هل يمكن للغة أن تحتفظ بألقها في زمن الحداثة؟ تشكل هذه التساؤلات محور كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” لعبد السلام المسدّي، الذي يقدم قراءة نقدية معمقة لواقع اللغة العربية في سياق التحولات الفكرية والثقافية الحديثة. من خلال فصوله المتعددة، يعالج الكتاب مفاهيم الحداثة وتأثيرها على الهوية اللغوية، متجاوزًا النظرة التقليدية إلى اللغة، ليكشف عن أبعادها الثقافية والدلالية.

يتميز كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” بتفكيكه للمفاهيم السائدة حول أفضلية اللغة العربية، محاججًا بأن هذه الأفضلية تنبع من تراكمها الثقافي والديني، وليس من تفوق جوهري مطلق. كما يتطرق إلى مفهوم الحداثة من منظور فلسفي، يُبرز دورها في إعادة تشكيل الفكر العربي وتحدي الأفكار التقليدية.

قيمة الكتاب تكمن في عمق الطرح وجدلية الأسئلة، حيث يجمع المسدّي بين التحليل اللساني والمنهج النقدي، مقدمًا رؤية تُحفز القارئ للتفكير في علاقة اللغة بالهوية الثقافية والسياسية، مما يجعل كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين باللسانيات والنقد الأدبي.

الحداثة واللغة لتشكيل هوية الأمة

كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” رحلة استكشافية لفهم كيف تتداخل اللغة والحداثة في تشكيل هوية الأمة العربية.

ففي عالم الفكر العربي المعاصر، يحتل كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” لعبد السلام المسدّي مكانةً مرموقة تجمع بين قراءة نقدية عميقة وترجمة معرفية للمشهد اللغوي والثقافي. يقدم الكتاب، الذي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، رؤية جديدة لتحليل التراث اللغوي العربي في ظل التحديات التي فرضتها الحداثة، مستعرضًا من خلال فصوله الاثني عشر مفاهيم اللغة والحداثة، وعلاقة كل منهما بالهوية الثقافية والفكر النقدي. فيما يلي عرض شامل للكتاب يتجاوز 1500 كلمة، يتضمن تحليلاً مفصلاً لفصوله، ونبذة عن المؤلف، إضافة إلى قائمة بالمراجع.

بين الدراسة اللغوية والقراءة النقدية

يعدّ كتاب مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” ثمرة سنوات من البحث والمشاركة في المنتديات الفكرية والأكاديمية، حيث دمج عبد السلام المسدّي بين الدراسة اللغوية الدقيقة والقراءة النقدية للخطاب الأدبي والسياسي. ينطلق الكتاب من سؤال جوهري يدور في ذهن الباحث والمفكر: هل اللغة العربية هي أفضل اللغات؟ وما هي طبيعة الحداثة التي أثرت في تشكيل الهوية اللغوية والثقافية في العالم العربي؟

ومن خلال عرض مفصّل لمجموعة من المقالات والأوراق البحثية التي شارك بها المؤلف منذ مهرجان المتنبي في بغداد عام 1977، يتناول كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” مسارات التطور المعرفي والثقافي التي عايشها الفكر العربي على مدى خمسة عقود.

تجمع الدراسة بين المنهج الجدلي الذي يحاول فك شفرة التعقيدات اللغوية والثقافية، وبين تقديم أمثلة واقعية وأدلة من التراث الإسلامي والأدبي لتوضيح أن قيمة اللغة ليست مطلقة وإنما نسبية، تعتمد على ما ترمز إليه من دلالات ثقافية وتاريخية. وفي هذا العرض، سنتعرف على محاور الكتاب الرئيسية، وكيفية تناول المؤلف للقضايا اللغوية والحداثة، إضافة إلى تسليط الضوء على تجربة المسدّي الأكاديمية والإدارية التي أثرت في رؤيته النقدية.

غلاف كتاب يتضمن عنوان "مفاتيح الحداثة وجنبات اللغة" بتصميم فني ملون. الكتاب يعكس موضوعات ثقافية وأدبية مع عناصر جرافيكية متداخلة.
غلاف كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة”

الهيكل العام ومضمون الكتاب

يتألف كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” من اثني عشر فصلًا تمتد على 296 صفحة، تشملها ببليوغرافيا وفهرسًا عامًا يتيح للقارئ استكشاف جميع محاور البحث التي تناولها المؤلف. ينقسم محتوى الكتاب إلى قسمين رئيسيين:

  • القسم الأول: يستعرض من خلاله المسدّي مفاهيم اللغة والحداثة، بما في ذلك تساؤلات حول أفضلية اللغة العربية، ومناقشة للحدود الفاصلة بين الأدب والنقد.
  • القسم الثاني: يتضمن مجموعة من المقالات والأوراق البحثية التي شارك بها المؤلف في محافل علمية وأدبية، مما يمنح القارئ مرآة شاملة للتطور الفكري والثقافي على مدار خمسة عقود.

يهدف الكتاب إلى تقديم قراءة متعمقة للتراث اللغوي العربي بمنظار اللسانيات الحديثة، حيث لا يكتفي المؤلف بسرد الحقائق والمفاهيم بل يحاول الوصول إلى جذور الأسئلة الوجودية التي تحيط باللغة والحداثة، وكيف تؤثر هذه الأسئلة في تشكيل هوية المجتمع العربي.

هل اللغة العربية هي أفضل اللغات؟

يفتتح المسدّي كتابه “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” بسؤال مثير للجدل وهو: “هل اللغة العربية هي أفضل اللغات؟” وهو سؤال يحمل بعدًا فلسفيًا وثقافيًا عميقًا، إذ يُفرق بين الأحاسيس الظنية والمسلّمات العلمية. في هذا الفصل، يناقش المؤلف أن قيمة اللغة لا تستمد من المنشأ أو النسب التاريخي فحسب، بل من الدلالات الثقافية والرمزية التي يحملها النص المكتوب أو المنطوق.

منهجية التحليل

يعتمد المسدّي في هذا الفصل على حوار داخلي مع القارئ، حيث يوجه سلسلة من الأسئلة التي تثير التفكير النقدي، مشيرًا إلى أن إجابة السؤال لا يمكن أن تكون بنعم أو لا فقط. إذ يوضح أن قيمة اللغة تعتمد على ما ترمز إليه في سياقها الثقافي والتاريخي، مما يؤدي إلى استنتاج مفاده أن اللغات براء من التفاضل إذا ما انتُقل التركيز إلى السياق والوظيفة الاجتماعية والثقافية لكل لغة.

النتائج والاستنتاجات

ينتهي الفصل إلى أن أفضلية اللغة العربية تكمن في كونها لغة التراكم المعرفي والثقافي الذي انعكس في الكتاب المقدس (القرآن) وفي الإرث الأدبي الذي لا يزال يحتفظ بمكانته في الوعي العربي. ومع ذلك، يؤكد المسدّي أن هذا التفوق هو اكتساب ثقافي وليس منشأً فطريًا أو جوهريًا، مما يجعل المسألة نسبية وتحتاج إلى تأصيل علمي ودلالي متعمق.

ما الحداثة؟

تعريف الحداثة وأبعاده

يتناول هذا الفصل مفهوم الحداثة من منظور فكري جديد، حيث يكسر القيود التقليدية في تعريفها. يبدأ المسدّي بتفكيك المفهوم، مستعرضًا الأمثلة التبسيطية التي توضح أن الحداثة ليست مجرد ظاهرة سطحية أو نتاجاً عصريًا سهل التفسير، بل هي حالة ذهنية تعتمد على القدرة على رؤية ما لا يُلاحَظ بسهولة.

النقاش والتحليل

يطرح المؤلف عدة تساؤلات حول كيفية إدراك الحداثة، مشيرًا إلى أنها تتضمن النظر إلى ما وراء المألوف، واستقراء الزوايا الخفية في النصوص والأحداث. ويستعرض كيف يمكن للسؤال “كيف؟” أن يكون بمثابة مقدمة للسؤال “لماذا؟”، مما يفتح آفاقًا جديدة في التحليل النقدي. في هذا السياق، يرى المسدّي أن الحداثة ليست مجرد انطلاق عفوي من الحداثة الأدبية، بل هي نتاج منهجي يعتمد على الوصف الدقيق ثم البحث عن التعليل المنطقي لكل ظاهرة.

تأثير الحداثة على اللغة

يناقش الفصل أيضًا تأثير الحداثة على اللغة العربية، وكيف أدت إلى إعادة قراءة النصوص التراثية بنظرة نقدية جديدة تتيح اكتشاف معانٍ خفية ودلالات متجددة، مما يعكس التفاعل بين القديم والحديث في السياق الثقافي العربي.

مقاربة شاملة للبحوث والمقالات  

بعد الفصلين التمهيديين، يتضمن كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” سلسلة من المقالات والأوراق البحثية التي شارك بها المسدّي في مؤتمرات ومحافل فكرية متعددة، بدءًا من مشاركته في مهرجان المتنبي ببغداد عام 1977. يعكس هذا الجزء التنوع الزمني في التفكير النقدي والفكري، إذ تمتد البحوث على مدار خمسة عقود، مما يتيح للقارئ متابعة تطور الفكر اللغوي والثقافي عبر مراحل مختلفة من التجربة العربية.

مقاربة “الشهادة الثقافية”

تُظهر هذه المجموعة من المقالات أن البحث العلمي في المجالات اللغوية والأدبية لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأ فيه. إذ يقدم المسدّي من خلال أوراقه شهادة ثقافية تُعبّر عن وعي جماعي يتشكل تباعًا مع الزمن، مما يُظهر أن كل بحث هو بمثابة مرآة لوعي الأمة في فترة زمنية معينة.

العلاقة بين الأدب والنقد

تركز بعض المقالات على العلاقة المتشابكة بين الأدب والنقد، وتبيّن كيف أن الحداثة قد خلقت فاصلًا دقيقًا بين الإنتاج الأدبي والتحليل النقدي. يُبرز المؤلف أن النقد لا يمكن أن يكون مجرد تعليق شكلي على النص الأدبي، بل يجب أن يكون وسيلة لفهم السياقات الاجتماعية والتاريخية التي أنتجت تلك النصوص، وهو ما يستلزم تبني منهجيات جديدة تتماشى مع تعقيدات العصر الحديث.

تحليل الخطاب السياسي والاجتماعي

من خلال بعض الأوراق البحثية، ينتقل المسدّي إلى تحليل الخطاب السياسي والاجتماعي، مستعرضًا كيفية تأثير اللغة على تشكيل الهوية السياسية والثقافية. يُظهر أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي ركيزة أساسية في بناء الهوية، وأن الحداثة بدورها تلعب دورًا في إعادة صياغة هذه الهوية بما يتوافق مع متطلبات العصر الجديد.

المواضيع الرئيسية لكتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة”

قيمة اللغة العربية في العصر الحديث

يرتكز كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” على فكرة أن قيمة اللغة العربية ليست مطلقة، بل تعتمد على مدى قدرتها على التعبير عن التراث الثقافي والديني والأدبي الذي يشكل هوية الأمة. يناقش المسدّي أن التفاضل بين اللغات غالبًا ما ينشأ نتيجة التبعات الاجتماعية والسياسية وليس بسبب خصائص لغوية محضة. ولهذا، فإن أفضلية اللغة العربية تأتي من اندماجها العميق مع التراث الإسلامي والأدبي، مما يمنحها بعدًا ثقافيًا يتجاوز النمطية والقيود التقليدية.

الحداثة كمنهج فكري نقدي

يقدم المؤلف تعريفًا جديدًا للحداثة، يركز على قدرتها في الكشف عن الزوايا الخفية في النصوص والأحداث. يرى المسدّي أن الحداثة ليست مجرد ظاهرة جمالية أو أسلوب أدبي، بل هي عملية فكرية تحليلية تُمكّن الباحث من الوصول إلى مستويات أعمق من المعنى. إن الانتقال من السؤال “كيف؟” إلى “لماذا؟” يعكس تغيرًا نوعيًا في طريقة التعامل مع المعرفة، مما يسمح بتفكيك الأفكار التقليدية وإعادة بنائها وفق رؤية جديدة.

العلاقة بين اللغة والهوية الثقافية

يبرز كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” أن اللغة تُعد مرآة تعكس الهوية الثقافية للشعوب. في السياق العربي، تتحمل اللغة العربية دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي والتراث الثقافي، كما أنها أداة لنقل القيم والمعتقدات الدينية والسياسية. يتطرق المسدّي إلى أن تأثير الحداثة على الهوية اللغوية يتطلب إعادة قراءة التراث بمنظور نقدي يُعيد صياغة العلاقات بين الماضي والحاضر، ويضع الأسس لتفسير التطورات المستقبلية.

الأدب والنقد: فاصل حداثي حساس

من بين الأفكار الجوهرية التي يطرحها كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” هو النقاش حول الفاصل الحداثي بين الأدب والنقد. يشير المسدّي إلى أن الحداثة قد أدت إلى تغير جذري في الطريقة التي يُنظر بها إلى النصوص الأدبية، حيث أصبح النقد ليس مجرد تقييم أو تعليق على النص، بل هو أداة لفهم السياقات الاجتماعية والسياسية التي يُنتج فيها الأدب. هذا التمييز بين الأدب والنقد يبرز أهمية كل منهما في دعم العملية الإبداعية والثقافية.

غلاف كتاب "مفتاح الحداثة وخبايا اللغة" بتصميم ملون، يعرض أشكال هندسية تتداخل مع بعضها، مع عنوان الكتاب بارز في منتصف الغلاف.

نقد وتقييم

من خلال استعراض كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” يتبين أنه يتضمن العديد من نقاط القوة وأيضا من نقاط الضعف:

أولا: نقاط القوة

التحليل الجدلي الدقيق:

يتميز الكتاب بمنهجه الجدلي الذي يجمع بين العقلانية والأحاسيس الثقافية، مما يتيح للقارئ فرصة إعادة النظر في مفاهيم اللغة والحداثة من زاوية نقدية متعمقة.

تنوع المحتوى:

جمع المؤلف بين مقالات حديثة وأخرى قديمة، مما يُظهر تطور الفكر اللغوي والثقافي على مدى عقود، ويمنح كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” بعدًا تاريخيًا غنيًا.

الأسلوب الواضح والراقي:

استطاع المسدّي أن يوازن بين البساطة والعمق في العرض، مما جعل كتابه “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” متاحًا لمختلف شرائح القراء دون التضحية بالدقة العلمية.

الإسهام في النقاش الفكري:

يُعدّ كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” من المراجع المهمة لمن يسعى لفهم العلاقة بين اللغة والهوية، وقد أثرى الحوار الثقافي في العالم العربي من خلال تقديم رؤى جديدة تتحدى النظريات التقليدية.

ثانيا: نقاط الضعف والتحديات

اعتماد بعض الفصول على الطرح الجدلي:

قد يجد البعض أن الاستخدام المكثف للأسئلة الجدلية قد يؤدي إلى تعقيد الأمور دون تقديم إجابات نهائية، مما يترك بعض التساؤلات معلقة.

تداخل الموضوعات:

في بعض الأحيان، يميل الكتاب إلى التداخل بين موضوعات اللغة والحداثة والأدب دون الفصل الواضح بين كل منها، مما قد يسبب بعض الارتباك للقارئ الباحث عن تقسيمات منهجية دقيقة.

قلة التفاصيل في بعض المقالات:

رغم شمولية الأوراق البحثية، قد يرى البعض أن بعض الفصول تفتقر إلى التحليل المتعمق لبعض الظواهر اللغوية والاجتماعية التي تُطرح كمسائل مركزية.

أثر الكتاب على الدراسات اللغوية والثقافية

لقد كان لكتاب مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” تأثير واضح على مسار الدراسات اللغوية والنقدية في العالم العربي، حيث أنه فتح آفاقًا جديدة في:

إعادة قراءة التراث:

دفع الكتاب الباحثين إلى النظر في التراث العربي من منظور نقدي حديث، يجمع بين التحليل اللغوي والنقد الاجتماعي.

تحديث المنهجيات:

ساهم في تطوير منهجيات البحث في اللسانيات وتحليل الخطاب، مما أثرى المكتبة النظرية والفكرية لدى الأكاديميين والباحثين.

تشجيع الحوار الفكري:

من خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات والمنتديات، أتاح الكتاب مساحة للحوار بين مختلف الأطياف الفكرية والثقافية، مما ساهم في تعزيز الوعي الجماعي وتبادل الأفكار.

يعتبر الكتاب مرجعًا مهمًا للدارسين والباحثين في مجالات اللسانيات والنقد الأدبي، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها اللغة العربية في العصر الحديث نتيجة تأثيرات العولمة والتحولات الثقافية.

أثر الكتاب في الدراسات المستقبلية

تعزيز البحث العلمي في اللسانيات

ساهم الكتاب في دفع الباحثين إلى تبني منهجيات جديدة في دراسة اللغة، حيث دمج بين التحليل الدلالي والنقد الجدلي، مما فتح آفاقًا جديدة لفهم اللغة ككيان ثقافي واجتماعي متغير. إن هذا النهج المتكامل قد ألهم العديد من الدراسات اللاحقة في مجال اللسانيات وتحليل الخطاب.

التأثير على النقاش الثقافي والسياسي

لم يقتصر تأثير الكتاب على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تجاوز ذلك ليصل إلى صلب النقاشات الثقافية والسياسية في العالم العربي. فقدّم المسدّي رؤية نقدية تُعيد تقييم العلاقة بين اللغة والسلطة، وكيف يمكن للكلمة أن تكون أداة لبناء الهوية أو إعادة تشكيلها، مما أثرى الحوار حول قضايا الهوية والثقافة في المجتمعات العربية.

فتح آفاق للحوار بين الأجيال

من خلال استعراضه لتجارب تمتد على مدى خمسة عقود، يوفر الكتاب جسرًا بين الأجيال المختلفة من المثقفين والباحثين، مما يساعد على نقل الخبرات والمعارف بين من عاشوا فترات مختلفة من التجديد الثقافي واللغوي، ويعزز من التواصل بين الحقب الفكرية المختلفة.

كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” .. سلبيات وإيجابيات

يستعرض مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” جوانب عدة تمثل محورًا هامًا في النقاش حول اللغة العربية والحداثة. فقد نجح المسدّي في تقديم قراءة متعددة الأبعاد تجمع بين النقد اللغوي والأدبي والسياسي، مما يفتح المجال أمام الباحثين للتعمق في دراسة العلاقة بين اللغة والهوية.

الجوانب الإيجابية

  • الإبداع في الطرح: يُظهر الكتاب قدرة كبيرة على الربط بين مفاهيم متباينة مثل اللغة والحداثة، معتمدًا على منهج جدلي يجعل القارئ يشترك في عملية البحث والاستدلال.
  • العمق الفكري: لا يقتصر كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” على الإجابات البسيطة أو النمطية، بل يتعمق في تحليل كل سؤال من الأسئلة المطروحة، مما يجعله وثيقة مرجعية في فهم التغيرات الفكرية التي يشهدها العالم العربي.
  • الشمولية: بتناول مجموعة متنوعة من المقالات والبحوث، يقدّم المسدّي صورة شاملة لتطور الفكر اللغوي والثقافي على مدى عقود، مما يزيد من قيمة الكتاب كأداة بحثية أكاديمية.

التحديات والمجالات الممكن تطويرها

  • التعمق في بعض المفاهيم: على الرغم من شمولية الطرح، يمكن لبعض القراء أن يرغبوا في مزيد من التفصيل حول بعض المحاور الدقيقة مثل العلاقة بين النص الأدبي والخطاب السياسي.
  • الفصل بين الموضوعات المتداخلة: قد يستفيد الكتاب من فصل أكثر وضوحًا بين الموضوعات المختلفة لزيادة سهولة المتابعة والتحليل، خاصة للقارئ غير المتخصص.

الخاتمة

يختتم “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة رحلة فكرية غنية تجمع بين التأمل العميق والتحليل النقدي، حيث يُعيد التأكيد على أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي كيان حي يشكل الهوية الثقافية والاجتماعية لكل مجتمع. من خلال طرحه لأسئلة جذرية حول أفضلية اللغة العربية وتعريف الحداثة، يدعو عبد السلام المسدّي إلى إعادة قراءة التراث بمنظار نقدي معاصر، يأخذ في الاعتبار تغيرات الزمن ومتطلبات الحاضر.

إن كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” لا يمثل فقط إضافة قيمة للمكتبة الفكرية العربية، بل يُعدّ أيضًا مرجعًا أساسيًا للباحثين والمهتمين بدراسة العلاقة بين اللغة والهوية، وبين الأدب والنقد، مما يجعله نصًّا محوريًا لفهم التحولات الثقافية في العالم العربي. ورغم التحديات التي قد يواجهها البعض في متابعة بعض الأفكار المتداخلة، فإن إسهاماته الفكرية تُظهر بوضوح قدرة المسدّي على الربط بين الماضي والحاضر، وتقديم رؤية نقدية تفتح آفاقًا جديدة في فهم التراث العربي.

من خلال هذا العرض الشامل، نجد أن مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” ليس مجرد كتاب نقدي بل هو وثيقة فكرية تعكس تجارب طويلة من البحث العلمي، وتساهم في بناء جسر من الحوار بين مختلف التيارات الفكرية في العالم العربي، مما يؤكد أهمية الاستمرار في تطوير المنهجيات النقدية لتتلاءم مع متطلبات العصر.

بشكل عام، يُعتبر كتاب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة” جهدًا فكريًا متميزًا يسهم في تحفيز الحوار الثقافي واللغوي، كما أنه يمثل منصة انطلاق لفهم تحديات الحداثة في العالم العربي، وكيفية إعادة قراءة التراث العربي بما يتناسب مع متطلبات العصر الجديد.

رجل مسن يرتدي بدلة رسمية يتحدث في اجتماع، يجلس أمام ميكروفون مع ورقة ملاحظات أمامه. خلفه طاولة اجتماعات وبقية المشاركين غير مرئيين.
عبد السلام المسدي

نبذة عن المؤلف عبد السلام المسدّي

يُعدّ عبد السلام المسدّي من أبرز الأسماء في مجالي اللسانيات وتحليل الخطاب في العالم العربي، إذ يمتلك خلفية أكاديمية وبحثية واسعة ترتكز على دراسة التراث العربي بمنظور عصري. إليكم نظرة مفصلة على سيرته الذاتية:

  • المناصب الأكاديمية والبحثية: يشغل الأستاذ المسدّي منصب أستاذ اللسانيات وتحليل الخطاب في الجامعة التونسية، وهو من الأصوات الرائدة في تقديم رؤى نقدية تجمع بين التراث العربي والمنهجيات الحديثة.
  • العضويات العلمية: له عضوية متميزة في عدد من المجامع العلمية والثقافية، فقد انضم إلى المجمع العلمي العراقي منذ عام 1989، والمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون منذ عام 1997، ومجمع اللغة العربية الليبي منذ عام 1999، ومجمع اللغة العربية في دمشق منذ عام 2002.
  • المساهمات العملية والعلمية: تقلّد المسدّي مناصب وزارية ودبلوماسية عدة، مما أكسبه خبرات عملية ساعدته في فهم الظواهر اللغوية والسياسية على حد سواء. كما تولى أمين المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية منذ عام 2013، مما يعكس الثقة الكبيرة التي يحظى بها في الأوساط الأكاديمية.
  • الكتابات والإسهامات الفكرية: إلى جانب “مفاتن الحداثة وخبايا اللغة”، نشر المسدّي العديد من المؤلفات والأبحاث التي تناولت قضايا الهوية العربية، والأمن اللغوي، وآليات الفكر في تجليات الحداثة العربية. ومن بين مؤلفاته الأخرى التي حظيت بتقدير واسع: “الهُويّة العربيّة والأمن اللغويّ”، و”آليّات الفكر وسؤال السياسة في تجليات الحداثة العربية”، و”الخطاب القرآنيّ وأسرار التّلقّي”.
  • المنهجية البحثية: يتميز المسدّي بأسلوبه التحليلي الذي يجمع بين القراءة النقدية العميقة والتركيز على البعد الدلالي للغة، ما يجعله رائدًا في تقديم قراءة جديدة للتراث العربي تتماشى مع متطلبات الحداثة الفكرية.

من خلال مسيرته الطويلة والمتميزة، استطاع عبد السلام المسدّي أن يساهم في إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والهوية، وأن يقدم نموذجًا فكريًا يجمع بين الأصالة والتجديد، مما جعله مرجعًا لا يُستغنى عنه في الدراسات اللغوية والثقافية المعاصرة.