في خطوة سباقة تعكس التوازن بين الأصالة والمعاصرة، أصدرت كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر وثيقة هامة تحدد ضوابط استخدام الطلبة لأدوات الذكاء الاصطناعي، ورسمت الكلية خارطة طريق رباعية تحدد “الخطوط الحمراء” وتحول دون “الغش التقني”، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي أداة لصقل ملكات طالب العلم لا بديلا عن جهده الذاتي.
وثيقة كلية الشريعة تأتي في وقت تشهد فيه الساحة الأكاديمية العالمية حالة من الغموض والتوتر بسبب الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولم تكن كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر بمعزل عن هذا التحول الجذري، إذ أعلنت الكلية مع انطلاق فصل خريف 2026 عن إصدار وثيقتها التنظيمية الأولى بعنوان “ضوابط استخدام الطلبة لأدوات الذكاء الاصطناعي”.
الوثيقة التي جاءت مكمّلة للوائح الجامعة العامة للنزاهة الأكاديمية، لا تهدف إلى “تجريم” التكنولوجيا أو منعها، بل تسعى إلى “تطويعها” لخدمة البحث الشرعي والعلمي، مع الحفاظ على جوهر العملية التعليمية الذي يتمثل في تنمية ملكات التفكير الذاتي، وصون الأمانة العلمية، والحفاظ على “البصمة اللغوية والفكرية” لطالب العلم الشرعي.
التكنولوجيا في خدمة العلم لا العكس
تؤكد مقدمة الوثيقة على فلسفة عميقة تتبناها الكلية، مفادها أن أدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنظر إليها على أنها “وسائل مساعدة تحفّز على التفكير والتحليل”، وليس كـ “كاتب ظلي” يعفي الطالب من عناء البحث. وتنبه الكلية إلى أن الحفاظ على القيم الشرعية في التعلّم والبحث هو أساس بناء شخصية طالب العلم، وأي أداة تقنية يجب أن تعزز هذا الأساس لا أن تضعفه.
خارطة طريق .. منع سماح وإفصاح
ولتجنيب الطلبة الوقوع في هاوية “الانتحال الأكاديمي” أو “الاعتماد الأعمى”، قسّمت الوثيقة استخدامات الذكاء الاصطناعي في الواجبات والأبحاث ومشاريع التخرج إلى أربعة أقسام رئيسية، تمثل خارطة طريق واضحة:
استخدامات مسموحة بدون إفصاح (المنطقة الآمنة)
وهي الاستخدامات التي تُعزز الجانب التقني واللغوي دون المساس بالمحتوى الفكري، مثل: كشف الثغرات المنهجية، تصحيح الأخطاء النحوية والإملائية (وليس تحسين الأسلوب أو إعادة الصياغة)، المساعدة في تنسيق البحث، ورومنة المراجع، واستكشاف مظان المصادر والرجوع للأصل مباشرة.
استخدامات مسموحة بشرط “الإفصاح الإجمالي”
وتشمل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تلخيص الدراسات السابقة، العصف الذهني وتوليد الأفكار الأولية، والمقارنة بين النصوص. وهنا تشترط الكلية أن يضع الطالب عنواناً جانبياً في مقدمة بحثه يوضح فيه الأدوات المستخدمة (مثل ChatGPT أو Gemini) والمجالات التي استعان بها فيها، مع تعهد بالتحقق من المصادر الأصلية.
استخدامات مسموحة بشرط (الإفصاح التفصيلي )
إذا قام الطالب بتوليد فقرة ونسخها حرفياً، أو استلهم أفكاراً وصاغها، أو استخدم صوراً وأشكالاً مولّدة تقنياً، فيجب عليه وضعها بين علامتي اقتباس وتوثيقها بدقة في الحاشية، مع ذكر اسم الأداة وإصدارها وتاريخ الاستخدام.
الخطوط الحمراء (استخدامات غير مسموحة بإفصاح أو بدونه)
هنا تقف الكلية بالمرصاد لكل ما يمس جوهر البحث الشرعي والإنساني. وتشمل المحظورات: كتابة مسودة البحث كاملاً، إيراد أقوال وأدلة دون تحقق من مصادرها، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في “استنباط الأحكام الفقهية والحديثية أو الترجيح بين الأقوال”. كما تُجرّم الوثيقة “إعادة الصياغة” للبحث أو لجزء منه حتى لو كان بهدف تحسين الأسلوب، لأن الكلية ترى أن ذلك “يذهب بالطابع الشخصي للغة الباحث ونَفَسِهِ”، ويؤدي إلى “خمول وتراجع في تنمية القدرات التعبيرية والأسلوبية لدى الطلاب”.
دور الأستاذ ومسؤولية الطالب
رست الوثيقة على مبدأ جوهري وهو “المسؤولية الأكاديمية الكاملة”، فمجرد السماح باستخدام الأداة لا يعفي الطالب من مسؤولية “هلوسات الذكاء الاصطناعي” أو أخطائه. فالطالب يتحمل المسؤولية الكاملة عن موثوقية المعلومات ودقتها، ويُحاسب عن أي خطأ ينتج عن استخدامه للأداة.
ولم تغفل الوثيقة الدور المحوري لأعضاء هيئة التدريس، حيث ألزمتهم بتوضيح سياسة المقرر منذ أسبوعه الأول، وتنمية الوازع الديني والأكاديمي لدى الطلبة. كما دعت الأساتذة إلى تغيير أدوات التقويم، بالتركيز على الأنشطة الصفية الخاضعة للمراقبة، والتقييم الشفهي، وطريقة “الصف المقلوب”، وتتبع تطور البحث أولاً بأول مع مناقشة الطالب شفهياً في كل مرحلة.
أما فيما يخص العقوبات، فقد كانت حاسمة وواضحة: عدم الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المواضع التي تتطلب ذلك يُعدّ مخالفة أكاديمية صريحة، ويُعامل معاملة “الغش الأكاديمي”، مما يعرّض الطالب للإجراءات التأديبية وفق لائحة السلوك الطلابي في الجامعة.
نموذج أكاديمي رائد
تمثل وثيقة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر نقلة نوعية في الفكر الأكاديمي العربي والإسلامي، فهي لا تهرب من واقع الذكاء الاصطناعي، بل تؤطره بضوابط شرعية وأكاديمية رصينة. الرسالة التي تخرج بها الكلية واضحة: “نحن نرحب بالتقنية التي تفتح أمام طالب العلم آفاقاً واسعة للبحث والاستكشاف، لكننا لن نسمح لها أبداً أن تسرق عقله، أو تُفقد بحثه روحه، أو تُزيح عنه عبء الاجتهاد والتفكير”.