في أكتوبر  من عام 1938 م أذاع المخرج والممثل الأمريكي أورسون ويلز عبر شبكة سي بي إس  (CBS) الإذاعية الأمريكية معالجة درامية لرواية “حرب العوالم” للروائي البريطاني هربرت جورج ويلز، صيغت بعض مقاطعها في قالب نشرات إخبارية عاجلة تصور غزوا مريخيا للأرض. التبس الأمر على قطاع من المستمعين، واعتقد بعضهم أنهم يتابعون أحداثا واقعية. تحولت تلك الواقعة تدريجيا إلى إحدى أشهر الحكايات في تاريخ الإعلام، وأصبحت شاهدا متداولا على قدرة الوسيلة الاتصالية على إرباك الحدود الفاصلة بين الخبر والمتخيل.

إلا أن الحكاية تستوجب قراءة مختلفة من زاوية استعرضها براد شوارتز في مجلة (سميثسونيان – Smithsonian Magazine) حول ظروف إعداد البث والعوامل التي أوقعت بعض المستمعين في الالتباس، فيما أوضح الباحثان جيفرسون بولي ومايكل سوكولو  في مقالتهما المنشورة في عام 2013م بموقع ( Slatenationwide ) أن رواية الهلع الجماعي الواسع تعرضت للمبالغة في التغطيات الصحفية وأتت ضمن سياق المنافسة بين الصحافة الورقية والإذاعة على الجمهور والإعلانات في ثلاثينات القرن الماضي.

نعم لقد وقع الالتباس بالفعل غير أن حجم الاستجابة وطبيعتها لم يطابقا ردة الفعل والصورة التي استقرت في الأذهان لاحقا ثم أصبحت الواقعة نموذجا على قابلية الرسالة الإعلامية لإحداث تأثير، وعلى قدرة وسائل الإعلام على صناعة سردية مبالغ فيها ناتجة عن ذلك التأثير.

كانت هذه القصة استهلال كتاب “هندسة الجمهور: كيف تغير وسائل الإعلام الأفكار والتصرفات؟ للباحث أحمد فهمي، وطرح بناء عليها تساؤلا عن الشروط التي تمنح الرسائل الإعلامية فرص التأثير، ومحددات ظهور المعلومات، وقواعد انتقاء الوقائع وتنظيمها، وطرائق عرضها، إلى جانب تفاعل المضمون مع مخاوف المتلقي وخبراته ومخزونه المعرفي.

وحظي التساؤل بإضافة طبقات جديدة مع اتساع ظهور البث الفضائي والإعلام الإلكتروني وتطور توظيف معارف علم النفس في عمليات الإقناع والتأثير على الجمهور، و نحاول من خلال إعادة قراءة الكتاب أن نصل إلى  مستجدات البيئة الرقمية، التي أضافت عامل تداخل خوارزميات التوصية وسلوك المستخدمين وتصميم المنصات في تحديد ما يصل للجمهور .

اقتصاد الرسالة وسلطة التمويل

ينطلق أحمد فهمي من فرضية مفادها أن الإعلام يسهم في إنتاج صور منتقاة من الواقع و يعيد تنظيمها وعرضها ضمن قوالب تؤثر  على إدراك الجمهور لها. ويلخص المؤلف هذه الممارسة في عبارة “من الصابونة إلى الرئيس”، إشارة إلى انتقال أدوات التأثير بين تسويق السلع وصناعة الصور السياسية وتوجيه التصورات العامة.

يشدد الكتاب على مسألة ملكية المؤسسات الإعلامية وتمويلها بسبب أهمية عامل توفر الموارد المالية لإنشاء المؤسسات الإعلامية الكبرى وإدارتها، مما يمنح الممولين وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي قدرة على التأثير في أولويات التغطية واتجاهاتها.

 ويذكر المؤلف القراء بأطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس بشأن “إعادة الإقطاع” إلى المجال العام، توصيفا لآليات قد يتراجع معها الطابع النقدي والتعددي للنقاش العمومي لصالح مصالح الجهات المالكة لأدوات الاتصال والنشر.

وتتضح أهمية هذا المنهج في أنه يدفعنا للنظر إلى ما وراء النصوص والأخبار المعلنة، من خلال طرح أسئلة أساسية مثل: من يملك هذه الوسيلة الإعلامية؟ من يمولها؟ ما القضايا التي تسلط عليها الأضواء، وتلك التي تهمل؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن التحكم في صناعة المحتوى الإعلامي لا يعني أبدا الضمان الكامل للتحكم في عقول الناس، فقد تصنع الوسيلة الرسالة لتخدم مصالحها، لكن الجمهور يستقبلها بطرق مختلفة، فيوافق عليها، أو يرفضها، أو يسخر منها، أو يفهمها بعكس ما أرادته الوسيلة، وهذا الأمر يشير إلى الفرق الكبير بين القدرة على توجيه الإعلام، والقدرة الفعلية على تغيير آراء الناس وقناعاتهم.

يواصل المؤلف هذا المنحى في مبحث “الخدعة الأولى: الإعلام لا يكذب”، مفككا التصور القائل إن الثقافة والوعي يمنحان الفرد حصانة تلقائية ضد التضليل بحيث تظهر المعلومة المضللة في صورة اختلاق صريح للوقائع، وقد تتخذ أشكالا أقل مباشرة، مثل بتر السياق، أو تضخيم حدث على حساب آخر، أو ترتيب حقائق صحيحة على نحو يفضي إلى انطباع غير متوازن.

 وتكمن قيمة هذا الطرح في توسيع النظر إلى التضليل وشموله مراحل صناعة الخبر وشروط تقديمه وفهمه وتأويله، ويستدعي هذا الاتساع قدرا من الحذر، من زاوية أن الانتقاء الصحفي وترتيب الأولويات خيارات تحريرية تتطلب دراسة السياق والبدائل المتاحة، مما يحافظ على قيمة الأطروحة في إثارة التساؤل والمساءلة الموضوعية.

كيف تصوغ الآلة الإعلامية عقولنا؟

ينتمي الكتاب إلى حقل دراسات الإعلام والاتصال، ويركز على قضايا التأثير الإعلامي والرأي العام والاتصال السياسي، ويتقاطع مع تخصصات علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السياسي للإعلام والعلاقات العامة. واتبع المؤلف منهجا تفسيريا تركيبيا واستعرض نماذج ونظريات علمية وشواهد من مجالات الإعلان والدعاية والحياة السياسية، وقدمها للقارئ غير المتخصص بهدف تعريفه بطرائق صناعة الرسائل وآليات التأثير، وتعزيز قدرته على مساءلة المعلومات ومقاصدها.

يضم الكتاب مجموعة من النماذج الشارحة لجوانب  من الاتصال الجماهيري. ويبدأ بعرض نموذج عالم السياسة والاتصال الأمريكي هارولد لازويل، القائم على الأسئلة الخمسة: من القائل، ماذا، عبر أي وسيلة، لمن، وبأي أثر؟ ويستعين أيضا بنموذج باحث الاتصال الألماني غيرهارد مالتسكي، الذي يوسع تحليل العملية الاتصالية ليشمل المحددات النفسية والاجتماعية المحيطة بالمرسل والمتلقي، والصور المتبادلة بينهما، إضافة إلى القيود التي تفرضها الوسيلة الإعلامية.

وذكر المؤلف الآليات النفسية والسلوكية، مستعينا بأبحاث عالم الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) الروسي إيفان بافلوف في نظرية الإشراط الكلاسيكي، وهي النظرية التي تفسر كيف يتعلم الإنسان والمخلوقات ربط ردود أفعالهم بمؤثرات خارجية معينة.

وتفرض الدقة التمييز بين هذا النمط من التعلم، والإشراط الإجرائي القائم على علاقة السلوك بنتائجه كما درسه عالم النفس الأمريكي بورهوس فريدريك سكينر ، فضلا عن التعلم بالملاحظة والنمذجة المستند إلى أعمال عالم النفس الكندي الأمريكي ألبرت باندورا وتتقاطع هذه المقاربات داخل حقل دراسة السلوك والتعلم، رغم اختلاف آلياتها وأصولها النظرية، ولا يعني الاستناد إليها في تفسير التأثير الإعلامي أن تحقق هذا التأثير أضحى مثبتا بصورة تلقائية.

وفي غمرة تحليله للوسائط، يعرض المؤلف نموذج “التدفق على مرحلتين” لعلماء الاجتماع إيليهو كاتز وبول لازارسفيلد ، مبرزاً دور العلاقات الاجتماعية وقادة الرأي في تفسير المضامين الإعلامية وتداولها، دون إلغاء إمكان التأثير المباشر لوسائل الإعلام. وفي تناول الكتاب لاستراتيجيات النفوذ، تظهر أيضاً مساعي القوى النافذة إلى استمالة قادة الرأي أو تقليص حضورهم، وهي معالجة تطبيقية لا ينبغي نسبتها إلى النتائج الأصلية لنموذج التدفق على مرحلتين.

ويوظف فهمي نظرية “الاستخدامات والإشباعات” التي أرست أركانها  أبحاث علماء الاجتماع والاتصال كاتز وجاي بلوملر ومايكل غوريفيتش لتفسير دوافع الجمهور والإشباعات التي يسعى إلى تحقيقها، كما يستدعي نظرية “وضع الأجندة” للباحثين في علم الاتصال ماكسويل ماكومبس ودونالد شو حيث تبين تأثير التغطية الإعلامية المكثفة ف وضع قضايا معينة بالواجهة وجعلها في مقدمة اهتمامات الجمهور. وكذلك استعان المؤلف بنظرية “اللعب” في الاتصال الجماهيري لعالم النفس وليام ستيفنسون التي تسلط الضوء على دور المتعة الذاتية والترفيه في استخدام الوسائط الإعلامية، إلى جانب دوافع الحصول على المعلومات.

ويتوقف كتاب ” هندسة الجمهور ” عند نظرية خبير العلاقات العامة الأمريكي إدوارد بيرنز  ومفهوم ” هندسة القبول” القائم على توظيف البحث والتخطيط ووسائل الاتصال والوسطاء الاجتماعيين في تنظيم جهود الإقناع وكسب التأييد للأفكار والبرامج وفي باب ” هندسة العقول والمجتمعات ” يركز المؤلف على الخريطة الإدراكية ويميز بين توظيفها بمخاطبة المعتقدات  والمخاوف وتعديلها بإدخال روايات جديدة تعيد تفسير الأحداث وتنميطها بالسعي إلى توحيد ردود أفعال الجمهور ، لكن تحديد مقدار ما يتحقق من هذه الأهداف لدى المتلقين تظل مسألة بحثية مستقلة عن نيات الجهات التي تصمم مثل هذه الحملات وتنفذها.

تدخل عامل الخوارزميات

تمنح البيئة الرقمية أفكار كتاب “هندسة الجمهور” مجالا معاصرا لإعادة الاختبار والتفسير، حتى خرج قادة الرأي اليوم على هيئة مؤثرين عبر الشبكات الاجتماعية، وتتفاعل تصورات المتلقين السابقة مع المضامين التي توصي بها المنصات استنادا إلى اهتماماتهم وسلوكهم، بينما قد يختلف ترتيب القضايا المعروضة من مستخدم إلى آخر. ويسمح ذلك بإعادة فحص آليات النفوذ التي يناقشها الكتاب، وتحديد حدودها ضمن بيئة تتشابك فيها اختيارات الجمهور مع منظومات التوصية الخوارزمية.

تتشارك المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى والمستخدمون وأنظمة التوصية في تحديد ما يصل إلى الشاشات. وتستفيد المنصات من مؤشرات سلوكية، مثل المتابعة والنقر وزمن المشاهدة، في ترتيب المواد وترجيح ظهور بعضها على بعض. ويضاف إلى ذلك انتشار المضامين المنتجة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي، مما يزيد أهمية التحقق من مصادر الصور والتسجيلات وأصالتها وسياقات تداولها.

تربط دراسة الباحثة ماريا غومبار بين الدعاية والتأطير والحرب الإدراكية وأدوات الاتصال الشبكي والخوارزميات، ضمن تحليل كيفي مقارن يتناول التحول في إدارة الروايات الإعلامية خلال الصراعات. وتقدم التجارب الميدانية الحديثة أدلة أكثر تحديدا على نتائج بعض التدخلات الرقمية، سواء تعلقت بإعادة ترتيب المحتوى خوارزميا أو بتشجيع التعرض لمصادر إخبارية.

 وعلى ضوء البيانات الإحصائية لتلك التجارب الميدانية، أظهرت النتائج ما يلي:

1-  تجربة ميدانية عشوائية أجراها جيرمان غوتييه وزملاؤه في الولايات المتحدة عام 2023 (ونشرتها دورية Nature عام 2026)، وشملت 4,965 مستخدما لمنصة “إكس”، وقد أدى الانتقال من الخلاصة الزمنية إلى الخلاصة الخوارزمية لمدة سبعة أسابيع إلى تحول بعض المواقف والأولويات السياسية باتجاه أكثر محافظة، لكن الانتقال العكسي لم يظهر أثرا مماثلا، ولم ترصد تغيرات حقيقية يعتد بها في الانتماء الحزبي أو الاستقطاب الوجداني.

2-  تجربة ميدانية لتيزيانو بيكاردي مع آخرين (نشرتها مجلة Science)، شملت 1,256 مستخدما أميركيا لمنصة “إكس” خلال الحملة الانتخابية لعام 2024، أثبتت أن إعادة ترتيب المنشورات المتضمنة عداء حزبيا ومواقف مناهضة للديمقراطية أحدثت تغيرا حقيقيا وملموسا في الاستقطاب الوجداني، حيث أدى خفض التعرض لها إلى زيادة الدفء تجاه أنصار الحزب المنافس بمقدار 2.11 نقطة، بينما أدت زيادة التعرض إلى انخفاضه بمقدار 2.48 نقطة، على مقياس من مئة درجة.

3-  تجربة ميدانية أجراها ساشا ألتاي وآخرين نشرتها دورية ( Nature Human Behaviour )، شملت 3,395 مشاركا من فرنسا وألمانيا، أظهرت أن تشجيع المستخدمين على متابعة حسابين إخباريين وتفعيل إشعاراتهما عبر “إنستغرام” أو “واتساب” لمدة أسبوعين، أدى إلى تحسن محدود تثبته البيانات بوضوح في معرفتهم بالأحداث الجارية ودقة أحكامهم، مدفوعا أساسا بزيادة تصديق الأخبار الصحيحة.

تختلف هذه الدراسات في أدواتها حيث تقارن تجربة غوتييه بين نظامين لعرض المحتوى، وتختبر تجربة بيكاردي إعادة ترتيب المنشورات، بينما تركز تجربة ألتاي على تشجيع متابعة مصادر جديدة، ومن ناحية التأثير يجب التفريق بين إعطاء أولوية لقضية معينة، وتغيير قناعات الناس حولها، وتغيير سلوكهم الفعلي. وبذلك، تكتسب البراهين الميدانية قيمتها في تحديد حجم هذا التأثير بدقة وشروط نجاحه.

ولا تعمل الخوارزميات بمعزل عن عوامل أخرى، ويتشابك تأثيرها مع طبيعة المحتوى، وهوية الحساب الناشر، ورد فعل المستخدم نفسه بعد التعرض للرسالة. إن ظهور المادة الإعلامية على شاشة الهاتف لا يقتضي بالضرورة الاطلاع عليها واستيعاب محتواها، وقراءتها لا تضمن تصديقها، كما أن تصديقها لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة نشرها أو التصرف بمقتضاها. وبناء على هذا الأساس، تعتبر إضافة هذا التمييز المتسلسل إلى نماذج الاتصال التقليدية ضرورة منهجية تكفل الفصل الدقيق بين فرص الوصول، والتلقي، والتأويل، والاستجابة.

حدود الهندسة الإعلامية

من مميزات كتاب  “هندسة الجمهور”  جمعه بين الاقتصاد السياسي للإعلام وعلم النفس ونظريات الاتصال الجماهيري واتخاذه خيارا  يهدف إلى “دعم الطرف الضعيف  في تلك المعركة المحسومة” – بحسب تعبير مؤلفه –  ومسلطا الضوء على دور التمويل والانتقاء والتأطير والتكرار والوسطاء الاجتماعيين في تشكيل ما يظهر للجمهور وما ينال اهتمامه.

إلا أن بعض استنتاجات الكتاب تحتاج إلى مزيد من الاختبارات الميدانية على واقع الإعلام العربي خاصة والدولي عامة، ومزيد من التفسيرات التي تفصل بين أهداف الجهات الساعية إلى التأثير وبين تحقق هذه الأهداف وحجم أثرها واستمراره.

وقدمت أعمال عالم الاجتماع الأمريكي جوزيف كلابر حول التأثيرات المحدودة مدخلا لفهم دور المواقف السابقة والروابط الاجتماعية في تعديل استجابة الجمهور للخطاب الإعلامي، كما يوضح نموذج الترميز وفك الترميز للباحث الثقافي ستيوارت هول أن الرسالة الواحدة قد تخضع لقراءات مهيمنة أو تفاوضية أو معارضة، وفق الأطر الثقافية والاجتماعية وعلاقات القوة التي تحكم إنتاج الخطاب وتأويله.

وبالتالي تتشكل العلاقة بين الرسالة والاستجابة عبر خبرات المتلقي وظروفه الاجتماعية ومرجعياته المعرفية دون أن تكون نتيجة مضمونة لمقاصد المرسل.

ووفق هذا المنظور يكتسب مصطلح “الهندسة” دلالة أدق عندما يستخدم لوصف المساعي المنظمة لترتيب الرسائل وتأطير القضايا وتوجيه الانتباه وكسب التأييد، دون اعتباره دليلا مسبقا على النجاح.

إن المؤسسات الكبرى تمتلك أدوات مؤثرة في تنظيم ما يعرض للجمهور لكن حصيلة هذه الاستخدامات لا يمكن تحديدها وقياسها إلا من خلال البحث والرصد وعقد التجارب الميدانية، خاصة مع تعقد المسألة أكثر بدخول عوامل الخوارزميات وسلطة إنتاج المحتوى، وشروط توزيعه، وبيئة الاستقبال، وقدرة الأشخاص على الموازنة والتحقق.