هل يسأل أهل التربية أنفسهم، وهم يرون انتظام المدرسة في مطلع النهار، عما يجري وراء هذا المشهد المألوف؟ صفوف تنتظم، وجداول تمضي، واختبارات تعد، وخطط تشغيلية ترفع، ومؤشرات أداء تسجل، ولوائح تتسع عاما بعد عام، مما يعطي إيحاء بأن العمل قائم، وأن النظام حاضر، وأن المؤسسة تؤدي ما عليها.

السؤال الذي يستحق التوقف عنده أعمق من هذا كله: من الذي يفكر في العملية التعليمية؟ من يتأمل علله، ويقرأ تحولاته، ويستشرف ما ينتظره، بعيدا عن ضغوط تفاصيل الإدارة المدرسية اليومية ؟

يضعنا هذا السؤال أمام أصل المسألة وهي أن المسافة متباعدة بين إدارة التعليم والتفكير فيه، لأن الإدارة المدرسية بوسعها القيام بأدوارها من ضبط اليوم الدراسي، وتنظيم شؤون المدرسة، ومتابعة الأداء، والإشراف على تنفيذ التعاميم، إلا أن صياغة الرؤية التربوية وتوجيه المشروع التعليمي نحو الإنسان والمستقبل، تحتاج إلى عقل آخر يقوم بالبحث، والفحص، والمقارنة، والمسائلة والقياس، ثم تقديم التوصيات إلى صاحب القرار من أجل إعانته على رؤية أبعد نقطة تحقق النتائج المرجوة.

من أجل ذلك تبدو الحاجة إلى إنشاء مراكز الدراسات التربوية ملحة من أجل النهوض بالتعليم، لأنها تقوم بدور العقل في جسم التعليم، والنظر العميق وسط زحام الإجراءات، ومتى ما غاب هذا العقل، ازدحمت الجداول، وتعددت المبادرات، وبقي السؤال الأكبر معلقا في أي اتجاه يمضي التعليم؟

إن أزمة عدد من الأنظمة التعليمية تتجاوز قضية قلة الموارد أو ضيق الإمكانات، لأنها في الحقيقة تكمن في هدر الخبرات اليومية وعدم توظيفها لتطوير النظام التعليمي، حيث تعيش المدرسة تفاصيل الطالب وأسرته ومعلمه وتتوفر لديها كم هائل من المعلومات وتملك من الوقائع ما يغني الباحث وصانع السياسة، وإهمالها وتركها متناثرة بين الملفات والتقارير يبدد قيمتها، مما يجعل النظام التعليمي يدور في حركة دائمة تفتقر إلى بوصلة واضحة.

لقد أمسى التعليم في هذا العصر شأنا بالغ التعقيد، واتسعت ساحته وتداخلت فيه تخصصات عديدة، وطالب اليوم يعيش في بيئة رقمية تؤثر عليه شبكات التواصل، وتحيط به أدوات الذكاء الاصطناعي، وتتبدل أمامه صور وأشكال النجاح، وقد تضطرب لديه بعض المفاهيم والقيم.

لقد دعت منظمة اليونسكو في تقرير لها عن عقد اجتماعي جديد للتعليم إلى إعادة تصور وظيفة التعليم ومعناه أمام هذه التحولات، وطرح مشروع ( OECD Learning Compass 2030 ) رؤية مستقبلية للتعلم والمهارات. إن السؤال التربوي أضحى بحاجة إلى إجابات جديدة عن طريقة تفكير الطالب، وقدرته على التعلم، وموقعه من العالم، واستعداده للنقد والإبداع، وصلته بالقيم التي تحفظ إنسانيته وسط المتغيرات الجديدة.

هذه الأسئلة أكبر من أن تضطلع بها الإدارة المدرسية اليومية وحدها، فهي تحتاج إلى مؤسسات تفكير وتحليل واستشراف، هنا يأتي دور مراكز الدراسات التربوية لأنها – من المفترض – تصغي إلى الميدان، وتقرأ الأرقام، وتدرس الظواهر، وتربط المدرسة بالمجتمع، ثم تقدم النتائج والحلول. بعض الدراسات الصادرة من مراكز البحث المختصة بالقضايا التربوية في العالم العربي لم تتجاوز الأبعاد النظرية الأكاديمية وبعضها لم يخرج للميدان ثم نجد بقاء المدرسة على حالها في ناحية، والبحث الصادر في ناحية أخرى، وازياد تباعد المسافة بين ما دونه الباحث وما يعيشه المعلم والطالب وأسرته.

لقد خلص الباحث راتب سلامة السعود عبر دراسته المنشورة في مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة الأردنية 2024 م تحت عنوان “رؤية نقدية للبحث التربوي العربي: آليات تحفيزية لتوظيف البحث التربوي النوعي” إلى أن بيئة البحوث والدراسات التربوية في العالم العربي ما زالت تعاني من انغلاقها داخل الأطر الأكاديمية النظرية، مما جعلها أقرب إلى الواجهات المؤسسية الشكلية المنفصلة عن الميدان التعليمي الحقيقي؛ حيث تنشر البحوث وتعقد اللقاءات، بينما تظل المدرسة بمعزل عن تلك النتائج، وتتسع المسافة الفاصلة بين ما يخطه الباحثون وبين ما يعيشه المعلم والطالب والأسرة في واقعهم المعاش. وقد شخص الباحث راتب سلامة في دراسته جملة من التحديات الجوهرية البارزة التي تكبل هذا القطاع، وفي مقدمتها غياب الخريطة البحثية الموحدة على المستويين القطري والقومي، وندرة البحوث الجماعية المشتركة، بالإضافة إلى ضعف التمويل المالي، وضعف قنوات الاتصال والصلة بين المنتج البحثي وصناع القرار. وللنهوض بهذا الميدان وتطويره، اقترحت الدراسة رسم خطط بحثية واضحة، والاهتمام بإعداد الباحثين وتدريبهم، وتوفير حوافز مؤسسية ملائمة، مع ضرورة التوجه نحو توظيف البحث التربوي النوعي باعتباره المنهج الأقدر على الاقتراب من الواقع المدرسي، وفهم ظواهره وتفاعلاته المعقدة من داخله.

وينبغي فهم هذه الدعوة على أنها مطالبة بتقوية الجهود العربية القائمة، مع الإقرار بما تحقق منها، فالصورة ليست قاتمة إنما تذكير واستكمال لأدوار مراكز وهيئات تربوية عربية قامت بعمل مهم، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أنشطة المركز العربي للتدريب التربوي لدول الخليج، ومراكز الدراسات التربوية في عدد من الجامعات العربية، وهيئات تقويم التعليم في دول عدة. وبالرغم من وجود آثار إيجابية لبعض هذه الجهود في صنع القرار المباشر والممارسة الميدانية، إلا أنها مازالت محدودة في مواضع كثيرة بسبب ضعف التراكم المعرفي الواسع، وضعف الربط بين هذه المراكز البحثية والميدان وصاحب القرار، والعملية التعليمية تفتقر إلى إعادة توجيه الطاقات القائمة، وربطها بأسئلة حقيقية من داخل المدرسة، بالإضافة إلى نزول مركز الأبحاث التربوية إلى الميدان وعدم الاكتفاء فقط بجمع الإحصاءات وإعداد التقارير، وطرح أسئلة جديدة تسبق ظهور الأزمات، وتبحث في الجذور قبل النتائج، وتعمل على المقاربة بين الظاهرة التربوية من جهة الإنسان والمجتمع والمعرفة، ومن جهة الإجراءات أيضا.

ولنأخذ المشكلات السلوكية في المدارس على سبيل المثال، كثيرا ما يتوجه النظر إلى العقوبات واللوائح ومسائل الضبط، بينما يتم تجاهل أصل الظاهرة – عن غير قصد – لماذا يزداد قلق بعض الطلاب؟ ما سبب تراجع الدافعية؟ لماذا يعيش طالب متفوق على الضعوط النفسية؟ لماذ دور العائلة غائب؟ كيف أثرت الحياة الرقمية على الطلاب؟ وأين أثر ثقافة المجتمع ومفهوم النجاح؟ هذه الأسئلة تفتح باب الدراسة الميدانية، وتخرج القرار من دائرة الانطباع السريع إلى دائرة المعرفة.

إن من أخطر ما يصيب التعليم أن تبنى قراراته على ردود أفعال فقط فعندئذ تتبدل المناهج، وتتبدل طرق التقويم، وتكثر المبادرات، ثم يجد الميدان نفسه أمام موجات متتابعة من الإصلاح قد تتناقض أحيانا وقد تلغى بعض البرامج المفيدة، والتعليم يحتاج إلى ثبات وإلى تجربة تقاس من خلالها النتائج. وهذا ما أقره جون ديوي في كتابه “الديمقراطية والتربية” حين عرف التربية بأنها إعادة بناء أو إعادة تنظيم الخبرة، مما يضيف إلى معناها، ويزيد من القدرة على توجيه مسار الخبرة اللاحقة، مؤكدا بذلك الصلة الوثيقة بين التربية وحياة المتعلم وخبراته الاجتماعية، كما رأى باولو فريري في كتابه “تعليم المقهورين” أن التعليم الحقيقي يقوم على الوعي الناقد والحوار، ويهدف إلى فهم الإنسان والمجتمع، مبتعدا بذلك عن نموذج “التعليم البنكي” القائم على التلقين الجامد الذي يحول المتعلم إلى وعاء سلبي.. ولهذا من المفترض أن تكون مراكز الدراسات التربوية امتدادا لهذا الفهم في إعادة توجيه التعليم إلى الإنسان وجعله محور السياسة التعليمية.

وبالنظر إلى تجارب عدد من الدول المتقدمة في التعليم سنجد أن إصلاح التعليم يحتاج إلى صلة وثيقة بين البحث والسياسة والميدان. فنلندا مثلا تقوم جامعاتها بدور التعليم والبحث حيث تشير وكالة التعليم الفنلندية إلى أن الجامعات تجمع بين التعليم والبحث، وأن مدارس التدريب تؤدي وظيفة عملية ضمن إعداد المعلمين. وينطبق الأمر ذاته في تجربة سنغافورة حيث يقوم المعهد الوطني للتعليم بدور واضح في بناء هذه الصلة، وأطلق مركز للأبحاث عام 2002 م تركز أعماله على إنتاج معرفة تسهم في رفع جودة التعليم والتعلم وربط البحث بالممارسة والسياسة التعلمية.

هذه التجارب تمنحنا درسا، وتفتح باب النظر أمام تجاربنا العربية التي ينبغي قراءتها بعيدا عن الانبهار أو النقل الحرفي، إذ أن النظام التعليمي الفنلندي وليد ثقافة مجتمعية خاصة به تقوم على الثقة بين المعلم والأسرة والدولة، ويصعب استنساخه في بيئات مغايرة. وكذلك في التجربة السنغافورية هي جزء من نظام شديد المركزية. والعبرة في استخلاص الدروس والعبر بعيدا عن التقليد الأعمى للنماذج.

التعليم الذي يريد التقدم يحتاج إلى مؤسسات بحثية قريبة من المدرسة، متصلة بصاحب القرار، قادرة على تحويل البيانات والخبرة اليومية إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقويم. وما ينفع في هلسنكي أو سنغافورة يحتاج إلى صياغة مختلفة في الدوحة أو في القاهرة أو الرياض أو الرباط، فلكل مجتمع سياقه ولكل أمة تاريخها وحاجاتها، وبعض البيئات العربية تضخم شأن الإدارة على حساب الفكر التربوي، وتكثر من الحـديث عن المؤشرات والأرقام والتقارير، بينما يقل السؤال عن عقل الطالب وصحته النفسية، وعن معنى ما يتعلمه، وعن أثر المدرسة في بناء الإنسان. وقد ترتفع النتائج الأكاديمية لكن السؤال مازال قائما يحتاج لإجابة شافية: هل خرجت المدرسة إنسانا فاهما وخلوقا وراسخ الصلة بثقافته ومجتمعه؟

إن اختزال النجاح التربوي في الرقم وحده خطر على معنى التعليم. لأن الأرقام تعجز عن تفسير التجربة الإنسانية بكاملها. والاختبار يقيس الجوانب الأكاديمية بينما شخصية الطالب أوسع من ورقة التقويم. لذلك تحتاج المدرسة إلى عين بحثية ثاقبة ترى ما وراء النتيجة، وتقرأ الاضطراب الصامت، وتفهم أثر البيئة وتعيد وصل المعرفة بالحياة.

وينبغي لمراكز الدراسات التربوية أن تقوم دراساتها بتفعيل التكامل مابين علوم التربية والنفس والاجتماع والاقتصاد والتقنية وفلسفة القيم. إن طالب اليوم يذهب للمدرسة حاملا معه منزله وقلقه ورغباته وصورته عن نفسه، ومتأثرا بما يراه في الشاشة والشارع والمجتمع، لذلك يحتاج المركز التربوي إلى فريق يضم الباحث التربوي، والأخصائي النفسي، والباحث الاجتماعي، وخبير البيانات، والمتخصص في التقنية، والمهتم بالقيم والثقافة.

وهنا يبرز سـؤال آخر: من يضمن أن تكون هذه المراكز عقلا ناقدا، بعيدا عن أي مؤثرات خارجية؟ تعمل مراكز الدراسات التربوية في سياقات سياسية وإدارية معقدة؛ إذ تمول في الغالب من جهات حكومية، وقد يطلب منها إنتاج ما يبرر قرارات سابقة بدل إضاءة طريق جديد. لذلك يغدو إنشاء المركز وحده أمرا قاصرا؛ إذ تحتاج هذه المراكز إلى حوكمة تحفظ لها بإستقلالية نسبية: في تحديد أسئلتها، ونشر نتائجها حتى إذا خالفت التوقعات، وفي علاقتها بصانع القرار، على أساس المشورة بعيدا عن الإملاء. المركز التربوي العاجز عن قول علينا مراجعة المسار، أو لعلنا نخطئ، يفقد جوهر اسمه ومعناه.

يحتاج المركز البحثي التربوي الجاد إلى أربع ركائز :

  1. قاعدة بيانات وطنية قابلة للتحليل،
  2. وفريق متعدد التخصصات يضم التربوي، والنفسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والتقني،
  3. وآلية دورية لنقل المعرفة إلى الميدان عبر تقارير مبسطة بعيدة عن التعقيد الأكاديمي ولقاءات مع المعلمين،
  4. وهيئة مستقلة لتقييم أثر السياسات قبل تعميمها.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي في صميم حياة الطالب والمعلم، صار على هذه المراكز أن تجيب على أسئلة جديدة: كيف يتبدل مفهوم التعلم مع الأدوات الذكية؟ ما أخلاقيات استخدام بيانات الطالب؟ كيف نحمي خصوصيته ونحن نراقب تقدمه؟ وماذا يبقى من دور المعلم إذا أتقنت الآلة التلقين والاختبار؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى بحث متخصص حى نصل إلى إجابات صحيحة، وبذلك يصبح المركز التربوي قادرا على قراءة الواقع قراءة واسعة، وعلى بناء قواعد بيانات تربوية، وإجراء بحوث ميدانية دورية، وقياس أثر السياسات، وتحليل اتجاهات الطلاب والمعلمين والأسر، ودراسة أثر التحول الرقمي، وتقديم أوراق سياسات لصناع القرار، وبناء صلة حية بين المدرسة والجامعة والمجتمع.

ومن باب التذكير أيضا علينا العودة للنظر في تراثنا الإسلامي وعمقنا الحضاري الذي قدم بعض الإجابات حول مشروع بناء الإنسان، لقد نظر العلماء إلى العلم على أنه تهذيب للعقل والنفس والخلق، متجاوزا جمع المعلومات وحدها. وسنجد هذه المعاني في كتابات الإمام الغزالي حول آداب المتعلم وتهذيب النفس، وفي تحليل ابن خلدون لصلة التعليم بالعمران والحضارة، وينبغي أن يستعاد اليوم، لأن أزمة التعليم الحديثة أزمة رؤية ومعنى، قبل أن تكون أزمة أدوات.

إن الأمم تنهض بالعقول التي تفكر في التعليم، وتنهض أيضا بالمدارس والجامعات. وقد تستطيع المؤسسة التعليمية أن تسير يومها بالإدارة، وأن تضبط أعمالها بالتعليمات، إلا أن بناء المشروع التربوي العميق يحتاج إلى عقل بحثي يقرأ الواقع، ويفهم التحولات، ويستشرف المستقبل. والخطر الأكبر أن يتحول التعليم إلى مؤسسة كثيرة الحركة والإنتاج إلا أنها عاجزة عن رؤية البوصلة.