لطالما كانت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان هي محور التفكير والقلق والسؤال منذ القدم ، إذ يطرح سؤال العلاقة بين الإنسان والمجتمع واحدًا من أقدم الأسئلة وأكثرها إلحاحًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية. فالإنسان يجد نفسه منذ ولادته داخل شبكة من العلاقات والتفاعلات الإنسانية بما تتضمن من مصالح وحقوق وواجبات وما قد يتخللها من صراعات. فالاجتماع الإنساني يثير إشكالًا أساسيًا: إذا كان كل فرد يسعى إلى مصالحه الخاصة، فكيف يمكن ضمان العيش المشترك وتحقيق كل فرد مصالحه وطموحاته مع تجنب الصراعات والضرر بالآخر؟

حاول عدد من الفلاسفة الإجابة عن هذا السؤال من خلال ما عُرف بنظريات العقد الاجتماعي. ويبرز من بينهم توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو ، مع اختلاف عميق بينهم في تصور طبيعة الإنسان والحالة الطبيعية وأساس المجتمع السياسي.

فتوماس هوبز يقدم تصورًا أكثر تشاؤمًا لطبيعة الإنسان في حالته الطبيعية فالإنسان أناني ويسعى لمصلحته الخاصة، ويتنافس مع الآخرين وقد يتحول هذا التنافس إلى اعتداء وصراع متوحش ، فالمشكلة عند هوبز ليست أن الإنسان يرغب في الخير لنفسه، فالرغبة في البقاء والأمان طبيعية، وإنما غياب سلطة مشتركة يجعل كل فرد معرضًا لاعتداء الآخرين، كما يجعله هو نفسه قادرًا على تهديدهم

وبالتالي يكمن الحل في فلسفة هوبز في إقامة سلطة قوية ودولة مطلقة يتنازل لها الأفراد عن معظم حرياتهم مقابل الأمن والاستقرار

أما بالنسبة لجون لوك فهو لا يتبنى الصورة التشاؤمية نفسها التي نجدها عند هوبز. فالإنسان عند لوك عاقل وقادر على التعاون واحترام حقوق الآخرين، ومن خلال العقل يستطيع إدراك أن الآخرين يملكون حقوقًا، وأن الاعتداء عليهم ليس مشروعًا ، وهذا يعني أن الحالة الطبيعية للإنسان يسودها قدر من الحرية والمساواة، لكنها تفتقر إلى سلطة تحمي الحقوق

ولهذا ترتبط فلسفة لوك بمفاهيم الحياة والحرية والملكية والحقوق الطبيعية. فلضمان العيش المشترك بأمن وسلام يرى لوك ضرورة إنشاء حكومة محدودة من خلال عقد اجتماعي لحماية الحقوق الطبيعية: الحياة والحرية والملكية وبالتالي المجتمع السياسي لا يُنشأ لكي يلغي حقوق الإنسان، وإنما لحمايتها وتنظيم العلاقات بين أصحابها

أما جان جاك روسو فيقدم تصورًا مختلفًا لطبيعة الإنسان. فهو يرى أن الإنسان خيّر بطبعه وبريء، وليس شريرا وعدوانيا بطبيعته، بل يرى فيه ميلًا إلى الشفقة والتعاطف. غير أن المجتمع، عندما يقوم على التفاوت والتنافس والمقارنة، يمكن أن يفسد هذه الطبيعة ويولد أشكالًا من الغيرة وحب التفوق والصراع ، أي أن الإنسان يظهر جانبه السئ عندما يعيش في مجتمع يظهر فيه التنافس مع الآخرين

فكان لا بد – من وجهة نظر روسو – إقامة مجتمع قائم على العقد الاجتماعي والإرادة العامة بحيث يشارك المواطنون في صنع القوانين ويحققون المصلحة المشتركة

نرى أن فلسفات هوبز ولوك وروسو ترتكز في نظرتها لإقامة مجتمع مسالم قائم على الأمن والعيش المشترك على علاج المشكلة من الخارج ، أي أن المجتمع يحتاج إلى سلطة وقانون وعقد اجتماعي يمنع الإنسان من الاعتداء على غيره. أزعم أن المجتمعات الغربية الحالية تأسست على ضوء وتأثير هذه الفلسفات بشكل أو بآخر.

في مقابل هذه التصورات التي نعتقد أن النظم الاجتماعية والسياسية بل وحتى الاقتصادية في المجتمعات الغربية تأسست على ضوئها يبرز التصور الاسلامي لضمان الأمن والسلام والتضامن والعيش المشترك بين الناس من خلال عدة آيات وأحاديث منها حديث “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” 

فهذا الحديث من أعمق الأحاديث في الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية الإسلامية، لأنه لا يكتفي بأن يطلب من الإنسان ألّا يؤذي غيره، بل ينقله إلى مستوى أرقى: أن يجعل خير الآخر جزءًا من تصوره للخير لنفسه ، فعلى الرغم من إيجازه، يتضمن تصورًا عميقًا للعلاقة بين الانسان والآخر؛ فالحديث يبرز قيمة أخلاقية أساسية لتحقيق التعايش والاستقرار في المجتمع ، إذ لا يكتفي بمنع الاعتداء أو الظلم، بل ينتقل إلى خطوة أسبق من وضع القوانين والتفاهمات بين البشر التي تحدد الحقوق والواجبات إلى أن يبدأ العيش المشترك من داخل النفس البشرية وينتقل إلى مستوى أعمق من مجرد احترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء وضرر الآخرين بل يطلب من المسلم حب الخير والنجاح  وضمانه لأخيه كما يسعى لضمانه لنفسه.

فبينما رأت نظريات العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو أن تنظيم المجتمع يحتاج إلى اتفاق وقوانين وسلطة سياسية تحفظ النظام والحقوق، يقدم هذا الحديث أساسًا أعمق يقوم على تهذيب سلوك الفرد من الداخل

بكلمات أخرى ، الفلاسفة الثلاثة يسألون أساسًا: كيف ننظم المجتمع؟ أما الحديث فيضيف سؤالًا آخر: أي إنسان ينبغي أن يكون الفرد حتى يصبح المجتمع صالحًا متضامنا؟ وهذا انتقال من فلسفة النظام السياسي القانوني إلى فلسفة تكوين الإنسان الأخلاقي

فالإنسان قد يعيش في مجتمع تحكمه قوانين عادلة، ولكنه يظل أنانيًا وحاقدًا وغير مبالٍ بغيره. بل ربما يسعى الفرد باستخدام القوانين نفسها لضرر أخيه من خلال المحاكم والقضايا والتعويضات ، ولذلك فإن المجتمع القانوني قد يسود فيه العدل والأمن والسلام ولكنه ليس بالضرورة مجتمعًا متضامنًا متحابا.

والإنسان قد يتصرف بطريقة صحيحة ظاهريًا لأسباب غير أخلاقية ، خوفًا من العقوبة أو طلبًا للمصلحة أو حفاظًا على السمعة لكن الأخلاق الأعمق تحدث عندما يصبح الخير محبوبًا لذاته ، ومن هنا يمكن قراءة الحديث باعتباره انتقالًا من:

أخلاق الامتناع إلى أخلاق الإرادة ، فالامتناع عن ظلم الآخر فضيلة، لكن محبة الخير له فضيلة أعمق.

ولا يعني ذلك إلغاء الذات أو إنكار مصالحها ، بل أن يتجاوز الذات المنغلقة وتحريرها من الانغلاق على نفسها. فالذات لا تعود معيارًا وحيدًا للقيمة، بل تصبح قادرة على الاعتراف بأن الآخر يمتلك الحاجات والحقوق الإنسانية نفسها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحديث بوصفه تدريبًا على الانتقال من مركزية الذات إلى الاندماج بالآخر

 ومن هنا يمكن فهم «محبة الخير للآخر» باعتبارها توسعًا في دائرة الذات الأخلاقية.

فالإنسان في بدايته تدفعه الـ “أنا”

ثم يجب أن ينتقل إلى مستوى ” أنا والآخر”

حتى يصل إلى المستوى الأكثر نضجًا ، إلى المستوى الذي يريده الإسلام ” خير الآخر هو من ضمن الخير لنفسي “

وهذه النقلة هي جوهر التضامن الاجتماعي

ومن جهة أخرى ، هل يعني ذلك أننا نزعم أنه لا توجد أخلاق ورغبة ذاتية في تقديم الخيرعند الأفراد في المجتمعات الغربية ؟

 بالطبع لا نقصد هذا ، ولكننا نرى أن رغبة الخير تجاه الاخرين في الأفراد هناك قائم على أسس فطرية موجودة في نفوس الناس كأفراد كما في الوضع الطبيعي للبشر ولكن هذه الرغبة قد تختفي وتتحول إلى الضد عند وجود التنافس وتقلص الفرص وظهور صعوبات الحياة

خلاصة القول إن التصور الإسلامي لا ينكر الحاجة إلى القانون والمؤسسة، ولكنه يرى أن استقرار المجتمع لا يكتمل بمجرد الردع والتنظيم القانوني ؛ إذ يحتاج كذلك إلى التربية على الضمير الأخلاقي والمبادرة الذاتية وحب الخير للآخرين التي تنطلق من داخل النفس .

القيمة الفلسفية للحديث تكمن في أنه يعالج مشكلة مركزية في الاجتماع الإنساني: كيف يمكن أن تتعايش المصلحة الفردية مع مصلحة الآخر؟

هوبز يعالج المشكلة من خلال السلطة والقانون، ولوك من خلال الحقوق والعقل، وروسو من خلال نقد التفاوت والتنافس والعودة إلى الحرية والمساواة. أما الإسلام من خلال هذا الحديث وغيره من النصوص القرآنية والحديثية فيتجه إلى الجذر الأخلاقي للمشكلة، فيطلب من الإنسان أن يعيد تشكيل علاقته بالآخر من خلال قاعدة المحبة والمساواة في التمني.

وبذلك لا يصبح الآخر مجرد شخص ينبغي ألا أؤذيه، ولا مجرد صاحب حق يجب أن أحترمه، وإنما يصبح إنسانًا أريد له الخير الذي أريده لنفسي لذا فتشريعات الإسلام وعباداته وقيمه تعمل على بناء هذه النفوس الخالية من الأنانية والتي تقدر وتقدس تقديم الآخرين على النفس وتبتغي من خلاله رضا الخالق والأجر العظيم والفوز الأخروي

إن التصور الإسلامي لبناء المجتمع المتضامن و” المدينة الفاضلة ” يرتكز أساسا على بناء النفوس من الداخل وتزكيتها وحب الخير للغير وعدّ هذه الأمور أساسا للإيمان والعمل الصالح والفوز بالآخرة ، لذلك نرى كثيرا من القيم والأعمال التي تعد بالأجر الكبير في الإسلام ترتبط بتزكية الأنفس ونقائها و تهذيبها تجاه التعامل مع الآخرين .