قلَّ أن اجتمعت في رجل من رجالات الإسلام صفات القوة والحزم والفقه والعدل كما اجتمعت في الفاروق عمر رضي الله عنه، وقلَّ أن ترك رجل بعد رسول الله وصاحبه أبي بكر أثرًا في تاريخ الدولة الإسلامية كما تركه الفاروق. لم تبدأ عظمة عمر يوم أصبح أميرًا للمؤمنين، وإنما بدأت منذ أن دخل الإسلامُ قلبَه، فتحولت قوته التي عُرف بها إلى قوة للدين، ثم صقلته صحبة رسول الله ، حتى انتهى به الأمر إلى أن يكون الرجل الذي اختاره أبو بكر لقيادة المسلمين من بعده.

هو عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، يجتمع نسبه مع رسول الله في كعب بن لؤي، وكان من أشراف قريش، معروفًا بالقوة والشدة، وكان في أول أمر الدعوة شديدًا على المسلمين، ثم أراد الله لهذه القوة وجهة أخرى، فكان إسلامه حدثًا ظاهر الأثر في تاريخ الدعوة المكية.

قوة جديدة للإسلام

كان رسول الله يرجو أن يعز الله الإسلام بأحد رجلين عُرفا بالقوة والمنعة في قريش، فقال: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب)، قال ابن عمر: “وكان أحبهما إليه عمر”. رواه الترمذي. فاستجاب الله دعوة نبيه ، وأسلم عمر في مكة قبل الهجرة بسنوات، وكان لإسلامه أثر كبير في نفوس المسلمين، حتى اختصر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذلك بقوله: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. رواه البخاري. وهذه الشهادة تكشف لنا جانبًا مهمًا من أثر إسلامه رضي الله عنه؛ فلم يكن دخول رجل واحد في الإسلام ليغير ميزان العدد بين المسلمين وقريش، لكنه غيَّر شيئًا من ميزان القوة المعنوية؛ فقد انضم إلى المسلمين رجل شديد البأس، قوي الشخصية، لا يعرف التردد إذا اعتقد الحق، ثم إن الإسلام لم يلغ ما في عمر من قوة وشدة، وإنما هذبهما ووجههما؛ فتحولت القوة التي كانت يومًا في مواجهة الدعوة إلى قوة في نصرتها، وتحولت الجرأة إلى صدع بالحق، ثم أصبحت بعد ذلك حزمًا في إدارة الدولة وحماية حقوق الناس.

في مدرسة النبوة

هاجر عمر إلى المدينة، وصحب رسول الله ، وشهد معه المشاهد كلها، وكان قريبًا منه في كثير من الأحداث الكبرى؛ فتكوَّنت خلال هذه الصحبة شخصيته العلمية والقيادية. فلم يكن عمر صاحب قوة وشجاعة فحسب، بل كان صاحب عقل وفقه ونظر، حتى وافق القرآنُ رأيَه في عدد من المواطن. قال رضي الله عنه: “وافقت ربي في ثلاث”، وهي: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، والحجاب، وموقفه من أزواج النبي كما روى البخاري؛ بل إن موافقة القرآن له كانت في أكثر من ذلك من المواقف؛ حتى شهد له رسول الله بما يدل على نفاذ بصيرته وإصابة رأيه، فقال: (إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب) ومسلم. كما شهد له بالعلم؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: (بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (العلم) رواه البخاري.

عمر إلى جانب الصديق

بعد وفاة رسول الله كان عمر من أبرز الرجال الذين قامت عليهم دولة الخلافة الجديدة، وكان موقفه في سقيفة بني ساعدة من أسباب سرعة حسم أمر الخلافة لأبي بكر، ثم أصبح بعد ذلك من أقرب مستشاري الصديق رضي الله عنهما، ولم تكن صحبته لأبي بكر قائمة على الموافقة في كل شيء، بل كان لكل منهما اجتهاده؛ فقد عارض عمر أول الأمر قتال مانعي الزكاة، فلما بيَّن له أبو بكر وجه اجتهاده قال عمر: “فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق” رواه البخاري. وهذه الحادثة وغيرها تكشف عن خصلتين اجتمعتا فيه: الشجاعة في إبداء الرأي، والشجاعة في الرجوع عنه حين يظهر له وجه الحق، ثم ظل عمر طوال خلافة أبي بكر قريبًا من مركز القرار، مشاركًا في تدبير شؤون الدولة.

لماذا اختار أبو بكر عمرَ؟

حين اشتد المرض بأبي بكر رضي الله عنه وأحس بدنو أجله، كانت الدولة الإسلامية قد خرجت من حروب الردة، وبدأت جيوشها تتحرك في العراق والشام، وكان انتقال السلطة في تلك الظروف أمرًا يمس استقرار الدولة كلها؛ فاتجه نظر الصديق إلى عمر بن الخطاب، ولم يكن اختياره توريثًا للسلطة؛ فعمر ليس من بني تيم قوم أبي بكر، ولا تربطه به قرابة تجعل تقديمه مفهومًا بمنطق الأسرة، وإنما كان اختيارًا قائمًا على معرفة طويلة بالرجل وكفاءته، ومكانته بين المسلمين أيضا، ثم إن أبا بكر لم ينفرد برأيه في ذلك دون مشاورة؛ بل استشار عددًا من كبار الصحابة في عمر، فقد روى ابن سعد وغيره أن الصديق سأل عبد الرحمن بن عوف عنه فقال: “هو والله أفضل من رأيك فيه”، وسأل عثمان بن عفان فقال: “سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله”، ثم كتب أبو بكر عهده لعمر، وأُعلن الأمر للمسلمين، فقبلوا وبايعوه، وهكذا لم يكن انتقال الخلافة قرارًا عائليًا، أو توريثًا للسلطة؛ وإنما اجتمع فيه اختيار الخليفة القائم بعد المشاورة، ثم قبول المسلمين وبيعتهم.

إلى خلافة المسلمين

توفي أبو بكر الصديق رضي الله عنه سنة ثلاث عشرة للهجرة، فانتقلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإسلامية، فكان الذي تسلم الدولة هو نفسه الرجل الذي قال ابن مسعود عن أثر إسلامه: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر”، لكنه لم يعد ذلك الرجل الذي دخل الإسلام بقوته وشجاعته فحسب.

لقد أضاف إسلام عمر إلى المسلمين قوة، وأضافت التربية النبوية إلى قوته علمًا وفقهًا، وأضافت تجربته مع أبي بكر إلى ذلك خبرة بشؤون الحكم؛ حتى إذا توفي الصديق كان عمر مهيأً لحمل مسؤولية الخلافة.