كان عبد الله بن سالم البصري من أعلام الحديث في القرن الثاني عشر الهجري الأجلاء الذين لم تنل تراجمهم ما تستحقه من العناية والبحث؛ إذ لم يحظَ من الشهرة الجماهيرية التاريخية والدراسة المعاصرة الواسعة بما يتناسب مع حجم إسهاماته العلمية، وعطائه الكبير، وتأثيره في الأسانيد الإسلامية وخدمة السنة النبوية ونقلها.
وهو عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري المسند المكي، جمال الدين، المعروف بـ “عبد الله بن سالم البصري المكي”، أصل أجداده من البصرة بالعراق، وُلِد بمكة سنة 1050هـ، أو 1049هـ، أو 1048هـ، وتوفي بها سنة 1134هـ.
وكان إماماً جليلاً، وخاتمة المحدثين، ومسند الحجاز في عصره؛ وقد لُقِّب بـ “مسند الحجاز”، و”قارئ صحيح البخاري في جوف الكعبة المشرفة”، و”أمير المؤمنين في الحديث” لرفعة أسانيده وكثرة روايته. وعُرِف بتصحيحه للكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وقضى نحو عشرين سنة في تصحيح وضبط كتاب صحيح البخاري، وصار مسند الزمان، وقصده طلاب العلم من الآفاق، إضافة إلى كونه عالماً بارزاً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي.
“وقد أخذ عنه من أهل الحرمين والشام والمشرق واليمن ما لا يحصى عددهم.”[1] حيث “حدث عنه شيوخ العصر وشيوخ المشائخ، منهم: المعمر محمد بن حياة السندي نزيل المدينة المنورة، ومنهم العلامة إسماعيل بن محمد العجلوني وغيرهما”[2]. ويُعَدُّ الشيخ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب[3] من الذين تلقى عنهم العلم في بداية الطلب.
قال عنه المحدث المسند محمد بن أحمد الجوهري المصري: “محدث العصر وإمامه، وجهبذه وهمامه، أمير المؤمنين في الحديث”[4]. وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن الأهدل: “الشيخ، العلامة، المحدث، عبد الله بن سالم البصري المكي، قارئ صحيح البخاري في جوف الكعبة المشرفة[5]. وقال الحافظ مرتضى الزبيدي: “الإمام، المحدث، الحافظ، قد اتفقوا على أنه حافظ البلاد الحجازية[6]. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن الجبرتي: “الشيخ الإمام خاتمة المحدثين”[7]. وترجم له العلامة الشيخ عابد السندي الحنفي فقال: “إمام الحديث، والمقدم في عصره، شيخ مشايخنا، عبد الله بن سالم البصري، فهو إمام عصره، ونقطة دائرة دهره، طار صيته في الآفاق، وانعقد على فضله الوفاق، جَمَعَ في علم الحديث بين الرواية والدراية، وبلغ من التحقيق إلى أكمل غاية، وصنَّف التصانيف الفائقة”[8]. وقد أرخ بعضهم وفاته بقوله: “أعلم الحديث ماتَ”، وآخر بقوله: “ابكِ له مات إمام الحديث”[9].
تاريخ انتقال مسند الإمام أحمد وروايته
يحوي مسند الإمام ما يقارب سبعة وعشرين ألف حديث، وانتقلت نسخته عبر القرون من خلال سلسلة إسنادية محكمة، تتابعت فيها الرواية سماعاً وقراءةً، جيلاً بعد جيل، وفق منهج المحدثين الرصين الآتي:
1. الإسماع الأول والتدوين
جَمَعَ الإمام أحمد بن حنبل أحاديث مسنده وانتقاها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً من الأحاديث النبوية، ثم أودعها في أوراق مفرّقة وأجزاء متعددة طوال حياته دون ترتيب نهائي، ولم يُرِد أن يرويه للناس عامة لأنه جعله كالمسودة الخاصة حتى يستوي على الشكل الذي يرضاه من الترتيب والتنقيح الكامل. وعندما أحس بدنو أجله، بادر بإسماعه وقرأه في أواخر حياته على أهل بيته: ابْنَيْه عبد الله بن أحمد وصالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق.
وقال حنبل بن إسحاق: “جَمَعَ عمي لي ولصالح ولعبد الله، وقرأ علينا المسند وما سمعه منه يعني تماماً غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً”[10].
2. انفراد عبد الله بن أحمد بالرواية والترتيب
انفرد ابنه الحافظ عبد الله بن أحمد بن حنبل بسماع كامل المسند وضبطه وروايته؛ نظراً لانشغال أخيه صالح بنفقة عياله، واهتمام حنبل بن إسحاق بالمسائل الفقهية.
وقال عبد الله: “كل شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين وثلاثة، وأقله مرة”[11]. وهذا يعطينا صورة عن شدة ملازمته لأبيه وعنايته بالسماع عنه؛ ولهذا أوصاه الإمام أحمد بالمسند، كما جاء عن عبد الله أنه قال: “قال لي أبي: احتفظ بهذا المسند، فإنه سيكون للناس إماماً”[12].
ثم قام عبد الله بتنفيذ الوصية حق القيام، وبذل جهداً عظيماً في ترتيب أجزاء المسند وتنسيقه، كما أضاف أحاديث عُرفت بـ “زيادات عبد الله” سمعها من عوالي شيوخه، وأحاديث وجدها بخط أبيه ولم يتسنَّ له سماعها منه؛ ولذلك صار عبد الله هو الطريق الأساسي الوحيد الذي وصل به المسند إلينا.
قال الإمام الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد: “روى عن أبيه شيئاً كثيراً، من جملته “المسند” كله[13]. وأصبحت السلسلة المشهورة للمسند: عبد الله بن أحمد عن الإمام أحمد بن حنبل.
وقال ابن المنادي: “كان صالح قليل الكتاب عن أبيه، فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه رحمه الله منه، سمع المسند وهو ثلاثون ألفاً”[14].
وهذه عبارة أيضاً قوية جداً في بيان مكانة عبد الله في رواية تراث أبيه، علاوة على أنه لم يكن مجرد ناقل لعلم أبيه، إذ هو نفسه معدود من قلائل أئمة ونقاد عصره.
3. الطريق المشهورة في إسناد المسند
ثم دارت رواية المسند المتداولة في الأمصار الإسلامية على طريق مشهورة اتصلت بها أسانيد الحفّاظ والمحدثين:
- أبو بكر القطيعي، أحمد بن جعفر بن حمدان، سمعه من عبد الله بن أحمد ببغداد، وهو الراوي الرئيس للمسند كاملاً عنه، ولهذا نجد في أسانيد المسند: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي.
- ابن المُذْهِب التميمي، أبو علي الحسن بن علي، روى المسند كاملاً بسماعه عن القطيعي، وقسّمه ورتّب أجزاءه.
- ابن الحصين، أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني، سمعه من ابن المُذْهِب.
- حنبل بن عبد الله الرصافي، سمع المسند كاملاً من ابن الحُصين، ورحل به إلى دمشق فحدّث به وسمعه منه جَمْعٌ غفير من كبار الأئمة.
- انتقال المسند إلى المتأخرين: انتشر المسند بعد طبقة حنبل الرصافي في بلاد الشام ومصر وسائر الحواضر الإسلامية عبر تلاميذه، مثل: الفخر ابن البخاري، والمُسْلِم بن علّان، وزينب بنت مكي، ثم تلقاه أئمة الحديث الكبار بالسماع والإجازة كـ الحافظ المزي، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وهكذا.
جهود عبد الله بن سالم البصري في خدمة مسند أحمد
يظهر دور الشيخ في خدمة المسند من خلال الأمور الآتية:
أولاً: توحيد أجزاء مسند الإمام أحمد بعد تفرّقها
مشكلة تفرق نسخ المسند: مع مرور الوقت، وخاصة بحلول القرن الثاني عشر، لم تبقَ نسخة واحدة مقابلة على أصل الإمام أحمد من أول الكتاب إلى آخره، بل تفرقت رواياته ونسخه وأجزاؤه بين المحدثين. وهنا تظهر أهمية العلماء المتأخرين الذين اعتنوا بجمع ما تفرق من رواياته ومقابلة نسخه، ومن أبرز هؤلاء الحافظ عبد الله بن سالم البصري، ويُعَدُّ فعلاً من أهم الشخصيات في تاريخ خدمة مسند أحمد في العصر المتأخر؛ فقد حصل على رواية المسند بسند عالٍ نسبياً، عن شيخه محمد بن علاء الدين البابلي، واعتنى بنسخته عناية شديدة، فعمل على جمع المسند وتأليفه في نسخة متكاملة.
قال عنه الوجيه الأهدل: “جمع مسند أحمد بعد أن تفرَّق أياديَ سَبَأ، وصححه، وصارت نسخته أُمَّةً”[15]. وقوله: “تفرق أيدي سبأ” يعني ضياع وتشتت أجزاء وأوراق النسخ المعتمدة من المسند في البلدان، فقام الشيخ بالرحلة لجمعها وتحقيقها وضبطها.
وفي كتاب مجمع الأمثال: “ذَهَبُوا أَيْدِي سَبَأ، وَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَأٍ” أي تفرقوا تفرقاً لا اجتماع معه[16]. ونقل الكتاني مثل هذه العبارة عن ابن إدريس الشهير بالشماع الصعيدي المكي في ترجمة البصري أنه قال: “جمع مسند الإمام أحمد بعد أن تفرق أيدي سبأ، وكاد أن يكون كالهبا، وصحح منه نسخة صارت كعبة لمن أمّها”[17]. وقوله: “وكاد أن يكون كالهبا” أي بعد أن كادت تفرقه النسخ وتضيع أصوله فقام بجمعه وتصحيحه وضبطه.
وبهذا يكون البصري بحق حلقة مهمة في تاريخ حفظ نص المسند وإنقاذه من حالة التفرق وتوحيده في نسخة جامعة.
ثانياً: مقابلة نسخ المسند وتصحيحها وضبطها
اعتنى عبد الله بن سالم عناية شديدة بتصحيح نسخة المسند ومقابلتها بالأصول والروايات، شأنه في ذلك شأن عنايته بالكتب الستة؛ فمصطلح المقابلة عند المحدثين يعني عرض النسخة على أصلٍ موثوق أو على فرعٍ قوبل بأصل، للتأكد من عدم وقوع السقط والتحريف والخطأ في النقل، بما في ذلك أيضاً: ضبط ألفاظ المتون، وضبط الأسانيد وأسماء الرواة، وإثبات ما في الأصل من اختلاف الروايات.
وكان ابن سالم البصري معروفاً بعناية بالغة بضبط الكتب الحديثية، وأوضح شاهد على ذلك عمله في صحيح البخاري؛ فقد استغرق في كتابته وتصحيحه نحو عشرين سنة، ووصفت نسخته بأنها المنتهى في الصحة والمقابلة والضبط. وهذا يعطينا قرينة قوية على طبيعة منهجه في خدمة الكتب الحديثية ومنها المسند، فعبارة الشيخ الأهدل: “جمع مسند الإمام أحمد بعد أن تفرقت أيادي سبأ؛ وصححه وصارت نسخته أمّاً” توحي بأن عمله لم يكن مجرد نسخ نسخة واحدة، بل إعادة جمع المادة المتفرقة ومقابلة الروايات وتصحيحها على وفق معنى المقابلة عند أهل العلم بالحديث.
ولذلك اشتهرت نسخته بين أهل العلم، وأصبحت مرجعاً لمن أراد ضبط نص المسند؛ ولذا وصف الشماع الصعيدي نسخته بأنها “كعبة لمن أمّها”، وأن العلماء نقلوا منها نسخاً انتشرت في الحرمين وسائر البلاد. وتوجد مخطوطة من المسند منسوخة عن أصل عبد الله بن سالم، وفيها فروق وحواشٍ تشير إلى مقابلة نسخ أخرى، مما يدل على استمرار تقليد نسخته ومقابلتها.
ثالثاً: إحياء رواية المسند وإسناده
للشيخ إسهامات وجهود مباركة في نقل المسند إلى طبقات متأخرة من المحدثين، ولم يقتصر جهده على الجانب الكتابي أو مجرد امتلاك نسخة منقحة محررة، وإنما تعدى ذلك إلى جهة إحياء روايته المسندة في القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجريين؛ فقد روى المسند عن شيخه محمد بن علاء الدين البابلي، إلى أن ينتهي السند إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه الإمام أحمد.
وفي صدر النسخة التي رواها عبد الله بن سالم، كتب إسناده بنفسه، فقال: “أروي مسند الإمام الحجة أحمد بن محمد بن حنبل عن شيخنا شيخ الإسلام الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي، وذلك بقراءة شيخنا وأستاذنا الشيخ عيسى بن محمد المغربي المالكي عليه عام مجاورته بمكة المشرفة سنة سبعين والثلف…[18]. ثم ساق الإسناد إلى أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن أحمد عن الإمام أحمد بن حنبل، مما يدل على أنه كان واعياً بأهمية الإسناد بوصفه جزءاً من هوية الكتاب الحديثي، وأن انتقال المسند عنده لم يكن انتقالاً نصياً مجرداً، وإنما انتقال قائم على الرواية والتلقي. وبذلك حافظ على سلسلة الإسناد الحديثية للمسند، حتى تناقله المحدثون في الحجاز والعالم الإسلامي، واستمر تداوله وانتقاله إلى العصر الحديث بالشرف.
رابعاً: إقراء المسند وإسماعه للطلاب
يُعَدُّ إقراء عبد الله بن سالم البصري المسند للطلاب من أهم مظاهر عنايته بمسند الإمام أحمد، إذ نقل الكتاب من مجرد مخطوط مصحح إلى كتاب مقروء متداول بين طلاب الحديث. وتبرز أهمية ذلك في أن الإقراء والسماع كانا من أهم وسائل انتقال كتب الحديث وطرق التحمل عند المحدثين؛ فلم يكن الكتاب ينتقل بمجرد نسخه، بل كان الطالب يقرأ على الشيخ أو يسمع منه، ثم يُثْبَت له طريق الرواية.
فقد عقد الشيخ مجلس إقراء المسند في الروضة النبوية بالمدينة المنورة في ستة وخمسين مجلساً سنة 1121هـ كما قال الكتاني. وتذكر مقدمة طبعة مسند أحمد التي اعتمدت على نسخة دار الكتب المصرية أن هذه النسخة: “هي نسخة العلامة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي… وقد قرأها عليه العالم الشيخ محمد بن عبد الله المغربي في المسجد النبوي في ستة وخمسين مجلسًا[19]. مما يؤكد على أن عمله لم يكن مجرد عمل مكتبي على نسخة خطية، بل كان إحياءً فعلياً لرواية المسند بالسماع وإعادة إدخاله في دورة الرواية الحديثية الحية. لذا نجد محمد بن عبد الله المغربي أصبح فيما بعد من علماء المسجد النبوي، فدرس بالحرم الشريف وانتفع به الطلبة، وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة.
وفي فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني، في ترجمة محمد بن عبد الله المغربي، جاء: “وأخذ به أبي طاهر الكوراني، وعبد الله بن سالم البصري وطبقتهم، وسمع على البصري مسند أحمد في ستة وخمسين مجلسًا في الروضة الشريفة النبوية، وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة[20]. وقوله: “وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة” يعني أن أثره العلمي لم يكن مقصوراً على تلقيه عن عبد الله بن سالم، إنما أصبح هو نفسه شيخاً يروي عنه الطلاب، وهذا يجعل دوره واضحاً في استمرار السلسلة العلمية بعد شيخه البصري.
خامساً: إسهامه في نشر نسخة المسند وتداولها
كانت نسخة الشيخ عبد الله للمسند من الشهرة بحيث أخذ عنها العلماء ونسخوا منها نسخاً انتشرت في البلاد. وتقدم أنها وُصِفَت بأنها “صارت أمّاً”، وهو تعبير يدل على تحولها إلى أصل يُرجَع إليه في نقل المسند واستنساخ نسخه، كما قُرِئَت نسخته على عدد من أهل العلم، “وقد كانت هذه النسخة تقرأ بمحضر من أعيانِ أهل المدينة ومن الفضلاء الذين قَدِمُوا من مكة إلى المدينة بصحبةِ الشيخ عبد الله بن سالم البصري”[21].
وكانت الغالبية العظمى من علماء الحجاز، واليمن، والشام، ومصر، والبلاد الإسلامية يروون “مسند أحمد” بأسانيد متصلة تمر عبر طريق الشيخ عبد الله بن سالم البصري. ويذكر أحمد بن إدريس الشماع الصعيدي المكي أن النسخة التي صححها عبد الله بن سالم: “نقل منها السادة العلماء نسخاً سارت في الآفاق وانتشرت في الحرمين انتشاراً طار في الخافقين، وأرسل إليه ابنُه البارُّ نسخةً أوقفت بطيبة الشريفة، وأخرى بجامع مصر”[22]. وهذا دليل تاريخي على إدخال نسخه في مؤسسات علمية وقفية؛ نسخة أوقفت بطيبة الشريفة (المدينة المنورة)، ونسخة أخرى أوقفت بجامع مصر (أحد المراكز العلمية الكبرى في مصر)، مما يساعد على بقائها وإتاحتها للعلماء والطلاب، واستمرار تداولها في العصور اللاحقة.
سادساً: أثر نسخته في الدراسات والتحقيقات الحديثة للمسند
لم ينقطع أثر جهود الحافظ عبد الله بن سالم البصري في خدمة مسند الإمام أحمد بوفاته أو بانتشار نسخته بين العلماء في عصره، فقد ظل عمله المخطوط حاضراً في خدمة مسند الإمام أحمد إلى العصر الحديث؛ أي أن نسخة الشيخ انتقلت من كونها أصلاً للرواية والنسخ إلى كونها شاهداً مخطوطاً يُعتمد عليه في تحقيق النص ومقابلته لإخراج هذا الكتاب العظيم بأبهى وأدق صورة ممكنة.
ومن الشواهد المهمة على ذلك أن الدراسات الحديثة في مخطوطات المسند ما زالت تذكر نسخة عبد الله بن سالم ضمن النسخ الأساسية الباقية، حيث يستفيد منها المحققون المعاصرون في مقابلة الروايات وإثبات الفروق بين النسخ. وقد أثبت محققو طبعة مؤسسة الرسالة أن النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم (448، 449) هي نسخة عبد الله بن سالم، ووصفوها بالنفاسة والإتقان، ورمزوا لها بالرمز “س”، وقالوا إنها: “قُوبِلَتْ على عِدَّةِ نُسَخٍ خطية أكثرُها قديم، منها نسخةُ الحافظ ابنِ عساكر… وقد حُليت الهوامش بتعليقات نفiseة تتضمن تصحيحَ بعضِ ما وقع من الخطأ عند النسخ، وإثباتَ فروق النسخ، وتصويبَ الخطأ الواقع في أسماء الرواة، والتعريفَ ببعض الرواة المبهمين، وتفسيرَ الألفاظ الغريبة، وقد كانت هذه النسخة تقرأ بمحضر من أعيانِ أهل المدينة ومن الفضلاء الذين قَدِمُوا من مكة إلى المدينة بصحبةِ الشيخ عبد الله بن سالم البصري”[23].
لذا بقيت نسخة الشيخ بوضوح كالعمود الفقري المقارن به أو الميزان الدقيق الذي لا يُستغنى عنه، حيث يلجأ المحققون دائماً إلى ترجيح ضبطه وضبط تلميذه محمد بن عبد الله المغربي – الذي قرأ عليه النسخة في المسجد النبوي – عند اختلاف النسخ الأخرى أو غموض الكلمات؛ لما تميز به الشيخ من الدقة المتناهية في ضبط الألفاظ وأسماء الرواة، وإثبات الفروق الدقيقة بين الروايات الحديثية للمسند، وخلوها من سقط النسّاخ الشائع في المخطوطات الأخرى.
خلاصة جهود عبد الله بن سالم البصري في خدمة مسند أحمد: بدأت بجمع أجزاء المسند بعد تفرقها، ثم مقابلة النسخ وتصحيحها وضبطها، ثم إقرائها للطلاب وإحياء روايتها ونقله إلى طبقة جديدة من أهل العلم حتى غدت نسخته أصلاً معتمداً عند المحدثين، ونُسخت عنها نسخ انتشرت في الحرمين ومصر وغيرها. ومن ثمّ أسهمت جهوده في صيانة نص المسند من الضياع، وفي المحافظة على مادته الحديثية وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة، حيث أفاد منها محققو طبعة مؤسسة الرسالة وغيرهم في مقابلة النص وتحقيقه. وبذلك كان عبد الله بن سالم أحد أبرز من أسهم في حفظ نص المسند وإحياء روايته في العصور المتأخرة.