دانشمند ذروة إمتاعها وإغرائها.

تدور الرواية حول حياة الإمام حجة الإسلام الغزالي الشخصية، وتحولاته الفكرية والعملية، وتجاربه السياسية والروحية، واشتباكه مع قضايا عصره؛ ولن يفهم قارئ معاصر سيرة هذا الإمام حق فهمها في عمل روائي ما لم يعش أجواء عصره وأحداثه المتدفقة في ثنايا 636 صفحة، يزور القارئ فيها مدن الإسلام النابضة بالعلم والحياة والحضارة حينها، في الطابران وطوس ونيسابور وأصفهان وبغداد ودمشق والقدس ومكة، بل وفي كليرمونت الفرنسية والقسطنطينية.

لا يمر القارئ بهذه المدن مرور العابرين وأبناء السبيل، بل يعيش تفاصيلها الجغرافية ويمتلئ أنفه من “روائحها العطرة”، ويعرف أزقتها وأسماء شوارعها ودروبها، وما يروج في أسواقها من مواد وبشر، وفي مكتباتها من كتب ومصنفات، وما يشغل بال طلاب العلم في مساجدها ومدارسها.. وما تتهامس به ربات البيوت وأمهات الأولاد في أفنية البيوت عن الرجال والحرائر والإماء، وما يحاك في القصور من مؤامرات سياسية بين الأشقاء والأقارب والتيارات السياسية، وما يناقشه الحشاشون في الغرف المظلمة من خطط لاغتيال رجال الدولة والمؤثرين، ورصدهم للأجواء العامة، وطرق تواصلهم وأساليب تمويههم وتخفيهم عن الأعين المترصدة.

يستمع القارئ في هذه الأمصار العامرة إلى أزيز حجج المتناظرين في الأديان والعقائد والمذاهب، ويرى كتبا تشتعل، وأقواما يتظاهرون احتجاجا على فقرات في كتاب لم ينصف إمام مذهبهم، ويصغي فيها إلى حشرجات المتصوفة المنقطعين في الخانقاوات، لا يقطع صمتهم الطويل إلا ذكر أو تأوه، تستوقفه حالات وجدهم وجذبهم وبذاذتهم التي يقابلها ترف لا حدود له في القصور والدور المجاورة.

تأخذ الرواية قارئها خارج المدن الإسلامية حيث سنابك خيول القادة الطامحين، المتصارعين داخليا والمحاصر بعضهم لبعض، وحيث أفواج الغزاة القادمين من معاقل الصليبية المتوثبة حينها لقضم العالم الإسلامي، وبين تلك المدن التي كانت تعيش ذروة تواصلها الحضاري والتجاري كانت القوافل لا تهدأ، وبُرُد الرسائل لا تكلّ، والحمام الزاجل لا يتوقف.

بين هذا الموج المتلاطم من الأحداث المتناقضة والأهواء المتضاربة كان “دانشمند” محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي حاضرا في كل التفاصيل، تلاحقه كاميرا أحمد فال القلمية في أزقة الطابران، وهو طفل يتيم يلعب مع شقيقه أحمد أمام  حجرة طينية ضيقة، ووالدتهما تنظر إليهما بشفقة الأم التي تتضاعف على محمد الذكي “الهادئ الصامت دوما كأنما جاء الحياة على كبر”، وتتساءل في سرها: هل تحميه نباهته من أنياب الأقدار؟

3 محطات في حياة الغزالي

يرصد أحمد فال تحولات الغزالي العلمية والروحية بدقة تاريخية بارعة لمحطات حياته ومشاهد عصره، وتأثيل خيالي بالحوارات والخواطر لعله أوسع تاريخ موثق للمشاعر والهواجس في القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ فخواطر الثكالى، وهموم الأطفال، وهواجس الحكام، ونيات الوزراء، ومشاغل العلماء الذهنية، وواردات الصوفية؛ كلها في كتاب مفتوح بين يدي ابن الدين يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء في بنائه الروائي المحكم والمتسلسل من غير تكلف لحياة حجة الإسلام.

فأحمد فال يحدثك عن الأفكار والهموم التي كانت تقيم وتقعد والدة الطفل الغزالي حين أرسل إليها حامد الوصي يريد مقابلة طفليها اليتيمين على وجه السرعة، ليخبرهما بقصة نفاد المال القليل الذي تركه والدهما عنده، وقلقه شخصيا على مستقبلهما مما دعاه لتقديم نصيحة لهما لعلها تحقق أمنية صديقه الراحل في رؤية ولديه فقيهين، وليبرئ بها ذمته وهو على فراش الموت، وهي نصيحة مباركة كان الغزالي بكل جبروته العلمي ونفوذه الروحي العابر للقرون، وأسطرته في المخيال الإسلامي أحد تجلياتها.

كانت النصيحة الحانية التي قدمها الوصي حامد للطفلين هي يد القدر التي رسمت مسار ومستقبل أبي حامد الغزالي، وهو مستقبل -حسب الرواية والتاريخ- ارتبط بالعلم تحصيلا وتدريسا وتأليفا ومناظرة، ومنافسة في الرئاسة، واشتباكا بالسياسة حكما ومعارضة، وزهدا في الجاه، وانقطاعا لله، وتفرغا لإحياء العلوم وتصحيح مسارات التزكية الإسلامية.

امتثال الطفلين لنصيحة حامد بالتوجه إلى مدرسة الطابران التي كلم ناظرها ليهتم بأمر ابني صديقه الراحل، كان التحول الأول في حياة الغزالي، وهو تحول ليس بالسهل بالنسبة لطفل سقيم في مدرسة لم يكن يعلم عنها شيئا سوى أنها بناية كبيرة ملأى بالطلاب والأطفال والمشاغبين.

يرصد أحمد فال هواجس الغزالي الطفل وهو مشغول الذهن بالقصص التي سمع عن المدرسة وعن الشجار اليومي بين طلابها، وعن قصة حميد الذي أنقذه أخوه الأكبر من موت محقق، فكَّر الغزالي فيمن سينقذه من مخالب زملائه الشرسين، وهو الهادئ النحيف لكن تميز الغزالي ونجاته كانا في مضاء عقله وسيلان ذهنه لا في شدة بأسه أو قوة عضلاته.

انتبهت والدة الغزالي بحسها الأمومي مبكرا لذكائه المفرط فكانت تستنطقه عن الأخبار والأوضاع، وكان هو يقرأ أحاسيسها فيطمئنها وقت القلق، ذكاء الغزالي ككل المواهب كان نعمة ونقمة، فبذكائه تميز في المدرسة، وبه نجا من الطرد خارج أسوارها، وبسببه احترمه المدرسون، وبه فاخرت مدرسة الطابران يوم زيارة الوزير، وبه فاز في المسابقة التي نظمها كبير تجار الطابران بين طلاب المدارس فكان الفائز الأول المستحق للكفالة مدى الحياة، وهو الفوز الذي مهد للتحول الثاني في حياته.

كان نجاحه في المسابقة بالطابران سببا لالتحاقه بالمدرسة النظامية في نيسابور، وهو التحول الأبرز في حياة الغزالي التحصيلية، ففي النظامية جالس أبو حامد شيخه أبا المعالي إمام الحرمين الذي قربه واحتفى بذكائه، وكان يحاوره أمام الطلاب في مشكلات العلم وقضايا السياسة.

ففي مجلس الجويني أدرك الغزالي حقيقة اشتباك العالم بالسياسة، فتقعيد الجويني للنظريات “الإغاثية” السياسية وتحريره لمبحث شرط القرشية في الخلفاء، والكفاءة في السلاطين كانت مواقف سياسية التقطها عقل الغزالي بسرعة فتبنى بعضها وأعرض عن بعض، وكان كتابه البكر “المنخول” سببا لاشتباكه هو شخصيا بالسياسة اشتباكا أعمق وأرسخ من اشتباك شيخه، وهو التحول الثالث في حياة الإمام.

التحول  الثالث -حسب سياقات الرواية- هو الأخطر في حياة “دانشمند” لأنه أوقعه في حالة تماس مباشر مع القوى المؤثرة في عصره من نخبة علمية تزعمها فيما بعدُ، وتجمعات صوفية كان يرنو إليها بحثا عن الطمأنينة، ومن سلطة سياسية مفككة يقتضي التعاطي معها موازنة بين وزير قوي ذي مشروع فكري داعم للعلماء، وسلطان تحكم عائلته المشرق الإسلامي كله، وخلافة صورية تقتضي النظريات السنية المحافظة عليها، ومن تنظيم سري معارض يسعى لقلب الحكم بالسيوف والنظريات والشبه، وكان دور الغزالي فضح تلك الشبه التي سماها “فضائح الباطنية”.

علاقة الغزالي بهذه القوى المتنافرة بطبيعتها، وتأثيره القوي في “ماجريات” عصره أوصلاه إلى قمة السيادة العلمية، وهرم التصدر المجتمعي لكنهما لم يوصلاه إلى طمأنينة القلب وسكينة الروح وبرد اليقين، وهنا كانت وقفة الغزالي الشجاعة التي أوصلته إلى تحوله الأخير.

التحول الأخير في حياة الغزالي أخرجه من ترف القصور الوهمي إلى تقشف الخانقاه الحقيقي ثم لم يزل به حتى أخرجه من بغداد إلى دمشق والقدس باحثا عن “المعنى” الذي وجده في التسليم  لله والسعي لتطهير النفس من رعوناتها البشرية، وكانت الرؤى والمنامات تقوده إلى رحاب العالمة الشيرازية التي نادته أكثر من مرة بـ”أن تعال إلينا”، فلما وصل لزم الطريق واستمر على ذلك حتى لقي الله شهيدا -حسب الرواية- بسبب سمٍّ دسه باطني في شراب للإمام الذي فضح طائفته الصوفية وحركته السياسية.

الروائي أحمد فال في ذكره لحقيقة وفاة الغزالي تنازعه أمران؛ أولهما واقع التاريخ الذي روت كتبه أن وفاة الإمام كانت طبيعية، والثاني: روح العصر الذي انتشرت فيه اغتيالات الحشاشين للساسة والعلماء، وكان الغزالي عالما مؤثرا قريبا من السياسة في كل مراحل حياته فاضحا للباطنية، فاختار ابن الدين أن تكون وفاته على أيديهم، كما كان لمؤلف دانشمند اختيارات أخرى في أنماط الشخصيات وتحريكها، وانتقاء واع من كتابات الغزالي الممثلة لعصره.

  الشخوص في رواية دانشمند

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في “الرسم بالكلمات” لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في لعب أدوارها المختلفة بجانب الشخصية الرئيسية دانشمند الذي بقي محور الرواية.

يجد القارئ  للرواية ألبوم صور لحجة الإسلام في كل مراحل حياته؛ ففي الطفولة يرى “وجهه الأبيض الجميل وعينيه السوداوين العميقتين” و”رباعيته السوداء”، وفي ميعة الشباب يرى لحيته السوداء ووجهه المستقيم، و”نابه المرتفع قليلا إلى الأعلى”، وهكذا في كل مرحلة عمرية أو بقعة جغرافية مر بها الغزالي تجد صورة له مرسومة حتى ساعة وفاته مرورا بمرحلة التنعم في  نيسابور وبغداد، وبداية التقشف في دار السلام، ومكابدة النفس والهوى في شوارع دمشق وهو يحمل الحطب أو ينظف حمامات الخانقاه أو يعتلي منارة الجامع الأموي.

وحتى الشخوص الآخرين تجد لهم رسما بكلمات ابن الدين سواء كانوا ساسة مثل ملك شاه ذي “العينين الضيقيتين. والأنف الأفطس والجبهة الواسعة”، و”نظام الملك: بشفتيه الدقيقتين: وعينيه العميقتين، ووجنتيه الناتئتين”، أو علماء مثل الجويني الذي كان يدير في الحلقة وطلابها “عينيه البنيتين الضيقتين”، أو كانوا حرفيين عوام مثل النخاس الذي كان يمني نفسه بالزواج من والدة الإمام الغزالي فيصف لك “ملابسه الزعفرانية وعمامته الخضراء الفاخرة” وأنه “أبيض، أخضر العينين، حاد الأنف”.

يبدو أن تركيز أحمد فال على وصف الأعين راجع إلى تعمقه في تراجم هؤلاء واستحضار أشكال أصولهم القومية المختلفة، فوصفه لملك شاه يستحضر أن السلاجقة حينها في بداية أمرهم مزيجا من بدو الترك المجاورين للصينيين لم يختلطوا بغيرهم من الشعوب التي أضافت لهم ملامح أخرى متعددة الأشكال، وجعلتهم أقرب في الملامح لمزيج من الفرس والروم لوقوعهم بين القوميتين .

وللنساء نصيب من الوصف في الرواية وأجمله وصف تركان خاتون زوجة ملك شاه “الغارقة في سياسة القصور”، تلك الأميرة التركية “المفطورة عل المشاعر الحادة، والمشي على النتوءات، والإطلال من الأعالي المخيفة، واللعب بحد السكين، تدخل في شؤون السياسة بالفطرة، وتمقت الرتابة والدعة الخالية من التوتر، كأنما خلقت لتقود الجيوش، وتقيم الإمبراطوريات، وتخوض في الدماء”.. إلخ.

لتركان خاتون في الرواية دور محوري يصور حضور المرأة في السياسة من وراء ستار في ذلك العصر، وأبدع الكاتب في تحريك تلك الشخصية القلقة التي “خلق قلبها ليظل حيا دفاقا، لا يزهر إلا في زمهرير الحب أو حرور الحب، ولا يستخفها الطرب إلا وسط العجاج والمؤامرات والدسائس”، وهذه القوة أتعبت ملك شاه الذي كان من سوء حظه وقوعه بين رجل بقوة بمستوى نظام الملك، وشراسة امرأة بحجم تركان خاتون.

تحريك أحمد فال لشخصية الغزالي ونظرائه من الشخصيات العلمية  المنافسة له  أو المتأثرة به، والشخصيات السياسية الأخرى الفاعلة بديع ويمكن تفهم الإحاطة به في سياق المادة التاريخية والسياسية التراثية المتوفرة عن ذلك العصر، لكن قدرته العجيبة كانت في تحريك شخوص الجذب والتصوف والباطنية وتوظيفها توظيفا راقصا جمع بين الروحانية المحلقة والانفعال القوي بما يحيط بهم من أفكار وأحداث وصراعات دامية وناعمة.

من تلك الشخصيات المتحركة في الرواية شخصية طيفور المحب الذي ظهر فجأة بين الجماهير المحتشدة أمام الوالي  وهو “في مرقعته وبيده عصاه وطبله”،  ثم تراه يستقبل جموع المصلين في رحبة جامع نيسابور يلعب بعصاه وينشد أشعارا في الحكمة والتدبر، ثم “يرفع بصره من تحت أهدابه الكثة، ويمد سبابته جهة السماء، ثم يتحامل على يديه ويقفز على رجل واحدة، مناديا والدموع تسيل على لحيته الشعثاء.: إلهي كيف تخلقني ثم تتركني تائها في أودية العطش!”.

وهكذا يستمر الوصف والتحريك حتى يسري تأثير طيفور فيمن حوله ثم ينقلب بهيئته الرثة جهة الغزالي الذي رآه مقبلا في جبة فاخرة تتضوع مسكا ويناديه “إن الذي تطلبه وراءك ياغزالي، لا تتفقد ملابسك وتنس قلبك، لا تُسَمِّنْ فرسك وتُهْزِل قلبك”، ولطيفور مع الغزالي قصص ومواقف فقد عايش حجة الإسلام وهو شاب ألمعي ممزق بين طريق الدنيا والآخرة، فالدنيا عند طيفور يمثلها طريق الفقه والجويني، وطريق الآخرة هي التي يسلكها أبو علي الفارمذي، ويرى طيفور أن الغزالي  غلبت عليه الدنيا، وأن لباسه “ليس لباس من يوقن بالموت”، ومثل طيفور شخصية  سمنون المجذوب، وفاطمة البهلولة المجذوبة التي تغني في رحاب مسجد الأمويين بدمشق.

  ومن الشخصيات التي حركها أحمد فال في الرواية تحريكا ممتعا ووظف أبعادها الإيدلوجية والحركية والوظيفية بكثافة تصويرية بديعة شخصية عبيد الموسوس جاسوس الباطنية وأذنهم اللاقطة لكل حركة وحدث في نيسابور؛ فعبيد كان حاضرا بهدوء بين الجموع التي تداعت لسماع كلمة الوالي عقب الاضطرابات التي وقعت بسبب كتاب “المنخول،” وكان هناك جنب المسجد يُضحك الإمام الغزالي بقوله معلقا على صوت حبيب الشيرازي مؤذن جامع نيسابور بأن “صوته ضل طريقه إلى حلق محفوف بالشعر،  وكان حقه أن يخرج من بين شفتي المغنية قلم”.

وكان هناك عند مقتل سمنون الذي فُجع به سكان الخانقاه  وأهل نيسابور، وتعجبوا لِمَ يقتل من صام لله عشر سنين، وما رئي إلا باسما وما آذى أحدا؟، وكان عبيد عقب واقعة القتل يترنح في شوارع نيسابور يدعوه كل راء له ليحاكي له  صوت المؤذن وغيره من الأصوات، وهو يمشي حافيا كعادته في جبته المرقعة باهتة الألوان وعمامته السوداء  متجها نحو مجلسه جنب مكتبة البيهقي حيث يراقب المارة والمسافرين والداخلين إلى المسجد الجامع وخان الطاووس، ثم يدخل إلى سرداب الباطنية من طريق دكان حسن الحداد ليكتب التقارير إلى حسن الصباح في قلعة آلموت التي وصفها المؤلف وصاحبها وصفا في غاية الروعة والجمال.

وفي الرواية من الشخوص والمشاهد الجميلة ما يضيق عن الحصر، وقد تعامل الكاتب معها ببراعة كما تعامل مع التراث الكبير للإمام الغزالي ببصيرة ثقافية وتاريخية واعية، وقد ذكر لنا أنه قرأ كل تراث الغزالي وما كتب عنه قديما وحديثا إلا كتبه الفقهية، وهو أمر ظاهر في الرواية.

 وحسنا فعل ابن الدين في إعراضه عن الجدل الفقهي في ذلك العصر؛ فرغم أن العصر شهد تأليف موسوعات فقهية كبرى في الفقه الشافعي  منها كتب الغزالي نفسه إلا أن حجة الإسلام في مراجعاته الأخيرة رأى أن الإغراق في الفقه غير مجد ولا مفيد؛ فعمد نحو كتبه الفقهية الكبرى يختصرها حتى وصل إلى كتابي الوجيز والخلاصة، فكان إعراض المؤلف عن الكتب الفقهية برورا بحجة الإسلام الذي أضحى أبا روحيا لكثير من السالكين إلى الله.

ملاحظات

ولي على الرواية ملاحظات في بعض الحقائق التاريخية وتوظيفها، ورأيت أنه جعل التقدم الحضاري في ذلك العصر قريبا من عصرنا، مع ملاحظات أخرى فاوضت فيها المؤلف فأقنع بردوده عن بعضها، وذكر ما يستأنس به في بعضها الآخر، وهي رواية تاريخية مبهجة جديرة بالقراءة لم يستطع حجاب المعاصرة ستر محاسنها عن قرائها.