يهدف هذا البحث إلى تقديم مقاربات منهجية للخطاب ما بعد الكولونيالي، ونظريته النقدية، وهذا يأتي من منطلق محدودية المتون المعرفية أو الدراسات الأكاديمية القادرة على الإحاطة بأهم الأسس والمبادئ التي ينهض عليها هذا الخطاب، ولا سيما تجلياتها في الفعل النقدي الممارس، بمعنى آخر، التمكن من العمق النظر بغية تذليل عمليات التطبيق، ومن هنا، فإن فرضيتنا تتحدد بتوفر بمقترحات بحثية يستعين بها الباحث العربي حيث يسعى البحث إلى الإجابة عن بعض الأسئلة التي تتعلق بمفهوم الخطاب ما بعد الكولونيالي، ومصطلحه، بالإضافة إلى مستويات المقاربة النقدية في الخطاب ما بعد الكولونيالي، وبوجه خاص الاتكاء على بعض المرجعيات الأكاديمية الأساسية بغية الاطمئنان إلى تمثل الممارسة النقدية تبعاً لأصولها المعرفية، والمبادئ التي تحكمها.

الكلمات المفتاحية : النقد؛ خطاب ما بعد الكولونيالية؛ المنهج؛ مرجعيات أساسية

Abstract

The aim of this research is to present a methodical approach of the postcolonial discourse and its critical theory in terms of a limited epistemology approach or academic studies in Arabic that are capable of grasping some of the foundations and principles of this discourse, especially its manifestations of critical action. Hence, this research is based on the hypothesis of the availability of research proposals that may be used by the Arab researcher to answer a few questions related to the concept, and levels of practical approach in the post-colonial discourse. In terms of reliance, on some basic references concepts to achieve assured practice, according to their backgrounds, and the principles that direct them.

Key words: Criticism ; Postcolonial discourse; Methodology; key references

1- توطئة

في ظل التجاذب الحاصل بين الثقافات وتنازعها نتيجة الإرث الاستعماري يمكن القول بأن العملية الاستعمارية لم تنجز بعد، حيث ما زال ثمة نماذج من الهيمنة التي تتخذ من العولمة، وتوابعها، آليات فعل، ونعني التبعية الاقتصادية والثقافية بوصفها أدوات جديدة للهيمنة، وهي تتغاير عن النموذج الكلاسيكي القائم على التدخل العسكري المباشر الذي يُلجأ إليه في الحالات القصوى كما في العراق وأفغانستان، وبخاصة عند تلاشي الوكلاء الاستعماريين من النخب الوطنية الحاكمة، وبهذا فإن النماذج الخطابية ستبقى فاعلة بهدف تمثيل هذه التجربة المستمرة، ولكن ضمن آليات، ومظاهر متحولة، ما سبق يؤكد أهمية الفاعلية النقدية للخطاب في الدرس العربي المعاصر، غير أن العملية برمتها تتجلى في النصوص التي لا تعني ركاماً من اللغة، إنما هي تحيل – كما يرى “جوناثان كولر” – إلى مجمل الثقافة بأكملها بما في ذلك التجربة الإنسانية أو الممارسات الدالة وتمثيلها¹، وهي تتصل أيضاً بصورة أو بأخرى مع الموروث التاريخي أو مخلفات الاستعمار²، الذي حمل معه الكثير من التوتر.

يهدف هذا البحث إلى محاولة تقديم مقاربة منهجية للخطاب ما بعد الكولونيالي ضمن سياق أكاديمي يتيح للدارسين الراغبين الإفادة من هذا المنهج، ونعني صيغاً تنظيرية وتحليلية تمكن الناقد من دراسة الآداب الكولونيالية، وما بعدها، ومسوغنا في ذلك افتقار النقد العربي إلى دراسات منهجية واضحة، أو ذات طابع مدرسي، تعين الباحث على تفهم هذا الاتجاه، وتمثله سواء أكان على مستوى التنظير أم التطبيق. ومن هنا، فإن هذا البحث يسعى إلى تقديم إطار معرفي ومفاهيمي للخطاب ما بعد الكولونيالي، بالتجاور مع تقديم تصورات أساسية تطاول المداخل التي يمكن من خلالها البحث في النصوص الأدبية أو الأدب الخاص بهذه التجربة، فضلاً عن التوقف عند أهم المقولات النقدية التي تنتهجها النظرية، ولا سيما مرجعياتها الأكاديمية الأساسية، مع تأكيدنا بأننا لم نُحط بكافة القضايا التي يمكن أن تشكل مجمل الخطاب، إنما آثرنا البحث في المركزي منها، مما يُمكّن الباحث من الشروع في التنظير والتطبيق على حد سواء.

2- الإطار والمفهوم

أ- الاستشراق ومقدمات الخطاب

ينظر لكتاب “الاستشراق” للناقد الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد على أنه أحد أهم الكتب التي أحدثت تطوراً في الخطاب النقدي العالمي نظراً لتدشينه مفهوم خطاب ما بعد الكولونيالية ونظريته، اتكاء على تطوير نظرية ميشيل فوكو لمفهوم الخطاب³، بالإضافة إلى إسهامات أخرى لكتاب، ومفكرين آخرين، منهم هومي بابا، وغاياتري سبيفاك، وبيل أشكروفت، وليلى غاندي، وغيرهم.

يمكن النظر إلى خطاب ما بعد الكولونيالية بوصفه أحد الاتجاهات التي تتعالق مع الدراسات الثقافية والتاريخانية الجديدة، فهي مجتمعة تُعنى بالمنظور السياقي المعرفي، وتمثلاته في الخطابات، اتكاءً على النموذج المتصل بالحدث، ونعني هنا “الاستعمار” الذي أحدث تحولاً في وعي الشعوب المستعمرة والمستعمرة على حد سواء.

ينهض كتاب “الاستشراق” على حفر معرفي عميق في العديد من الخطابات التي نشأت من لدن المستشرقين الغربيين الذين قدموا إلى الشرق بهدف دراسته، ومن هنا يُعرَّف الاستشراق حسب إدوارد سعيد بأنه “الأسلوب الغربي للسيطرة على الشرق، وإعادة بنيته، وامتلاك السيادة عليه”⁴. ولعل هذا الفعل ينطوي على تمثيلات طالت الشرق تبعاً لخطاب غربي اعتمد مُتخيَّلاً أنتج صورة متخيلة مغايرة للشرق. هذه الصّورة أو التمثيلات الغربية التي تعالقت مع التّجربة الاستعمارية التي حاولت أن تفيد من المعرفة بهدف السَّيطرة، وبذلك فقد أمست “المعرفة” ذراعاً معرفياً للقوة العسكرية لتحقيق الهيمنة والسّيطرة على الشرق، أو المستعمرات، ولا سيما في خطابات كل من الإنجليز والفرنسيين الذين استعمروا قطاعات كبيرة من العالم.

لا بد من التأكيد على أن أعمال إدوارد سعيد قد مثلت التَّدشين المنهجي لخطاب ما بعد الكولونيالية، ولا سيما كتاب “الثقافة والإمبريالية”⁵، حيث اتخذت أطروحاته بعداً أكثر اتصالاً بالتعبير عن دور الإمبراطوريات في صوغ سرديات خاصة بالمستعمرات السابقة، بل قام الكتاب -أيضاً- باكتناه عدد من الأعمال الغربية بما في ذلك الروايات، أو السَّرديات، ولكن في ضوء التجربة الاستعمارية⁶. غير أن ثمة تنظيرات تمهيدية اتجهت مباشرة إلى العملية الاستعمارية متأملة آلياتها، ومقاومتها، كما تداعياتها، ولا سيما كتابات “فرانز فانون” – الكاتب والمناضل المارتينكي- بالتجاور مع كتابات كل من “أتشينو أتشيبي” و”سنغور” و”إيميه سيزار”، وغيرهم من الذين بحثوا في الاستعمار عبر التّجربة الإفريقية، وركزوا على العلاقة الجدلية مع الاستعمار اتكاء على لون البشرة، والعرق، واللغة، بالتجاور مع نزعات عنصرية عرقية. وفي هذا الصدد نشير إلى كتابين هامين لفرانز فانون حيث باتا يمثلان أيقونة في أدبيات هذا الخطاب، ونعني “معذبو الأرض”⁷، وكتاب “أقنعة سوداء، بشرة بيضاء”⁸، وفيهما نقرأ تحليل الآثار السَّلبية للتجربة الاستعمارية على مستوى التمكين النفسي للحادثة الكولونيالية، وضغطها على المكان، فضلاً عن التكوينات العقلية والشَّعورية للإنسان المستعمَر، بالتَّجاور مع خطابات تطال المقاومة، وفكفكة المقولات الاستعمارية، ونعني سرديات المقاومة التي تسعى إلى فكفكة الاستعمار، وقد أوضحت “ليلى غاندي” -ذلك بشكل منهجي- في كتابها “نظرية ما بعد الاستعمار” حيث أكدت على مقاومة سياسات الاستعمار من خلال الأدب⁹ ، وبذلك فقد شكلت كتابات فانون وسيزار وأتشيبي نوعاً من التمهيد لبروز النظرية، أو يمكن أن نقول أنها كانت عبارة عن مقدمات ذات طابع تاريخي للتَّجربة التي أمست مع ظهور الخطاب حقلاً معرفياً له قواعده، وأسسه المعرفة، وبالتَّحديد بعد صدور كتاب “الاستشراق”، وما تبعه من تنظيرات بخصوص هذا الشَّأن.

لعل أهم ما يمكن أن نستنتجه من كتاب “الاستشراق” تلك المقولة القائمة على أن التمثيل الغربي للشَّرق، نتج بغية تحقيق أهداف استعمارية للسّيطرة على الشرق؛ ولهذا كان لا بد من ابتناء صورة مغايرة للحقيقة فيما يتعلق بالشرق، وهي تنهض على متخيل عميق يسكن العقل الغربي ومخياله، حيث يُشيطن الشَّرق، ويختزل في منظومة من التمثيلات السَّلبية التي تنهض على فكرة الثنائية التي شكلت أحد أهم مصطلحات الخطاب ما بعد الكولونيالي، وهي تشمل التخلف والتحضر، والجهل والثقافة، الشَّهوانية والتَّعقل، إذ يُسارع إلى لصق تلك الصفات السَّلبية بالمستعمر، وفضائه الثقافي، وما يُناقض هذه التمثيلات للمستعمِر الأوربي أو الغربي؛ ولهذا نجد أن سمات الخيانة واللصوصية والاستهامات الجنسية، تكاد تكون مقصورة على سكان المستعمرات السابقة، وهكذا فقد بات يُنظر للشرق بوصفه مستودعاً للغرائز الجنسية، فالشرق يُنمط، ويُؤنث، ويُستباح خطابياً كما في العديد من كتابات المستشرقين الغربيين، في حين يجري توصيف الشرق لاحقاً عبر التمثيلات المؤسلبة للإسلام في المخيال الغربي، إذ يسرد إدوارد سعيد نماذج خطابية على هذه التمثيلات التي بدأت مع النصوص اليونانية القديمة، وصولاً إلى التاريخ الحديث، وهو ما يطلق عليه إدوارد سعيد مصطلح “الجغرافيا الخيالية” أو المتخيلة، وهي تتسم بسمات بلاغية محددة، منها التكرار والأبدية، وتتمثل بخلع الصّفات المؤسلبة على الشرق، أو المسلمين والإسلام بدءاً كما في الكوميديا الإلهية لدانتي، وغير ذلك من النصوص¹⁰.

ب- الإطار والمرجعية

تؤكد موسوعة الدّراسات ما بعد الكولونيالية- وهي أحد أهم المراجع الخاصة بهذا الخطاب- على أن الخطاب قد تأسس منهجياً مع كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد سنة 1978، في حين أن سنة 1980 كانت تمثل بداية التدشين لهذا الحقل المعرفي الجديد، في حين مثلت سنة 1990 الانطلاقة الفعلية والمنهجية كونها تعتمد أسساً أكاديمية واضحة، ومن ثم بدأ تدفق التيار البحثي عبر دراسات متعددة تطال كافة القطاعات البحثية، ولا سيما على مستوى تقديم دراسات ذات طابع مدرسي أو أكاديمي، منها كتاب “آنيا لومبا” “الاستعمار وما بعد الاستعمار” 1998، وكتاب ليلى غاندي “نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي- مقدمة نقدية” 1998، وكتاب “بارت مو جلبيرت” بعنوان “النظرية ما بعد الكولونيالية -السياقات والممارسات والسياسات” 1997، وغيرها من الكتب¹¹.

يرى بعض الدارسين بأن خطاب ما بعد الكولونيالية يتقاطع مع العديد من المناهج والتيارات النقدية حيث تتعالق النظرية -شأنها في ذلك شأن الدّراسات الثقافية- بالعديد من الحقول المعرفية والنظريات، ومنها الماركسية، وما بعد البنيوية، والسيمائية، وتحليل الخطاب، والنسوية، والتفكيكية، كما النقد الثقافي، وعلى الرغم من التطور السَّريع والانفتاح الذي ميّز النظرية، بيد أنَّها لم تتمكن من تطوير منهجيات واضحة أو موحّدة، على الرغم من وجود العديد من القضايا المركزية والمكررة¹² ، والتي يمكن أن تشكل صيغة واضحة للمقاربة البحثية.

هذا التعالق المعرفي، يكاد يتصل بمحاولة التَّشريح للنظم الخطابية التي تؤسس لمقولة الهوية، والتّحرر من الاستعمار، كما الطبقة، والعرق، والمقاومة، فضلاً عن حركات التحرر العالمي، والهجنة، بالإضافة إلى قضايا العولمة، والشتات، ولكنها تأتي مجتمعة في طيف الفعل الاستعماري بوصفه حادثة تاريخية تتخلل الخطابات المصاحبة لها؛ ولهذا غالبا ما يُنظر إلى أن أهم مقومات هذه النظرية النقد الأدبي والتاريخ، كونهما يتيحان مجالاً لاكتناه هذه القضايا، فالتااريخ يُتيح أرشيفاً للوقائع الاستعمارية، في حين أنَّ النقد الأدبي يتيح أداة نقدية وتحليلية للنصوص الأدبية التي تتناول الموضوع والأثر الاستعماري، كما يمكن أن نضيف أيضاً العلوم الاجتماعية التي لها دور كبير في رفد هذه النظرية، وبوجه خاص، من حيث تكوين بعض الرؤى الخاصة بالبشر، كون العلوم الاجتماعية تسعى لأن تختبر المجتمعات، ووقائعها في ضوء الفعل الاستعماري¹³.

ج- جدلية المصطلح

لقد أمست كلمة (الكولونيالية) شديدة التّمكن في المرجعيات الاكاديمية والتنظيرية، وبالتحديد في القرن الوحد والشعرين، إذ أصبحت تحيل إلى مكوّن معرفي نقدي فاعل أو حيوي في ظلال تزحزح النماذج الكولونيالية، وابتكار نماذج جديدة للهيمنة، بالتوازي مع دراسة الآثار المترتبة عن تجربة الاستعمار الكلاسيكي، ومن أجل تحقيق قيمة أكاديمية حقيقية، ينبغي أن نميّز بين عدد من المصطلحات والمفاهيم، ومنها مصطلح “خطاب ما بعد الكولونيالية” أو (خطاب ما بعد الاستعمار) حيث إنَّ النقاد العرب يختلفون حول استخدام المصطلحين، إذ يرفض جزء منهم المفردة الإنجليزية أي “الكولونيالية”، من منطلق أنَّ هذه الكلمة أجنبية، في حين أنَّ بديلها العربي متوفر، ونعني كلمة الاستعمار¹⁴، وكي يتحقق التَّمايز الاصطلاحي، فإنَّ استعمال الكلمة العربية، أو الترجمة العربية ربما لا يحيل -حقيقة- إلى الممارسة الخطابية، إنما يبقى مقصوراً على الممارسة التاريخية، ومن هنا، فإنَّ استعمال الكولونيالية يهدف إلى الإحالة إلى النماذج الخطابية المندمجة مع الفعل، وذلك تمييزاً لها عن الفعل المجرد فحسب.

يُعرف مصطلح ما بعد الكولونيالية (الاستعمار) Post-colonialism حسب جامعة دالاس “اصطلاحياً” – من منظور الدراسات ما بعد الكولونيالية- بالاستعمار الجديد Neocolonialism¹⁶. بأنه: “دراسة آثار الاستعمار/ الكولونيالية على الثقافات والمجتمعات، وهو مجال يُعنى بكيفية غزو الدول الأوروبية لثقافات “العالم الثالث” وكيفية السَّيطرة عليها، ومن ثم يبحث أيضاً في كيفية استجابة ثقافات العالم الثالث من خلال المقاومة أو الرفض. يشار إلى أنَّ ما بعد الكولونيالية يمكن وصفها بأنها نظرية لدراسة الممارسات السَّياسية- الثقافية، وتمر بثلاث مراحل عامة، هي:

  • الوعي -في البداية- بالدّونية الاجتماعية والنفسية والثقافية لكون المرء في دولة مُستعمرة.
  • الكفاح لأجل الاستقلال الإثني والثقافي والسياسي.
  • وعي متزايد بالاختلاط والامتزاج الثقافيين¹⁵.

د- آداب ما بعد الكولونيالية

ثمة جملة من الإشكاليات عند تحديد مفهوم “آداب ما بعد الكولونيالية” التي تعدّ من أشد المباحث إثارة للخلاف والجدل بين الدارسين، فكما نعلم بأنَّ إنجلترا وفرنسا، بالإضافة إلى إسبانيا والبرتغال وبلجيكا وغيرها من الدّول الأوروبية، قد استعمرت الكثير من البلدان في العالم، فبريطانيا وفرنسا وحدهما، قد استعمرتا تقريباً ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ومن تلك المستعمرات العالم الجديد، ونعني الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وأستراليا، وبناء عليه، فإنَّ هنالك من يرى بأن آداب هذه الدول؛ أي مستعمرات العالم الجديد، تقع في خانة آداب المستعمرات، بيد أنَّ ثمة تحولاً قد تحقق في الممارسة، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية حيث انحسرت قوى الاستعمار الكلاسيكي: بريطانيا وفرنسا، لتتقدم الولايات المتحدة بوصفها دولة مُهيمنة ما انفكت تمارس ما يتوافق عليه وهذا يتعزز انطلاقاً من فكرة الهيمنة القائمة على التضافر بين المعرفة والقوة أو السلطة؛ ولهذا فإنَّ العديد من الدّراسات بحثت في مفهوم آداب ما بعد الكولونيالية في ضوء هذه التحديات المعرفية والاصطلاحية، ومنها كتاب “الرد بالكتابة” الذي يرى بأن آداب ما بعد الكولونيالية -وهنا التشديد على (ما بعد الكولونيالية)- تعبر عن الأدب الذي وجد في الدول المستعمرة خلال فترة الاستعمار، في حين أنَّ مفهوم ما بعد الكولونيالية يعبّر عن الأدب الذي أنتجته القوى الوطنية، ولا سيما بعد الاستقلال، غير أنَّ المفهوم الشائع ينهض على النظر إلى ما بعد الكولونيالية أو آدابها بأنَّها آداب الشعوب التي تأثرت بالعملية الإمبريالية منذ نشوء الاستعمار إلى يومنا هذا¹⁷.

يأتي كتاب “الرّد بالكتابة” على الآداب التي ينبغي أن تدرج تحت هذا التصنيف، وهي تشمل آداب كل من البلدان الأفريقية، وأستراليا، وبنغلادش، بالإضافة إلى كندا، وبلدان منطقة الكاريبي، والهند، وماليزيا، ومالطا، ونيوزيلندا، والباكستان. وسنغافورة وبلدان جزر المحيط الهادئ وسريلانكا، كما يجب إدراج آداب الولايات المتحدة الامريكية، مع تنويه مؤلفي الكتاب إلى جدلية الدور الكولونيالي للولايات المتحدة، فهي لم تنل الاعتراف الكامل من حيث الطابع ما بعد الكولونيالي لآدابها، بيد أن تاريخ آداب هذه الدولة خلال قرنين، وتحديداً إبان مقاومتها للحكم البريطاني قد يشير إلى توفر بعض السمات¹⁸ ، في حين هناك من يرى بأن تطوير الولايات المتحدة لمقولة “التفوق الأوروبي الأبيض” بوصفه مرجعية لثقافتهم، حال دون إدراج آداب هذا البلد في خانة آداب ما بعد الكولونيالية، كون نضالات الولايات المتحدة ضد الاستعمار تختلف عن نضالات دول آسيا وإفريقيا¹⁹، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن آدابها تقع في وضع بيني، تبعاً للمقاربة، أو الإطار التاريخي للتجربة والممارسة الخطابية التي تميزت بها آدابها، غير أنه يلاحظ أن الكتاب لم يذكر آداب المستعمرات العربية التي تقع في قارة آسيا، ولا سيما سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، بالإضافة إلى تناسي دول الشمال الإفريقي، وبناء عليه يجب أن نضيف آداب هذه الدول إلى مصطلح آداب ما بعد الكولونيالية، مع التأكيد على أن هذا يعدّ خللاً منهجياً، وقع فيه الكتاب الذي كان يسعى إلى وضع تصور منهجي لخطاب ما بعد الكولونيالية ونظريته.

هـ- مقترحات بحثية

قبل البدء في تحديد المداخل النقدية والمقاربة، ينبغي أن نشير إلى أنَّ الفعل النقدي للنصوص الأدبية نهض على البحث في مشكلات هذه المقاربة، وتتحدد عبر النظر إلى العمليات والممارسات التاريخية على أنها نصوص يمكن تحليلها، وبذلك فقد بدأت تحل محل العمليات الاجتماعية²⁰، وهذا ما يحيلنا إلى أثر الدراسات الثقافية، والتاريخانية الجديدة، فقد بات الخطاب والتمثيل حاملين لقيمة واضحة في الفعل النقدي، كون ذلك يتيح اكتشاف المعاني الكامنة خلف الفعل المادي، علاوة على تحديد الفرضيات والسياقات التي قامت عليها تلك العملية الاستعمارية، ومن هنا، فلا جرم أن نبدأ بقراءة الكثير من النصوص الأدبية من خلال وجهات نظر جديدة، أو أن نبدأ بتلمّس البنى العميقة للفعل الاستعماري المتواري خلف المعاني الظاهرة للنصوص، إذ أتاح خطاب ما بعد الاستعمار مقاربة جديدة للأدب، وهذا ما يعدّ نوعاً من الفتح النقدي الجديد عبر الاتكاء على توصيفات معرفية متداخلة أو بينية.

يُشار إلى أنه نظراً لتعدد وتعقيد النماذج والأشكال الاستعمارية، ولا سيما من حيث عمليات التّمثيل التي نهضت بها آداب الدول المستعمرة، وما نتج عن ذلك من آداب مضادة، تهدف إلى تقويض تلك المقولات والأنماط التي سعت الخطابات الكولونيالية إلى تكريسها، وتقوم على تصوير الشّعوب المستعمرة، وذلك من خلال التشديد على تخلّفها، ورجعيتها، مما يتطلب شكلاً أو خطاباً مضاداً (مقاوماً)، وهذا جعل مستويات المقاربة النقدية لتلك الآداب تتخذ أبعاداً مختلفة؛ ولهذا ينبغي أن نستعين بتصورات أو مقترحات للدراسة بغية تذليل صعوبات الشروع بالفعل النقدي، وهي تنهض على مداخل نقدية، بيد أنَّ هذه المداخل لديها مسوغات-ربما تبدو للبعض ذات طابع خلافي- فهل نعتمد تقسيماً زمنياً أم مناطقياً، أم لغوياً، أم مقارناً…؟ كأن ندرس -على سبيل المثال- آداب شعوب وقارات معينة، أم ننظر إلى المراحل الاستعمارية، أم ندرسها حسب الدّول التي قامت بالاستعمار!

وهكذا فنحن أمام مقترحات يمكن أن تلاقي قبولاً ووجاهة نقدية لدى البعض، كونها تسعى لأن تخلق منظومة تتيح -إلى حد ما- الإحاطة بكافة تلك المقترحات، ومن ذلك أن تُدرس تلك الآداب حسب قيم التشابه، أو القواسم المشتركة، ومع ذلك فيمكن النظر لها بوصفها مقترحات أو نماذج نقدية اعتمدها كتاب “الرّد بالكتابة”²¹، وهي بالصورة الآتية:

  • النماذج الوطنية أو الإقليمية: وتحدد بمحاولة إطلاق أدب وطني، أو يتميز بملامح مميزة لثقافة وطنية أو إقليمية، ونموذجه آداب الولايات المتحدة بوصفه يختلف عن آداب إنجلترا أو بريطانيا حيث تتميز بهوية خاصة بها.
  • النماذج التي تركز على العنصرية Race، وتتحدد بصفات معينة تتقاسمها الآداب الوطنية، ومن ذلك كتابة الشّتات الإفريقي، أو كتابة السود.
  • النماذج المقارنة، وتركز على ملامح معينة، كأن تكون لغوية أو خطابية أو تاريخية بين آداب ثقافات، ومن ذلك المقارنة بين آداب الكومنولث.
  • النماذج المقارنة الأكثر شمولية، وتتناول موضوعات أو ملامح مثل التهجين أو التوفيقية ونعني “دمج الفئات اللغوية في شكل واحد”.

لا بد من التّنويه إلى أنَّ هذه النماذج تعمل بوصفها افتراضات أو فرضيات داخل المتن الدراسي، وليس بوصفها اتجاهات أو مدارس نقدية محددة²²، غير أنها يمكن أن تُذلل عقبات الشّروع بالممارسة النقدية، كما تتيح توفر القدرة على اختيار العينات البحثية من أجل تحديد مستويات المقاربة التي سنأتي عليها في المحور القادم.

3- مستويات المقاربة

من أجل تسهيل الممارسة النقدية تبعاً للمنظور ما بعد الكولونيالي فإن المقترحات التي أتينا عليها سابقاً ما هي إلا تصورات، يمكن أن تنطوي على العديد من القضايا والممارسات، ولا سيما كون العملية التي قامت بها الدول الاستعمارية ذات تداعيات واضحة، فقد أنتجت نماذج خطابية اشتغلت على محاولة تحديد خصائص المستعمرات، وتوجهاتها لمواجهة الخطابات الكولونيالية، أو الغربية، وبهذا فإن قضايا كالتمثيل، والعنصرية، والعرق، والمقاومة، والسرديات المضادة، والمركزيات، واللغة، وغيرها، تعدّ مراكز هذه الممارسة النقدية.

أ- الآثار والتداعيات

مع أنَّ الممارسة الكولونيالية بمفهومها المجرد، تنهض على الاحتلال المادي، غير أنَّ آثارها وتداعياتها، تبرز فقط من خلال التشكيلات الخطابية الكامنة، والفاعلة في الخلف، إذ لا يمكن أن ننكر بأي حال من الأحوال بأنَّ رحيل الاستعمار لا يعني غيابه، وتلاشيه بالكلية، فثمة علامات، أو آثار ستبقى كامنة في البنيات الثقافية واللغوية والحضارية للدول المستعمَرة، وهذا ما أفاض بالحديث عنه العديد من المنظرين، ومنهم “فرانز فانون” الذي أدرك الأبعاد النفسية للاستعمار، حيث تمكّن من تحليل تلك العلاقة المعقدة، وتوصيفها بحيث أمست أطروحاته مرجعاً لكل من يرغب في تتبع النماذج العقلية والنفسية أثناء أو بعد انجلاء العملية الاستعمارية بشكلها الواضح والسافر متخذاً من حرب التّحرير في الجزائر نموذجاَ حيث يقول : “إنَّ الاستعمار الذي يحارب الآن تحرير البشر، يدع هنا وهناك بذور تفسخ علينا أن نكتشفها، وأن نستأصلها من أراضينا ومن أدمغتنا”²³، وهذا ما يكاد يستعيده “نغوجي واثيونغو” في كتابه “تصفية استعمار العقل”، ولكن من منظور مادي حيث يبحث مستقبل تلك الشعوب عبر سيطرة صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى بعد ثقافي عميق ومخاتل، وهو ما أطلق عليه مصطلح “القنبلة الثقافية” حيث يقول: “المضطهدون والمستغلون في الأرض، ماضون في تحديهم: التّحرر من السّرقة. لكن السلاح الأكبر الذي أعدّه الاستعمار، وشرع يستخدمه فعلياً كل يوم، ضد ذاك التحدي الجمعي هو القنبلة الثقافية. إنَّ الأثر الذي تحدثه قنبلة ثقافية هو إبادة إيمان شعب بأسمائه، ولغاته، وبيئته، وإرثه النضالي، ووحدته، وقدراته، وفي النهاية إبادة إيمان شعب بنفسه.”²⁴

وهكذا تشكل هذه الرؤية أحد أهم أسس المقاربة ما بعد الكولونيالية، كونها تنهض على مركزية الفعل، أي النظر للأثر والتّداعيات، وهذا ما يجعل هذه الاستراتيجية مركز انطلاق للبحث النقدي في الآداب الاستعمارية، أو آداب المقاومة من كافة الجوانب، ونعني البعدين المادي والنفسي، وهذا يشمل قيمة التمثيل، والمقاومة، والآثار المترتبة على الفعل الاستعماري الذي يخلق منظومة من الهيمنة، يُورَّث أثرها ويُعاد استغلالها من النخب الوطنية بعد جلاء الاستعمار، ولكن الأهم أنها تترك نموذجاَ من الفعل يمكن أن نطلق عليه -تجاوزاً- فلسفة الهيمنة التي يمكن أن تتخلل كافة الممارسات الثقافية على أكثر من مستوى.

ب- اللغة والنموذج المختلط

تعدّ قضية اللغة، والبحث فيها من أهم محاور الخطاب، ويعود تعليل ذلك إلى أنها تنوء بأكبر قدر من الإشكاليات، فإشكالية اللغة تكمن في كيفية التعامل مع لغة المستعمر، حيث تخضع هذه العملية لنماذج من الإنتاجات، وتحدد بثلاثة أنماط: أولاً السَّعي لامتلاك لغة المستعمِر الأجنبي، والرد عليه من خلالها، ثانياً رفضها وتجاهلها، ثالثاً تشويهها، وهذا يختلف تبعاً للتّجربة الاستعمارية والجغرافية، كما المنطقة، فاللغة التي تدرس من خلال علاقتها بالمكان، ومقدار الإزاحة التي يمكن أن يمارس عبر استعمال اللغة، وتوجيهها.

في كتاب “آنيا لومبا” ثمة محاولة لتحديد بعض تلك الممارسات اللغوية أو اللغة التي تصوغ هذه التجربة، حيث تتناول “لومبا” دور اللغة أو الخطابات الأدبية في الاستعمار حيث كان الأدب في السابق فردياً أو ذاتياً، غير أنه بات الآن يمتلك دوراً ووظيفة، تكاد تتخلل كافة النظم والممارسات الاجتماعية والثقافية والتعليمية، فالأدب يقدم نماذج للتعبير عن المشكلة الاستعمارية من جهة، ومن جهة أخرى، فقد أسهمت في بناء سلطة ثقافية للمستعمرين، فلا جرم أن تنعت “لومبا” الأدب بأنه منطقة تماس مهمة²⁵.

تسعى “آنيا لومبا” في كتابها إلى تقييم بعض النماذج التي تستخدم فيها اللغة بوصفها وسيلة لجأ إليها الرحالة الأوروبيون لتمثيل المستعمرات والأراضي الجديدة، بحيث يتحول المكان في لغتهم إلى نماذج استعارية تعادل صورة الأنثى التي ينبغي أن يُستحوذ عليها، ويعاد امتلاكها، بل تم ربط بين تلك الأراضي وبشرة أصحابها الأصليين، وهكذا تختزل هذه الشعوب ضمن توصيفات القذارة والتّخلف والهمجية، وهذا يتحقق عبر متخيل مفارق للحقيقة، أو يجري تشييده ضمن خطابات انطلقت مع عصر النهضة، وهي تنهض على فكرة مركزية الثقافة الأوروبية. ولعل هذا المستوى قد انعكس في العديد من النصوص الأدبية، ومنها قصيدة للشاعر “جون دون”، أو كما في قصيدة “النكوص” للشاعر البريطاني “كيبلنج” الذي يصف الأجناس غير القوقازية، بأنها سلالات أدنى حيث يقول في قصيدته:

   “إذا أسكرتنا القوة وأطلقنا العنان لألسنتنا

    الطائشة دون أن ترجولك وقارا،

    بتلك المفاخرات التي يستخدمها الوثنيون

    أو الأجناس الأدنى دون حكام أو ضابط –

    يا الله يا من في السماوات العلا، لا تفرقنا،

    خشية أن ننسى – خشية أن ننسى” ²⁶

في حين أنَّ استعمال مفردات أو عبارات منها “آكلو لحوم البشر” و”إعصار” أصبحت تحيل إلى معان جديدة، فعلى ضوء القراءة ما بعد الكولونيالية، فقد أمست هاتان الكلمتان تفصلان بين الغرب “أوروبا وأمريكا” من جهة، وبين ما هو خارج هذا النطاق من جهة أخرى²⁷.

تحلل “لومبا” في كتاب للمؤلف “بيتر هيوم” الأثر اللغوي الذي يمكن أن نعاينه في مسرحية شكسبير “العاصفة” حيث إنَّ اسم الشخصية الرئيسية “كاليبان” هو جناس تصحيفي لكلمة “كانيبال” التي تعني آكل لحوم البشر، في حين يُسلط “بروسبيرو” كلباً اسمه “فيوري”- أي الغضب– على الثوار²⁸، وبهذا فإنَّ الأدب يصنع أنظمة من الخطابات التي تعاضد العملية الكولونيالية أو الاستعمارية، ومن ذلك مسرحيات لشكسبير، ومنها “عطيل” و”العاصفة” اللتان تسعيان لأن تظهرا وحشية اللا أوربيين، وعدم كياستهم. فمسرحية “عطيل” ربما تعمد إلى الاتكاء على المنطلق العرقي في خطابها، ولكن نوايا “شكسبير”، تبقى في وضع مُحيّر، فهل يرغب في أن يقول بأنَّ الحب بين الأعراق غير ممكن؟ أم يرغب في أن يدين المجتمع الذي يمنع الحب؟²⁹. لا بد من التّنويه بأنَّ كتاب “آنيا لومبا” يأتي على نماذج كثيرة من الكتابة الاستعمارية، وتشمل “شارلوت برونتي”، و”إم فورستر”، و”جين رايس”، وغيرها من النماذج التي تزخر بالأيدولوجيات الاستعمارية، وقد سبق أن تناول إدوارد سعيد عدداً من هذه النماذج في كتابه “الثقافة والإمبريالية”³⁰.

تنشتغل الكتابة الاستعمارية الأدبية بمحاولة تمكين بعض الممارسات الاستعمارية، ومنها محاولة نشر الثقافة الاستعمارية أو اللغة، أو جعل الشخصيات المستعمرة ضمن التكوين الأوروبي الإنجليزي أو الفرنسي بحيث تهيمن الثقافة الاستعمارية على الثقافة الأخرى، وتلغي وجودها، ويتم تكريس مقولات أنَّ الأدب الرفيع محصور فقط بأعمال أوروبية، فيمسي “شكسبير” أعظم كاتب في العالم، وبهذا يُخلق وعي لدى الشعوب المستعمرة بأنَّ آداب الإمبراطوريات الكبرى هي النموذج المثالي المطلق.

من القضايا التي بحث فيها الخطاب ما بعد الكولونيالي اللغة وانزياحها تبعاً للمكان، وقد تناول كتاب “الرد بالكتابة” نماذج على هذه الإشكالية التي تتمثل بشكل واضح في الدول التي هيمنت فيها لغة المستعمرين لعقود طويلة؛ مما تسبب بثنائيات لغوية، فضلاً عن تراجع اللغة الأم، وانزياحها في بعض الدول المستعمَرة، إذ يشير مؤلفو كتاب “الرد بالكتابة” إلى وجود فئتين من استخدام اللغة غير الأصلية منها ما يقع في مستعمرات المستوطنين كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا ونيوزيلندا وأستراليا، والمستعمرات التي تعرضت للغزو حيث تبنّى المستعمرون أو المستوطنون الأوربيون اللغة التي استوردت من الخارج، أي اللغة التي أحضروها معهم، والتي ليس لها علاقة مع الأرض، وبذلك فقد أزيحت لغة السكان الأصليين مقابل حضور لغة جديدة على تلك الأرض، في حين أنَّ النموذج الثاني يتمثل بالمستوطنات التي تعرضت للغزو ونموذجها الهند ونيجيريا³¹، كما يمكن أن نضيف الجزائر أيضاً بوصفها نموذجاً موسعاً عربياً على هذه الدول. هذه الوضعية تتيح لنا نقاشاً موسعاً في نهج الكتاب والأدباء في التعامل مع هذه اللغة المستوردة، فقد أنتج هذا المسلك -حسب مؤلفي الكتاب- إشكالية عميقة سواء أكان استعمال اللغة الإنجليزية أو الفرنسية بديلاً عن اللغة المحلية، أم تحولت اللغات الاستعمارية إلى لغة وسيطة أو بديلة، تضمن مقروئية عالية نظراً لانتشار اللغة، غير أنَّ كلا النهجين، ينتجان تشوهاً، وقد تؤديان إلى انفصال بين إدراك العالم والتواصل معه³²، وهنا نستذكر مناقشات معمقة قام بها الكاتب الكيني “نغوجي واثينغو” بخصوص هذه القضية، كما “إدوارد سعيد”، ولا سيما في سيرته الذاتية “خارج المكان”، وغير ذلك من الكتب التي أتت من لدن أدباء المستعمرات السابقة.

من الملحوظات التي تتعلق باستعمال لغة المستعمر لدى كتاب وأدباء المستعمرات ما يتصل بأنَّ أعمالهم الأدبية تبدو بعيدة عن التقاليد الأدبية الأصيلة لإنجلترا³³، وهذا يدعونا إلى التركيز على عدد من المصطلحات التي شاعت في منهجيات تحليل اللغة في الخطاب ما بعد الكولونيالي، ومنها على سبيل المثال الاستحواذ Appropriation ، ويقصد به سعي المجتمعات المستعمرة أو مجتمعات ما بعد الكولونيالية إلى الاستحواذ على المظاهر الخاصة بثقافة القوة الإمبريالية، وهذا يشمل لغتها والقوالب الكتابية، كما أفلامها ومسرحها، وسائر الفنون³⁴. إنَّ مقصدية التخريب اللغوي تستدعي خلق لغة هجينة أو مختلطة، وهذا ينسحب على إنشاء نوع من الهويات غير النقية، بوصفه سلوكاً أفرزته الآداب ما بعد الكولونيالية التي نشأت في المستعمرات³⁵، فكما هو معلوم تسعى القوى المستعمرة إلى جعل ثقافة المستعمرات، وآدابها تابعة لها، وهذا يُنشئ نمطاً مضاداً، يهدف إلى مقاومة هذا السلوك، من خلال فعل استملاك تلك الثقافة والاستحواذ عليها، أو تشويهها، غير أنَّ استعمال اللغة الإنجليزية ربما يشي بإشكاليات الخبرات التي تنطوي عليها اللغة، فضلاً عن الملحوظة التي أشار لها “نغوجي واثينغو” بخصوص استعمال لغة المستعمرات الذي – ربما – يبقى محصوراً على النخب المتعلمة، وبناء عليه فهي لا تعكس النمط المقاوم، فالكثير من النخب أو المجتمعات المتعلمة غالباً ما تكون على علاقة تبعية مع القوى الإمبريالية، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بمصطلح “الازدواج الوجداني”³⁶، حيث تعاني المستعمرات السابقة من سلوك نفسي يتمثل ببروز نزعة ثنائية تنهض على الإعجاب بالمستعمر ومحاولة تقليده، أو على العكس رفضه، ومحاولة تجاوزه.

ج- الإمبراطوريات والسرديات المقاومة

في سبيل تمكين التحليل ضمن منهجيات خطاب ما بعد الكولونيالية سنعمل في هذا المحور على تحليل أثر سرد الإمبراطوريات، ومن ذلك اقتراح استراتيجيات قراءة للآداب التي نشأت في المراكز أي آداب المستعمر الأوروبي، ومحاولة استيعاب الملاحظات المعنية بتمثيل المستعمرات السابقة، وهي تشمل أعمال وكلاسيكيات أدبية غربية قرئت في ضوء التجربة الكولونيالية، ومنها على سبيل المثال روايات “حديقة مانسفيلد” لجين أوستن التي تكشف عن ملحوظات تتصل بقيام المجتمعات الأوروبية المتحضرة عبر الإفادة من المستعمرات، واستغلالها، وبهذا فإننا نعيد صوغ العلاقة بين المستعمرات والدول الاستعمارية أو تلك الإمبراطوريات من خلال الأسس أو الدوافع الاقتصادية³⁷، كما أنها تتصل بإشكاليات عرقية، فعلى الشَّعوب المستعمَرة أن تبقى ضمن نطاق العبودية والعمل لفائدة السَّيد الأوروبي، انطلاقاً من أنها أقل مرتبة نظراً لعرقها، ولونها، وبهذا يتداخل البعدان العرقي والطبقي معاً ليشكلا أحد أهم أدوات التحليل للآداب التي تنطلق من مراكز الدول الاستعمارية الكبرى. فمن أجل أن يكفل الأوربي وجوده ورفاهيته، ينبغي أن يستهلك المستعمرات، وينهب خيراتها، غير أنَّ ثمة أجزاء كبيرة من المنهجية النقدية تتصل بمحاولة تأسيس خطاب مناهض للخطابات الاستعمارية؛ ولهذا نجد أنَّ آداب المستعمَرات تسعى إلى فكفكة تلك التصورات المركزية، كما تعرية المفاهيم الاستعمارية، وآثارها على المستعمَر. في هذا الصدد نشير إلى مثال لرواية محورية، وهي رواية “تشينوا أتشيبي” بعنوان “الأشياء تتداعى”³⁸ التي تسعى إلى تقديم سرد للفعل الكولونيالي، وأثره على قرية من القرى الإفريقية التي تفقد نظامها وهدوءها جراء تسلل القيم الاستعمارية، مما يتسبب بانهيار المجتمع، ومنظومته الثقافية التي كانت قائمة لقرون خلت، كما نجد نماذج أخرى، ومنها رواية السوداني الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” التي تصور مؤثرات تاريخية تتصل بالاستعمار الإنجليزي للسودان، ومحاولة الرد عبر شخصية “مصطفى سعيد” الذي يقاوم الاستهمام الجنسي الأوربي للعرق الأسود، وتمثيلات أخرى³⁹، ولعل هذا العمل يأتي في مواجهة طباقية⁴⁰، مع رواية جوزيف كونراد “في قلب الظلام” وبهذا نلاحظ أنَّ كافة التمثيلات التي تحتملها النصوص الغربية القائمة على تصورات إمبريالية تتصل بالنماذج الثقافية للشخصيات أو الشعوب الأصلانية، أو الأصلية التي تتعرض للمقاومة والمناهضة، عبر كتابات ظهرت في تلك المستعمرات، وتسعى إلى فكفكة تلك السرديات التي نشأت في الإمبراطوريات الاستعمارية.

د- التمثيل Representation

يُنظر للتمثيل بوصفه مصطلحاً نقدياً شديد التموضع في الدراسات الثقافية، والخطاب ما بعد الكولونيالي، وهو مفهوم نجده منتشراً في كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد، ويذهب إلى تحليل الخطابات الغربية التي أنشأت ما يمكن أن نطلق عليها مجازاً صوراً متخيلة للآخر؛ أي ذاك الذي ينفر عن دائرة المركزية الغربية، ويشمل الشعوب التي لا تتشارك الإرث العرقي أو الثقافي مع الغرب، وبما أنَّ التمثيل صيغة تتعالق مع النصوص على اعتبار أنَّ تلك النصوص تتكون من صيغ لغوية تسعى لإنشاء وجود مغاير للحقيقي، وبهذا فإنَّ “التمثيل” يعني صيغاً متخيَّلة مفارقة للوجود الحقيقي؛ ولهذا سنجد أنَّ الصّورة النمطية على سبيل المثال للشرقي أو العربي في الكثير من الأعمال السينمائية تتصل بالإرهاب، وبهذا فإنَّ هذا التمثيل يصوغ وعياً قائماً ومتكرراً بحيث تطغى هذه الصّورة على حقيقة الوجود، وهو ما يمكن أن نطلق عليه نوعاً من التنميط والقولبة التي تتمّ عبر أدوات إنشائية خطابية.

يُعدّ “ستيوارت هال” من أبرز الذين قدموا مفهوم التمثيل ضمن أكثر من مستوى، حيث تقصّد في بحثه قطاعات معرفية متعدّدة، كما قدّم تصوّرات عميقة لأثر التمثيل في تبيان الاختلافات والفروق من ناحية دلالية وثقافية، إذ يرى أنَّ التمثيل يعني استعمال اللغة لخلق معنى ما، أو ربما تصوّرات ما حول العالم، بما في ذلك الإنسان، فالتمثيل يعني عملية تبادليّة وإنتاجيّة، تقع بين أعضاء الثقافة عبر استعمال اللغة والعلامات، والصّور، غير أنَّ هذا يبدو إلى حدّ ما بعيدا بعض الشيء عن تقديم شمول حقيقي لمفهوم التمثيل⁴¹ ، فثمة عدد من الاشتراطات ينبغي أن تتحقق، وتتحدد بآليتين: الأولى توفر نظام مفاهيمي أو ذهني يتشاركه الأعضاء بخصوص موضوع ما. الآلية الثانية تتحدد بتوفّر شبكة مفاهيميّة لا يمكن أن تحيط بها الصّور أو الأشياء، ويعني مفاهيم عقلية، كالموت، والصّداقة على سبيل المثال، وهي تخضع في تكوينها لتسنين مُنظّم، يقوم على التصنيف والتحديد، كما إقامة الفروق الدلالية، ومن هنا، تنشأ قيمة التمثيل حين نبدأ في البحث عن التّصورات الذهنية، وما يقابلها في الواقع، فثمة اختلاف – على سبيل المثال – بين الطيران القائم على الفعل الطّبيعي من قبل الطيور، والطيران الذي يتحقق عبر الإرادة الإنسانية ممثلاً بالطائرة التي من صنع الإنسان، وهذا مما يتطلب فعلاً للتمييز بين المفهومين عند محاولة إجراء التمثيل بحيث نخضعه لعمليات عقلية تصنيفية، وتنظيمية⁴².

وبناء على ما سبق، فإنَّ عملية التمثيل تخضع لنظام من التفسير القائم على اللغة، كما فعل الإعداد التنظيمي لتحديد المفاهيم، وهذا ما يقودنا بصورة أو بأخرى إلى القدرة على تقدير قيمة التمثيل في الخطاب ما بعد الكولونيالي، كونه يهدف إلى اللغة في شكل تنظيمي، ومن ذلك تمثيلات الآخر، بما في ذلك العالم المستعمَر، وجغرافيته، وشعوبه التي تخضع لهذا النظام النّاشئ من لدن الخطاب الغربي، فهي في جزء كبير منها لا تماثل الوجود الحقيقي، إنما هي ناشئة عن تصوّرات كامنة في وعي الغربي، أو لا وعيه لما يقابله في العالم، وهكذا، فلا جرم أن يؤكد “ستيوات هال” على أهمية التمثيل كونه يخضع لنوع من التوافق النظامي بين أطرافه أو كما يمكن أن نسميه اتفاقاً على كتل من اللغة والصّور والشفرات التي تتيح تفسيراً للموضوع عينه من وجهة نظر محدّدة.

يُعدّ مفهوم “الآخر” وتمثيله قائماً في العديد من المباحث المعرفية، بما في ذلك البنيوية، والتحليل النفسي، كما التفكيكية، غير أنَّ مفهوم الآخر في التعريف ما بعد الكولونيالي يدين بشكل واضح إلى ما رسمه “إدوارد سعيد” من حدود تتعلّق بتمثيل الآخر، وهنا نستعين بوضع شارح قدّمته “موسوعة الدّراسات الثقافية” التي ترى أنَّ مفهوم الآخر يعني الخاضع، أو الشَّرقي أو ذلك الآخر بالنسبة للأوربي، وبذلك فإنَّ ثمة مفارقة بين التّمثيل والهوية الحقيقية للشَّرقي، وهذا مما يعني انحرافاً واضحاً عن تمثيل الوجود بجوهره الحقيقي، وهو يتّصل بطريقة أو بأخرى بمعنى الهوية الذاتية والقوة⁴³.

هـ- دراسات التابع :Subaltern Studies

يشكل مفهوم دراسات التابع أحد أهم المدارات النقدية التي تتّصل أو تندرج في خطاب ما بعد الكولونيالية، فمصطلح التابع Subaltern يحيل إلى الأدنى مرتبة؛ أي الذي يقع تحت حكم هيمنة فئات مهيمنة، ويعود استعمال هذا المصطلح إلى تنظيرات المفكر الإيطالي غرامشي، ولكن هذا المفهوم سرعان ما طوره الخطاب ما بعد الكولونيالي كي يتّجه إلى دراسة السّمات العامة للتبعية لدى المجتمع الجنوب آسيوي، وقد أسّست التوجّه البحثي “راناجيت جوها” مع مجموعة من الدارسين الذين ركّزوا على دراسة أحوال المهمشين، ودور النخب الوطنية أو البرجوازية الوطنية التي كان ينظر لها على أنها نتاجات الاستعمار البريطاني⁴⁴.

وهكذا، فإنَّ دراسات التابع جاءت لتعيد التركيز على الفئة المهمّشة أو غير الممثلة، مقابل تقدّم النخب في دول جنوب شرق آسيا⁴⁵، غير أنَّ دراسات هذه المجموعة تعرّضت للنّقد على يد الباحثة “غاياتري سبيفاك” التي جعلت أبحاثها تتجه إلى نماذج أخرى ذات طابع إشكالي كما في بحثها الشهير “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟⁴⁶” وفيه ركّزت على مواصفات جماعات المهمشين، وما تتميز به من خصائص تبدو لا متجانسة، وهذا مما يعدّ نقدا مباشراً لأسس التنظير الذي قامت به المجموعة، فسبيفاك تنقل مركز البحث إلى النساء بوصفهن جماعة مهيمناً عليها من قبل الذكور، ونموذجها النساء الهنديات أو الآسيويات اللاتي تعرضن لتهميش مضاعف كونهن ينتمين إلى مجموعات مهمشة عرقيا، أو جنسياً⁴⁷. كما استعمارياً، في حين ثمة نقاشات أو تساؤلات حول قدرة التابع على الكتابة بلغة الآخر، والتّعبير عن مقاومته، ورفضه للامتثال للخطابات الغربية التي تحاول أن تكوّن صورته الخاصة في ضوء التَّمثيلات التي أنتجتها⁴⁸. هذا الجانب يعدّ أحد أهم أبعاد التَّنظيرات الخاصة التي تتّصل بمفهوم التَّابع في الدراسات ما بعد الكولونيالية.

4- خاتمة

نخلص في نهاية هذا البحث إلى أنَّ خطاب ما بعد الكولونيالية قد نهض على تنظير استمد مرجعياته أو خطابه الخام من تنظيرات عدد من الكتاب الذين خبروا التجربة الاستعمارية، ومنهم فانون، وسنغور، وسيزار، غير أنَّ التنظيرات التي أنتجها كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، ولا سيما محورية “التمثيل” Representation قد أسهمت في إطلاق تمكين صيغ بناء الخطابات التي تتخذ من عمليات التنظيم الخطابي مركزاً لها في الخطاب ما بعد الكولونيالي، مع انفتاحها على العديد من الحقول المعرفية، غير أنَّ هذا الخطاب احتمل العديد من القضايا المركزية بالتّجاور مع التمثيل، ولا سيما دور اللغة في تشكيل هذه الصّيغ، وانبثاق قضايا العرقيّة والعنصريّة، والسَّرديات الناشئة من رحم الإمبراطوريات مقابل سرديات مضادّة، بما في ذلك نشوء ما يعرف بدراسات التابع، وبهذا فإنَّ أهمية الخطاب تتحدد بمحاولة تحليل كافة صيغ الهيمنة التي تحتاج إلى مقاربات منهجية حاولنا أن نقدّم بعضاً منها بهدف تمكين الباحث من هذه الصّيغ والرُّؤى والمقاربات نظراً لافتقار الممارسة الأكاديمية لهذا النّوع من الدّراسات.