يُعتبر كتاب المحلى لابن حزم من أهم المراجع الفقهية في التاريخ الإسلامي. وكان أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ركناً من أركان العلم، ومن كبار علماء القرن الخامس الهجري (المتوفى سنة 456 هـ). كان حافظاً، وأديباً، وشاعراً، وطبيباً، وفقيهاً مجتهداً، ومجدداً للمذهب الظاهري. ولد في مدينة قرطبة بالأندلس عام 384 هـ، ونشأ في الترف وقصور الوزارة، وتولى الوزارة فترة من الزمن، ثم زهد فيها وانقطع تماماً للعلم والتأليف.

تحول الإمام ابن حزم في بداياته من المذهب الشافعي وخرج من التمذهب إلى مرحلة الاجتهاد المطلق، ليجدد المذهب الظاهري ويدافع عنه بعد أن كاد يندثر. وقد أوذي في سبيل ذلك إيذاءً شديداً بسبب أسلوبه ونهجه الشديد، وفكره الذي أثار غضب فقهاء عصره، ولا سيما أهل بلده من المالكية، مما أدى إلى إقصائه من قبل بعض الحكام وتشريده عن وطنه، فعاش متنقلاً حتى استقر في عزبة لأبيه ومات فيها عام 456 هـ عن عمر ناهز 72 عاماً.

وقد خلّف ابن حزم من التراث العلمي ما يقارب 400 كتاب ورسالة وفق قول ابنه الفضل، ولكن ضاع أغلبها. ومن أشهر ما وصلنا منه:

  • في الفقه: كتاب “المحلى في شرح المجلى”.
  • في أصول الفقه: كتاب “الإحكام في أصول الأحكام.
  • في العقيدة والفرق والأديان: كتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل”.
  • في الأدب والحب: كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف”.

رحمه الله تعالى ورحمة واسعة.

علاقة كتاب “المحلى” بكتب ابن حزم الأخرى

لإمام الأندلس ابن حزم كتابٌ عبارة عن متن فقهي مختصر سماه “المُجَلَّى”، أورد فيه آرائه الفقهية واختياراته على مذهب الظاهرية، واقتصر فيه على الأحكام الشرعية باختصار شديد ومما أوجبه القرآن والسنة الثابتة فقط.

وله كتاب آخر كبير في فقه الحديث أسماه “الإيصال إلى فهم الخصال” في خمس وعشرين ورقة (كما ذكر الحافظ الذهبي)، وكان هذا الكتاب شرحاً لكتابه المتن الحديثي الواقع في مجلدين باسم “الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع”، أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين عبر القرون. وعنه يقول ابن حزم:

“فكل ما روي في ذلك — يعني نصوص القرآن والسنة — منذ أربعمائة عام ونيف وأربعين عاماً من شرق الأرض إلى غربها قد جمعناه في الكتاب الكبير المعروف بـ ‘كتاب الإيصال’ ولله الحمد، وهو الذي أوردنا منه ما شاء الله تعالى”.[1]

ثم عاد أبو محمد إلى مختصره “المُجَلَّى” في الفقه فقام بشرحه بناءً على طلب إخوانه وطلابه، وسمّى شرحه “المحلى بالآثار”، ورام فيه الشرح المختصر.

وبهذا نجد أن كتاب “المحلى” يرتبط بكتب ابن حزم الأخرى ارتباط الأصل بالشرح أو الامتداد العلمي، وكأنه الثمرة العملية لمنهجه العلمي الذي أسسه في كتبه الأصولية والعقدية.

غرض ابن حزم من تأليف كتاب “المحلى”

أوضح ابن حزم غرضه من التأليف في مقدمة الكتاب قائلاً:

“فإنكم رغبتم أن نعمل للمسائل المختصرة التي جمعناها في كتابنا الموسوم ‘بالمجلى’ شرحاً مختصراً أيضاً، نقتصر فيه على قواعد البراهين بغير إكثار، ليكون مأخذه سهلاً على الطالب والمبتدئ، ودرجاً له إلى التبحر في الحجاج، ومعرفة الاختلاف، وتصحيح الدلائل المؤدية إلى معرفة الحق مما تنازع الناس فيه، والإشراف على أحكام القرآن، والوقوف على جمهرة السنن الثابتة عن رسول الله وتمييزها مما لم يصح، والوقوف على الثقات من رواة الأخبار وتمييزهم من غيرهم، والتنبيه على فساد القياس وتناقضه وتناقض القائلين به”.[2]

ويتبين من خلال هذا النص أنه أراد تقريب العلم والفقه للطالب المبتدئ بشكل مختصر والتدرج به في طلب العلم، مع الاعتماد على الأدلة والبراهين في بيان الأحكام الشرعية. فجعل كتابه “المحلى” بمثابة المرحلة التمهيدية في التحصيل والتأسيس قبل التوسع والتعمق، مؤكداً أن طالب العلم يحتاج إلى الجمع بين علوم متعددة: كالفقه، وأصول الاستدلال، والحديث، وعلوم الرجال؛ ليكون على بصيرة في استنباط الأحكام، ومعرفة مسائل الخلاف بين العلماء مع الوقوف على أدلتها، والحرص على الوصول إلى الحق من خلال الدليل الصحيح لا بمجرد التقليد.

ويقصد بالإيجاز والاختصار أنه نوى بتأليف الكتاب أن يكون كتاباً تعليمياً ميسراً للمبتدئين، يزرع فيهم منهج الاستدلال الشرعي ومعرفة الصحيح من الأدلة، وفق منهجه الظاهري الذي يرفض القياس.

ترتيب كتاب “المحلى” ومضمونه

استهل ابن حزم الكتاب بمقدمة منهجية مهمة تناول فيها مسائل التوحيد والعقيدة، ثم أتبعها بمسائل في أصول الفقه والحديث ناقش فيها عدداً من القضايا الأصولية والحديثية (ومن ذلك مسألة القياس).

ثم شرع في عرض الأحكام الفقهية مرتبة على أبواب الفقه المعتادة:

  1. الطهارة والصلاة
  2. المعاملات والزواج
  3. الحدود والجنايات

مع تقسيم كل باب إلى مسائل مستقلة، بلغ مجموعها (2308) مسألة.

إتمام الكتاب واستكماله

توفي أبو محمد ابن حزم قبل أن يتم الكتاب، حيث توقف عند المسألة رقم (2023)، ثم تولى ابنه الفضل أبو رافع استكماله، مضيفاً (285) مسألة مستمدة من كتاب والده “الإيصال” بعد اختصارها وتلخيصها، حتى اكتمل الكتاب ووصل إلى صورته المتداولة اليوم.

طريقة ابن حزم في عرض الخلاف الفقهي

تتلخص طريقة ابن حزم في العرض بـ:

  • طرح المسألة الفقهية الخلافية وإيراد الحكم الشرعي فيها كما يراه ويتبناه.
  • استعراض آراء المذاهب الأخرى، ولا سيما آراء أبي حنيفة ومالك والشافعي.
  • مناقشة الآراء مناقشة نقدية مستندة إلى الأدلة الشرعية ومبتعدة تماماً عن القياس.
  • استخدام أسلوب يتسم بقوة الحجة، والجرأة العلمية، وشدة الانتقاد في مواضع كثيرة.

القيمة العلمية لكتاب “المحلى”

أحصى الأستاذ محمد رواس قلعجي نحو (12903) رأياً نقلها ابن حزم عن (546) عالماً من علماء السلف، إضافة إلى نحو (250) مسألة نسب فيها الاتفاق إلى جماعة من الصحابة دون أن يُعرف لهم فيها مخالف.[3]

وهذا يدل على أن الكتاب يستوعب عدداً هائلاً من المسائل الفقهية، ويزخر بآراء الصحابة والتابعين والأئمة الفقهاء، مما يجعله مصدراً غنياً بالحديث النبوي وآثار السلف، ومرجعاً ثرياً في الفقه المقارن (سواء في معرفة الخلاف العالي أو النازل) بما في ذلك الفقه الظاهري. يضاف إلى ذلك ما اشتمل عليه من تحليل الأدلة ومناقشة المسائل الخلافية، مما بوأه مكانة علمية سامقة في التراث الإسلامي.

ثناء العلماء على الكتاب:

  • العز بن عبد السلام: كان سلطان العلماء يرفع من شأنه ومنزلته بموازنته بأجل كتب الفقه الحنبلي، حيث قال:
    ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل ‘المحلى’ لابن حزم، وكتاب ‘المغني'”.وقد نقل الإمام الذهبي هذا التقرير موافقاً له وقال:”لقد صدق الشيخ عز الدين، وثالثهما ‘السنن الكبير’ للبيهقي، ورابعها ‘التمهيد’ لابن عبد البر، فمن حصل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين وأدمن المطالعة فيها فهو العالم حقاً.[4]
  • ابن تيمية: بلغ من عناية شيخ الإسلام بالكتاب وإعجابه به إلى حد أنه كان يستحضره عن ظهر قلب كما قال تلميذه الصفدي؛ لما فيه من الاعتماد القوي على الاستدلال الواسع بنصوص الكتاب، والحرص الشديد على التمسك بالآثار الصحيحة، والعناية بتمييز مراتب الأحاديث والاحتجاج بما صح منها ورد ما لم يثبت، والتمييز بين الثقات وغيرهم، والاستقلالية التامة عن التقليد الأعمى.

المآخذ على كتاب “المحلى”

تنحصر المآخذ والنقود الموجهة لكتاب المحلى في ثلاثة جوانب رئيسية:

أولاً: الجانب العقدي

قال الحافظ ابن كثير:

والعجب كل العجب أنه كان ظاهرياً في الفروع، لا يقول بشيء من الأقيسة، لا الجلية ولا غيرها، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول؛ لأنه كان قد تضلع أولاً من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي.[5]

وفي مقدمة الكتاب يوجد لأبي محمد بعض المزالق في الجانب العقدي في تقريره لبعض مسائل الصفات بطريقة فيها تأويل ونفي لبعض معاني الصفات، أو إثبات الأسماء مجردة عن بعض متعلقاتها؛ تأثراً ببعض طرائق المتكلمين في الاستدلال العقدي والاعتماد على المبادئ العقلية والمنطق الكلامي في تقرير أصل التوحيد قبل رد الأمر للنصوص. ومن ذلك ميله إلى أن أسماء الله الحسنى أعلام محضة لا تدل على معانٍ زائدة عن الذات على طريقة المعتزلة والجهمية. غير أن كتاب “المحلى” كتاب فقهي وليس كتاباً متخصصاً في العقيدة، ولذلك فإن المآخذ العقدية فيه قليلة مقارنة بكتبه الأخرى.

ثانياً: الجانب السلوكي والأخلاقي (حدة الأسلوب)

  • وصفه الإمام الذهبي بقوله:
    “متبحر في النقل، عديم النظير، على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع لا الأصول، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب، وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله بحيث أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة هجروها ونفروا منها”.[6]
  • وقال ابن كثير:
    “وكان ابن حزم كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه فأورثه ذلك أحقاداً في قلوب أهل زمانه، وما زالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم فطردوه عن بلاده حتى كانت وفاته”.[7]
  • وقال أبو العباس ابن العريف:
    “كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين”.[8]

وقد عرف ابن حزم بأخذه بهذا الأسلوب الجريء وقلمه الحاد في “المحلى” والوضوح عند مناقشة آراء الفقهاء والرد على المخالفين دون مداراة أو تلطف؛ فكان يكثر من ذم أئمة المذاهب والتقليل من أقوالهم، ويستعمل ألفاظاً قاسية أو يصف بعض الأقوال بعبارات شديدة، ويبالغ في الإنكار حتى في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف. وإن كان قد اعتذر له بعض العلماء بأن حدته كانت ناشئة عن طبيعته الشخصية، وغيرته البالغة على الدليل الشرعي ونبذه للتقليد، ونشأته الأولى في قصور الوزراء.

ومن هنا ينصح بعض أهل العلم طالب العلم المبتدئ أو المتوسط بعدم البداية بكتاب “المحلى” لئلا يتأثر بحدة اللغة في الردود أو يطالع الخلاف من غير تأصيل أصولي متين، بينما ينصح بقراءته والاستفادة منه للمتمكنين والباحثين والمنتهين من طلاب العلم.

ثالثاً: المآخذ العلمية والحديثية

خصص ابن حزم الكلام في “المحلى” حول ضرورة إلغاء القياس والتعليل لأحكام الشريعة تماماً، ورفض حجيته مطلقا لفساده، وأكد أن الأحكام ينبغي أن تؤخذ فقط من النصوص الصريحة من القرآن والسنة والإجماع، وعلى ذلك بنى كتابه.

وقد أدى به ذلك إلى الوقوع في بعض الشذوذات والانفرادات الفقهية والآراء الغريبة في بعض المسائل. أما في علم الحديث، فقد أبعد اعتبار النقد الداخلي (النقد المتني والمعنوي) تماماً وحصر النقد في الظواهر خلافا لنقاد الحديث؛ فالراوي الثقة عند أبي محمد مصيب أبداً، والضعيف ساقط أبداً، وينبني على ذلك تضعيفه لبعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيحه لبعض الضعيفة، وهو منهج عُدّ شاذّاً عند أهل العلم بالحديث. يضاف إلى ذلك وقوعه في أوهام يسيرة في حكايات الأقوال ونسبتها لأصحابها، وهو مما لا يُعاب عليه أبو محمد إذ لا أحد يخلو من الخطأ والوهم.

مما سبق نخلص إلى أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث؛ فكتاب “المحلى” كتاب موسوعي كبير في الفقه وإن كان مختصراً في نظر مؤلفه، بل يعد من أعظم كتب الفقه المقارن والاستدلال. لذا احتل مكانة علمية بارزة عند أهل العلم قديماً وحديثاً حتى عند المخالفين له؛ لما فيه من ثروة حديثية وأثرية ضخمة، وعناية بالغة بالنقد والتعليل، ومعرفة طرق الخلاف العالي وأوجه استنباط الأحكام من النصوص.

فلا ينبغي إطلاق القول القائل: “من الحزم ترك ابن حزم”، وإنما الصحيح ما نطق به الإمام الذهبي رحمه الله حيث قال:

“ولي أنا ميل إلى أبي محمد؛ لمحبته الحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه”.[9]

وهذه هي قاعدة الأخذ والترك المتزنة، وهو عين الإنصاف الذي يفرضه علينا واقع الكتاب ومكانة مؤلفه.