هل هناك ما هو أروع وأجمل من أن تجد طلبك، أو حاجتك تتحقق فوراً دون أي تأجيل، أو وعود، أو تسويف؟ لا شك أن المسألة لن تكون محسوسة لمن لم يمر بالتجربة، أو الموقف الذي أتحدث عنه، لكن من خاضها أو مر بها في حياته، سيدرك تماماً ما أتساءل بشأنه وحوله.
وحتى لا أطيل في المقدمة، لنتأمل الموقف التالي..
مهمة استثنائية
حين كان النبي الكريم موسى عليه السلام في حضرة ربه تبارك وتعالى بالوادي المقدس “طوى”، تلقى أمراً للقيام بمهمة ليست كأي مهمة: { اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } (طه: 43) . ولكن لماذا فرعون تحديداً، مع أنه نبي مرسل للناس كافة؟ السبب أنه طغى وتجاوز الحد؛ فقد ادعى الألوهية وتكبر وكان متبوعاً، فكان ذكره أولى، كما يقول الفخر الرازي في تفسيره.
يقول التابعي الجليل وهب بن منبّه في هذه الجزئية: «قال الله تعالى لموسى عليه السلام: اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإنّ معك يدي وبصري، وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري. أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، فبلغه عني رسالتي، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } (طه: 44).. لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي».
المواجهة والمهمة الصعبة
إذن المهمة ليست سهلة؛ إنه فرعون الطاغية الذي عاش موسى في قصره منذ أن كان وليداً حتى شب وترعرع، ثم فر من المدينة بعد أن ارتكب ذنباً كبيراً بقتل أحد أتباع فرعون، فهو اليوم “مطلوب” دون شك، ويخشى إن عرف القوم بأمره أن يقتلوه. أضف إلى كل ذلك، أن هذا الفرعون صار يدّعي الألوهية، والناس تطيعه وتتبعه، وليس من السهل أن يستمع إلى شخص يعرف أدق تفاصيله.. هكذا كان لسان حال موسى عليه السلام.
لكن موسى عليه السلام يتنبه إلى أنه في حضرة ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، الذي إن أراد شيئاً قال له كن فيكون؛ وبالتالي لمَ هذه الخشية؟ بل بدلاً من ذلك، لمَ لا يطلب منه سبحانه ما يعينه على أداء المهمة بالشكل المطلوب؟ ها هنا بدأت طلبات موسى وحاجاته تنهال، وكيف لا وهو في حضرة أكرم الأكرمين؟
أدب السؤال في حضرة الأكرمين
بدأ موسى بالحاجات الشخصية، فكانت الأولى: { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} ، ثم أتبعها بالثانية: { وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} ، والثالثة: { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} (طه، الآيات: 25-28). ثم انتقل إلى الطلبات الخاصة جداً، فكان الطلب الأول غير العادي، الذي لم ولن يطلبه أحد: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي} (طه: 29).
لقد رأى ضرورة وجود شخص يتكامل معه في أداء المهمة، فلم يجد خيراً من أخيه هارون، فصار ببركة هذا الدعاء نبياً. وقد قيل حول هذا الطلب أن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، خرجت في عمرة لها فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري. قالت عائشة: فقلتُ في نفسي: إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال الرجل: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلتُ: صدق والله.
وتقول العامة بلهجتها إن أقوى “واسطة” وتزكية من إنسان لآخر في هذه الدنيا، كانت تزكية موسى لأخيه هارون عليهما السلام، ليكون وزيراً ونبياً، فكان كما أراد، نعم العضيد والوزير.
اللحظة المدهشة: “قد أوتيت سؤلك”
ها هو ذا الكريم المنَّان لا يُخجل ضيفه، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ}. هكذا دفعة واحدة، في جملة واحدة، فيها إجمال يُغني عن التفصيل، وفيها إنجاز بلا وعد ولا تأجيل. كل ما سألته قد أُعطيته فعلاً، وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه “يا موسى”، وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من عباده؟
اليقين المستمر
هكذا هو شأن الدعاء حين تكون في حضرة الكريم المنان. “سل تُعطه”، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد، أن النبي ﷺ مر مع صاحبيه أبي بكر وعمر على عبد الله بن مسعود وهو يصلي، فوقف النبي ﷺ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد». ثم جلس ابن مسعود يدعو الله، فأثنى على ربه وحمده، ثم سأله فأجمل المسألة، فقال النبي ﷺ: «سل تُعطه، سل تُعطه».
فقال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه، فذهبت إليه فوجدتُ أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني بالبشرى، فقلت له: يا أبا بكر، والله إنك لسبَّاق في الخير دائماً.
فاللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين. تقبَّل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبِّت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا.. اللهم آمين
