لم تعد الشهرة في البيئة الرقمية نتيجةً تالية لإنجاز أو مكانةٍ سابقة بالضرورة، وإنما أصبحت ممارسةً يمكن صناعة شروطها وإدارة حضورها، حتى غدا الانتباه مورداً للمكانة والاعتراف. فالمنصات الاجتماعية وسعت إمكان الظهور، وجعلته في الوقت نفسه قابلاً للقياس والمقارنة والاستمرار، بما نقل الشهرة من وصفٍ يلحق بالإنسان إلى مشروعٍ يمكن السعي إليه من داخل الحياة اليومية. غير أن هذا الاتساع يحمل مفارقته؛ فما يبدو امتلاكاً لانتباه الآخرين قد يتحول إلى حاجةٍ مستمرة لصيانته، فيصبح السؤال متعلقاً بما تفعله الشهرة بالإنسان حين يُدخل نظر الآخرين في تقديره لذاته وعمله.
ينظر عبد الله الوهيبي في كتابه «صناعة السمعة في الشهرة الرقمية» إلى الشهرة من هذه الزاوية؛ بوصفها علاقة بالذات والقيمة والاعتراف، لا مجرد اتساع في الحضور. ومن هنا تتحرك أسئلة الكتاب حول المسافة التي يحتاجها الإنسان بين ما يراه في نفسه وما يراه الجمهور فيه، وكيف يمكن أن يظل الظهور تابعاً لقيمة العمل من غير أن يتحول الاعتراف به إلى معيار يحكم صاحبه.
الشهرة وصناعة الاعتراف
أصبحت الشهرة في البيئة الرقمية قيمةً مطلوبةً لذاتها وطريقاً إلى المكانة والاعتراف، ويشير الكتاب إلى أن الشهرة ارتبطت طويلاً بصفة لازمة لذات الشخص، أو لفعل قام به، أو منزلة أو مكانة سابقةٍ عليه؛ فيُعرف الإنسان وفقاً لذلك. غير أن هذا الارتباط أخذ يضعف مع تشكل صناعة المشاهير في العصر الحالي، حتى أمكن أن ترتبط شهرة المرء بمدى معرفة الناس له فقط. ومع المنصات الرقمية اتسع هذا التحول؛ فلم تعد الشهرة امتيازاً تمنحه المؤسسات الإعلامية لقلةٍ مختارةٍ، بل ممارسةً يمكن تعلم أدواتها وإدارة شروطها، إذ أصبحت شيئاً يفعله الإنسان بدلاً من كونها وصفاً يكتسبه.
ومع ذلك، لا تتطابق الشهرة مع السمعة؛ فالأولى تتعلق باتساع المعرفة بالشخص، بينما تتشكل الثانية من الحكم المتراكم عليه. غير أن البيئة الرقمية قرّبت المسافة بينهما؛ لأن الحضور المستمر لا يوسع دائرة المعرفة بالفرد فحسب، بل ينتج بصورة متواصلة المادة التي تتكون منها صورته العامة.
وحين تصبح الشهرة ممارسةً قابلةً للصناعة، يتغير موقع الاعتراف في حياة الفرد نفسه. فالظهور العام لم يعد احتمالاً بعيداً يرتبط بمكانة استثنائية، وإنما أصبح مشروعاً يمكن السعي إليه من داخل الحياة اليومية. وتمنح المنصات هذا الاعتراف صورةً قابلةً للقياس في المتابعين والمشاهدات والتفاعلات، بما يجعل مقدار الانتباه الذي يحوزه الفرد مؤشراً ظاهراً على حضوره ومكانته. ومع تفاوت الرغبة في الشهرة واختلاف نتائج الدراسات بشأنها، يلفت الكتاب إلى ما وراءها من طلب للتقدير والقبول والمكانة؛ بما يجعل الشهرة أحد تمظهرات السعي إلى الاعتراف الاجتماعي في البيئة الرقمية.
ولا يمكن فهم هذا الجهد المستمر بعيداً عن طلب المكانة الذي يعرضه الكتاب بوصفه دافعاً قد يزاحم المنفعة المادية نفسها. غير أن المكانة، بخلاف الامتلاك، ذات طبيعة نسبية؛ فقيمتها تتحدد كذلك بالموقع بين الآخرين وبالاعتراف الذي يحوزه الفرد مقارنةً بغيره. وتمنح البيئة الرقمية هذا التنافس مؤشرات ظاهرة ومتجددة، بحيث يمكن متابعة الصعود والتراجع لحظة بلحظة؛ إذ أضحى الرقم مؤشراً دائماً على المكانة.
غير أن قابلية الاعتراف للقياس لا تجعل الحصول عليه أسهل فحسب، بل تجعل الذات أكثر تعرضاً للحكم الخارجي أيضاً. فحين يرتبط الحضور بما يتلقاه الفرد من انتباه، يصبح من الممكن متابعته ومقارنته باستمرار، ومن ثم يزداد انشغال المرء بصورته وباستجابة الآخرين لها. كما لا يستقر النجاح في هذا المجال عند حدٍ معينٍ -كما يشير الكتاب-؛ إذ كل حضور متحقق يرفع المعيار المطلوب للحفاظ عليه. وبذلك تنتقل الرغبة في الظهور إلى تعلقٍ باستمراره، ثم إلى خوفٍ من فقدانه، فلا يعود الجمهور شاهداً على الشهرة فقط، بل يصبح طرفاً في استمرارها وفي الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه.
ويمتد أثر هذا التحول من الذات إلى تصور المجتمع للنجاح؛ إذ يستشهد الكتاب بدراسات ترصد ارتفاع مكانة الشهرة لدى الأطفال والشباب، وصعود «المؤثر» و«اليوتيوبر» ضمن المهن المرغوبة. ورغم محدودية التعميم، تكشف هذه المؤشرات تحولاً في تصور النجاح؛ إذ يغدو امتلاك انتباه الآخرين قيمةً في ذاته، وتنتقل الشهرة تدريجياً من ثمرة لما يفعله الإنسان إلى معيار لما يُعد جديراً بالقيمة.
ويتضح أثر ذلك أكثر حين لا يكتفي المشهور الرقمي باجتذاب الجمهور، بل يشارك في تشكيله. فالتواصل المتكرر يخلق شعوراً بالقرب، ويمنح المؤثر معرفةً مستمرةً باستجابة متابعيه، فيعيد تكييف حضوره وفقاً لها. تنشأ بذلك علاقة متبادلة يصنع فيها الجمهور المشهور بمتابعته، بينما يعيد المشهور تشكيل أذواق الجمهور ورغباته ومعاييره للحكم. وبذلك يصبح الانتباه مورداً قابلاً للتحول إلى نفوذٍ اقتصادي، أو اجتماعي، أو سياسي، أو أيديولوجي، وتنتقل الشهرة من مجرد اتساع الحضور إلى قدرة على التأثير فيمن منحها هذا الحضور ابتداء. ولا يقتصر هذا التأثير على الأذواق وأنماط الاستهلاك؛ فتكرار المواقف من شخصيات مألوفة مشهورة، مدعوماً بأرقام التفاعل واتجاهات الجمهور، قد يمنحها طابعاً من العمومية يتجاوز حجتها الفعلية.
اقتصاد الحميمية وصيانة الشهرة
لا تنتهي صناعة الشهرة عند الوصول إلى الجمهور، بل تبدأ من الحاجة إلى الاحتفاظ بها. فالمكانة الرقمية لا تستقر بمجرد تحققها، وإنما تحتاج إلى إنتاجٍ متواصل للمحتوى، ومتابعة الاستجابة، وتجديد الحضور في فضاءٍ سريع التغير. وكلما اتسعت دائرة المتابعين ارتفعت كلفة الغياب؛ إذ أن ما يحتاج إلى الصيانة والمتابعة يتجاوز المحتوى إلى المكانة التي تمت صناعتها في هذه المنصات. ومن ثم تبدو الشهرة من الخارج امتلاكاً للانتباه، بينما يعيشها صاحبها من الداخل عملاً مستمراً للحفاظ عليها.
وتزداد كلفة هذه المتابعة والصيانة؛ إذ لا تنفك مادة العمل عن صاحبها. فالكتاب يعرض أنماطاً تمتد من مشاركة النشاط اليومي واللعب والتجميل إلى ردود الأفعال وفتح المنتجات والبضائع، غير أن الجامع هو حضور الشخص نفسه. فقيمة المؤثر تتكون كذلك من العلاقة التي يبنيها حول شخصه، بما يجعل العفوية والحميمية وتفاصيل الحياة جزءاً من العمل. ووقتها تضيق المسافة بين ما يعيشه الإنسان وما ينتجه؛ فقد لا يقتصر الأمر على عرض ما حدث، بل يمتد إلى النظر فيما يحدث من زاوية قابليته للعرض ابتداءً.
ولا تعمل هذه الدائرة من جهة المشهور وحده؛ فالجمهور يحصل بدوره على عائدٍ رمزيٍ من العلاقة. فالكتاب يعرض ميل الإنسان إلى تعزيز صورته عبر الانتساب إلى شخصٍ ناجحٍ أو مشهورٍ أو جماعةٍ ذات مكانة، والبحث عن المجد من خلال ذلك. وبهذا تقوم العلاقة على تبادلٍ غير متكافئ؛ يحصل فيها المشهور على الانتباه، بينما يمنح القرب منه المتابعين إحساساً بالمشاركة الرمزية في مكانته أو نمط حياته. وتضاعف المنصات هذا الشعور عن طريق جعل البعيد مألوفاً، وإتاحة متابعة التفاصيل الدقيقة للحياة والتفاعل معها.
وحين يصبح القرب من الجمهور مورداً، تدخل الحميمية نفسها في منطق الإنتاج؛ إذ تزداد قيمة المشهور كلما بدا أكثر عفويةً وصدقاً، بينما يفرض استمرار حضوره إعادة إنتاج هذه العفوية أمام الجمهور. وهكذا تتحول الخصوصية وردود الفعل وتفاصيل الحياة اليومية إلى محتوى، ويصبح ما كان جزءاً من الحياة جزءاً من العمل الذي تقوم عليه المكانة.
ومن هنا -كما يشير الكتاب- تبدأ كلفة الشهرة؛ فالحضور المستمر يولّد قلق التراجع والغياب، ويدفع صاحبه إلى مراقبة الجمهور والمنصة وما يضمن بقاء الاهتمام. ومع الوقت قد ينقلب الجمهور من نتيجةٍ للمحتوى إلى معيار سابق على إنتاجه، ثم يتجاوز أثره ما يُنتج إلى المعيار الحاكم؛ حتى يصبح التحدي هو الحفاظ على مسافة بين ما يريده الجمهور وما يراه الإنسان جديراً بالقول والفعل.
أسر الجمهور واستعادة المعيار الداخلي
يبدأ ضبط العلاقة بالجمهور في شبكات التواصل من إدراك كون ما يظهر منه على المنصات لا يمثل صورته الكاملة؛ فالأرقام والتعليقات تكشف الجزء الأكثر حضوراً من الجمهور، بينما تظل الكتلة الكبرى صامتة. ومع استمرار دوامة الصمت هذه؛ يبرز الصوت المتفاعل كممثل للأغلبية، وهو ما يشكل صورة متخيلة عن الجمهور، والتي تتحول تدريجياً إلى مرجعٍ للسلوك. وهكذا قد يخضع المرء لصورة عن الجمهور صنعها من أكثر أصواته ظهوراً.
ومن هنا يربط الكتاب مراقبة النفس باتساق ما يظهره الإنسان مع ما يعتقده؛ فكثرة الالتفات إلى القبول قد تدفع المرء إلى تشكيل صور مختلفة لنفسه، ثم التعلق بالصورة الأكثر نجاحاً حتى يصعب مخالفتها. ومع الوقت لا يقتصر التكيف على الخطاب، بل يمتد إلى الذوق والمظهر وطريقة العرض والتقديم.
ويقتضي ضبط العلاقة بالجمهور وضوح ما يريد المرء تقديمه من خلال هذه المنصات، ومن ثم تحديد الفئة المستهدفة؛ فالانتشار ليس غاية لذاته، بل ينبغي أن يتصل بمجال متقن وحاجة حقيقية. ومن هنا يميز الكتاب بين ما يطلبه جمهور المنصات وما يحتاج إليه؛ فقد تجذب الإثارة والطرافة انتباهاً أسرع، بينما يقتضي حسن القصد أحياناً تقديم ما هو أقل رواجاً وأكثر نفعاً. وبذلك يصبح حجم التفاعل تابعاً للغاية، لا بديلا عنها في الحكم على قيمة ما يُقدَّم.
ويتصل بذلك حفظ حدود الاختصاص؛ فالحضور في مجال ما قد يمنح صاحبه سلطةً تتجاوز معرفته، خصوصاً حين يدفعه الانتشار والعائد إلى الخوض فيما لا يحسنه. وعندئذ قد يمنح الجمهور المشهور مكانة مرجعية لا تستند إلى خبرة حقيقية، فيغدو ضبط الشهرة أيضاً ضبطاً للمسافة بين الحضور والاختصاص.
ويتطلب هذا الاستقلال استعداداً لاحتمال خسارة بعض جمهور المنصات؛ فمَن يعجز عن تقبل تراجع التفاعل يظل أسيراً له. لذلك تصبح القدرة على الخسارة جزءاً من مراقبة النفس، إذ تحفظ للإنسان مساحةً يراجع فيها ما يطرحه وفقاً لمعاييره، لا وفق ما يستديم الانتباه والتفاعل. وكلما خف خوف المرء من فقد الجمهور، اتسعت قدرته على الثبات على ما يراه جديراً بالقول والفعل.
العزلة وفضائل الخمول
لا تُحفظ المسافة عن الجمهور بالمقاومة أثناء الحضور وحدها، بل تحتاج إلى أوقات يخرج فيها الإنسان من دائرة العرض. فالصمت والخلوة والمحاسبة تعيد للمرء القدرة على النظر إلى نفسه وعمله بعيداً عن ضغط الاستجابة، وتكشف له مقدار ما تسلل من معايير الجمهور إلى ذاته.
ومن هذه الحاجة إلى الخروج من دائرة العرض تكتسب العزلة معناها؛ فإذا كانت الشهرة توسع دائرة النظر إلى الإنسان، فإن العزلة تستعيد له مساحةً لا يكون فيها موضوعاً لهذا النظر. فاستمرار الحضور يستهلك جانباً من الانتباه في مراقبة الصورة والاستجابة لتوقعات الآخرين، حتى يعيش المرء جزءاً من حياته من موقع من يراه الجمهور. وهذا ما يكسب أوقات الغياب قيمتها؛ إذ تعيد للإنسان مساحةً يعيش فيها بعيداً عن مقتضيات العرض واستمرار الحضور.
هذا الغياب يعيد للمجهولية معناها بوصفها وجهاً من وجوه الحرية؛ فالشهرة تبدو امتيازاً من خارجها، لكنها قد تجعل الاختفاء نفسه مطلباً؛ وهي المفارقة التي يلخصها فريد آلن بقوله: «إن المشهور يكافح أولاً لكي يُعرف، ثم يضع النظارات السوداء حتى لا يُعرف». فبقاء جانب من الحياة خارج البحث والمتابعة والتداول يحفظ للإنسان مساحةً لا تتحدد قيمتها بمقدار ظهورها.
ولا تقتصر قيمة العزلة على الاحتماء من كثافة الحضور، بل تمتد إلى تكوين الداخل نفسه؛ فالمرء يحتاج إلى زمنٍ ينفصل فيه عن استجابات الآخرين ليعيد ترتيب أفكاره ورغباته واختبارها بعيداً عن ضغط القبول. وبعض صور التكوين تحتاج إلى الخفاء قبل المشاركة، حتى تتشكل الرؤية قبل دخولها المجال العام، ويحتفظ المرء كذلك بقدرٍ من الاستقلال في الحكم على فكره ومراده.
وتظهر أهمية هذه المسافة بوضوح في العمل الفكري والإبداعي؛ فالاتصال المستمر يقسم الانتباه ويضع الذهن في استعداد دائم للاستجابة، بينما تحتاج القراءة والكتابة والتأمل إلى إيقاعٍ أبطأ. وحين ينشغل المرء بأثر ما سيقوله قبل اكتمال النظر فيه، تسبق الاستجابة الفكرة نفسها؛ أما العزلة فتؤخر هذا الضغط وتمنح الفكرة فرصةً للنضوج، فتستعاد الأولوية للعمل قبل صورته وشكل استقباله.
ومن هذا المعنى ينتقل الكتاب إلى نقاش واستعراض بعض أدبيات الخمول؛ أي التحرر من طلب الذكر لذاته. وتظهر أهميته الأخلاقية وقت تسلل حب الشهرة إلى القصد نفسه، خصوصاً إذا ارتبط الظهور بالعلم أو الدين أو الصلاح، فيبدأ العمل بالتكيف مع ما يرفع منزلة صاحبه في أعين الناس. وعندئذ يصبح الخمول حمايةً للقصد من أن تتحدد قيمته بما يضيفه الجمهور إلى صاحبه.
ولهذا يقوم الخمول على فك الارتباط بين القيمة والذكر؛ فقد يكون الإنسان معروفاً من غير أن يجعل الشهرة غايته، وقد يظل مجهولاً بينما يستولي طلبها عليه. فالعبرة بموقع نظر الآخرين من العمل، لا بمقدار الظهور نفسه؛ وبالقدرة على فعل ما يراه الإنسان نافعاً من غير حاجة إلى إعلانه، واحتمال أن يمر من دون اعتراف واسع من غير أن تتراجع رغبته في العطاء لمجرد غياب الاعتراف به.
وتزداد قيمة الخمول بعد تحقق الشهرة؛ إذ قد ينتقل جانب من الجهد من تطوير العمل إلى حماية المكانة والصورة، فيميل المرء إلى تكرار ما أثبت نجاحه خشية فقد الاعتراف. وهنا، يعيد الخمول ترتيب العلاقة بين العمل والذكر؛ إذ يظل الظهور تابعاً لقيمة العمل، مع القدرة على الغياب دون استشعار لفقدان القيمة.
قيمة الكتاب وحدوده
تتجلى قيمة الكتاب في كونه يعيد الشهرة من ظاهرها المرتبط بالانتشار والظهور إلى أثرها في الإنسان نفسه؛ في قصده وعلاقته بذاته ونظرته إلى العمل وصلته بالجمهور. كما ينجح في وصل ظاهرة رقمية حديثة بسؤال أخلاقي؛ عن موقع نظر الآخرين من النفس والعمل، فيستعيد معاني المراقبة والخمول والعزلة من غير أن يعزلها عن بيئة المنصات الاجتماعية.
غير أن ثراء المادة كان يحتاج إلى بناءٍ أكثر إحكاماً؛ إذ تتوزع أفكار متقاربة بين مواضع مختلفة، وتعود بعض القضايا بصيغٍ متعددة، فيما كان جمع المتناظر منها سيقلل التكرار ويجعل تطور الحجة أكثر وضوحاً. كما أن الاستشهاد بالدراسات المعاصرة والنصوص التراثية لا يصاحبها دائماً القدر نفسه من الربط والتحليل. وتظل بعض الآليات التي تصنع الشهرة وتعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجمهور والمنصات أقل تفصيلاً من المعالجة الأخلاقية لسلوك المشهور.
من الفكرة إلى الممارسة
يبدأ الانتقال من الفكرة إلى الممارسة بإعادة ترتيب العلاقة بين الغاية والتفاعل؛ بمعنى أن يتفاعل المرء مع المنصات مع معرفته السابقة بما يريد أن يقدمه ولمن، بحيث تبقى الأرقام استجابة للعمل لا مصدراً لتعريفه. ويتطلب ذلك الإبقاء على مسافة زمنية ونفسية بين الحدث وعرضه، وبين التفاعل والاستجابة له، وخلق أوقاتٍ يخرج فيها الإنسان من دورة النشر والرد ليستعيد قدرته على الحكم على أثر المنصة في مزاجه وقصده وعمله. فالإشكال في هذه المنصات لا يكمن في كثرة الاستخدام وحده، وإنما في فقد المرء القدرة على الخروج منها بإرادته، وتحول التفاعل إلى استجابة تلقائية بدلا من كونه فعلاً مقصوداً.
غير أن استقلال المعيار لا يتحقق بالأدوات وحدها؛ فهو محتاج إلى مراجعة مستمرة للنية والقصد، وإلى أعمالٍ ومساحاتٍ لا تدخل في اقتصاد العرض. فالخلوة، والعبادة، والإنجاز غير المعلن، والصمت عن الاستجابة، كلها تختبر مقدار ما بقي من العمل خارج طلب الاعتراف. وكلما اتسعت هذه القدرة، صار الحضور أكثر حرية واتزاناً، وبقيت المنصات مساحات للفعل.
الخاتمة
تكشف الشهرة في صيغتها الرقمية كيف تتجاوز أدوات القياس وصف النجاح إلى المشاركة في تعريفه؛ فالمشاهدات والمتابعات والتفاعل تكتسب مع الوقت قدرةً على توجيه الطرح ونوعية المشاركة، فيتقدم ما يضمن الرواج وتتراجع خياراتٌ قد تكون أكثر قيمةً وأقل قابليةً للانتشار. وهو ما يؤكد ضرورية إبقاء المسافة بين الانتشار والقيمة، وبين استجابة الجمهور والحكم على العمل، وبين القدرة على التأثير والأهلية له؛ فهذه المعاني قد تتقاطع من غير أن تتطابق. ويظل التحدي في الانتفاع بما تمنحه المنصات من حضور من غير استعارة تعريفها للنجاح، بحيث تبقى الشهرة أثراً ممكناً للعمل، لا معياراً يعيد ترتيب ما يستحق أن يُعمل من أجله.