عندما خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام في الجنة خلق له من نفسه زوجاً (حواء عليها السلام) ففي قوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لتسكنوا إِليها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الروم :21)
وهذا دليل على أن النفس البشرية التي خُلقت من الطين ونفخ الله بها الروح وقد كانت تسكن الجنة التي لا تخطر على قلب بشر من النعيم الذي أعده الله لنا بها إلا أن الله جل وعلا خلق لها زوجاً منها لتسكن هذه النفس وتطمئن، وإنه من المؤلم جداً ما نشاهده من أفكار تنتشر بين الشباب والشابات من تحويل أصل العلاقات الزوجية لعلاقات مؤلمة وكأنها سجن مؤبد يفرض على الشخص، وعلاقات تعتمد في أصلها على المادة وينسون السعي لتحقيق الاستقرار الاسري في التَّحلُم والتَّصبر وحُسن العِشرة، كما نلاحظ آنفاً أن البعض أصبح منهجه في الحياة أن يكرر بعض الكلمات الإيجابية ولكن أثرها سلبي على مجتمعه وأسرته وعلى نفسه التي لا بُد لها أن تُهذب وخاصة لدى الكثير من القلوب والنفوس الضائعة التي لم تدرك المعنى الحقيقي منها، مثال: ( اعتزل ما يؤذيك) وهي جملة معناها صحيح في المجمل.
ولكن السؤال الذي لا بد لي أن أطرحه على نفسي هل ما يؤذيني هذا لأنه حقاً يؤذيني ؟! أم أنه لا يتناسب مع قناعات مغلوطة وأهواء شخصية تجبرني على التغيير للأفضل ؟ ! هل أنا كنت الجاني أم المجني عليه ؟ ! ما هي مسطرتي التي أقيس بها الأذية ؟ ! هل أرجع لحدود الدين أم لحدود العرف أم لحدود الهوى؟!.
أصبحنا نعيش في عالم مادي بكل ما تحمله الكلمة من معنى في كل شيء حتى امتد هذا الطاعون للعلاقات بين الأزواج فضاعت الهوية ما بين الواجبات الأساسية وما بين الكماليات وضاعت واجبات الزوج من أصل قوامته على الزوجة بـيـن لهث لإرضاء نفسه وارضائها في توفير الكماليات والتغاضي عن الأساسيات وتجاهلها ليشعر بالرضا عن نفسه فيقلل من شعوره بالذنب من تقصيره في الجانب الأهم !! وليتغنى بما قدمه لها من هدايا باهظة الثمن وسفرات حول العالم طالباً منها أن تتغاضى عن تقصيره في واجبه الأسري كزوج وكمربٍ، حيث إن دوره الأساسي كزوج يقوم على خدمتها بما أمره الله به وبدورها هي تقوم بخدمته والقيام بواجبها بما أمرها الله به، ومن واجبهما كزوجين أن يتحاورا معا ويخططا معا وأن يقضيا جُل وقتهما ما بين أفراد الأسرة، وفي الجهة الأخرى هناك زوجة وضعت أولوياتها المادة والتقليد والحصول على ما تراقبه كل يوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تبث السم بها، فتطالب الزوج بأن يكرر تلك الصورة السابقة من نموذج الرجل المتخاذل المقصر في واجباته وترفض كل ما يقدمه لها من التزام في دوره الأسري والتربوي وترمي به عرض الحائط لتصرخ متألمة من حياتها البائسة التي لم تحصل بها على ما أرادت من هدايا باهظة الثمن أو السفر حول العالم أو غيرها من المظاهر التي تُصور كل يوم بشتى الطرق … هل حقاً هكذا تُقاس جودة العلاقات ؟!
هل حقاً مقدار حُب الآخر لنا يقاس بمقدار الأموال التي تُصرف ؟ أنا لا أدعو للمثالية أو تجاهل أهمية المال في حياة الفرد لتسهيل الحياة له قدر الإمكان وخاصة في عالمنا الحالي، ولكن السؤال الأهم هل مقدار الصرف هو فعلا مقدار الحب ؟ أين ذهبت المودة والرحمة والسكينة والطمأنينة ؟ أين ذهب حُسن الخُلق ؟ وحُسن المعشر ؟ لماذا أصبحت أصوات من ينادون بأن العلاقات تقاس بالأموال عالية؟! وخفتت أصوات من يدركون المعنى الحقيقي لجودة العلاقة ؟! هذه مسؤوليتنا جميعا كمربين ومؤثرين بأن نكون حريصين على أن يدرك أبناؤنا وبناتنا ما هي العلاقات الحقيقية وما هي العلاقات المزيفة ؟
هي واجب كل مربٍ بأن يعيد ضبط إعدادات جودة العلاقات وأن يحرص على أن يراقب طفله كيف يتعامل والداه معاً في مواجهة مغريات الحياة وفي خلق مساحات التواصل الإيجابي بينهما، وفي تخطي عقبات الحياة المادية يجب على كل مربٍ أن يحرص على تأدية دوره المنوط به كما خلقه الله له ولا يستغل أحدهما الآخر.
إن الحياة الزوجية هي هبة من الله لكل من أدرك وتمعن روعتها وحرص على أن يكمل بها نصف دينه حقاً.. فهي شريعة الله لعباده في الأرض لتسكن أنفسهم وتهدأ وتطمئن ويعتبر تقديس العلاقة الزوجية واجب كل أم وأب في تربية أبنائهما على تقديس الزواج وتقديس الواجبات الأسرية وتربيتهم على مهارات التواصل الفعالة لتساعدهم في تكوين علاقات إيجابية في المستقبل وأهمها زرع القيم والأخلاق لأنها ستكون لهم الحائط المنيع يثبتهم على أخلاقياتهم الدينية والعرفية ويؤصل علاقاتهم الأسرية ويقويها.
إننا بدأنا نحصد من آثار هذا الطاعون ما نرقبه بين الشباب والشابات من عزوفهم من الزواج وخوفهم منه واعتباره وكأنه مضخة للألم والحسرة وبدأوا في استمراء العلاقات المحرمة تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان. هي دعوة مني للجميع، فكلنا مسؤولون على الحفاظ على هوية مجتمعاتنا من الانحدار والانزلاق لهاوية الضياع، ولا تُحفظ المجتمعات ولا تُبنى الأمم إلا بوجود الأسرة.