مقدمة

يُمثِّل الواقعُ حيّزا من الزمان والمكانِ حيث تُنتَج المفاهيم وتُعَبّأُ الألفاظُ بالمعاني، فالواقع ليسَ فضاءً تتحرّكُ فيه الذواتُ فحسب، بل هو فضاءٌ تتحرّك فيه الدّلالات أيضا، بحيثُ تنمو دلالةُ المفاهيم وتتغيّر. إِنّ الواقع -بهذا المعنى- جزءٌ من المعنى، ولذلك كانت العلاقةُ بين المفاهيمِ والواقع علاقة جدل يغيّر فيها الواقعُ وجه المفاهيم وتغيّرُ المفاهيمُ وجهَ الواقع. هذا الأخذُ والردّ بين الواقعِ والمفاهيم المنتَجةِ داخلهُ يجعلُ من المفهومِ شاهدا على التّاريخ المعرفي للواقعِ الذي أنتجَه.

إنَّ النّظر في المفاهيمِ إذن؛ نظرٌ في العقل وفي الواقع الذي أنتجَ هذه المفاهيم، وتصفّحُ المفهومِ من حيثُ نشأتُه وتجدُّدُه داخل التاريخ؛ تصفّحٌ للواقع الذي أنتجَ المفهومَ وللعقل الذي تفاعلَ مع إشكالاتِ هذا الواقع.

وبناء على هذا المعنى فإنّ معهود العرب وباعتباره مفهوما أساسيا ضمن آليات التلقي[1] هو نتاج لتفاعلِ العقل الإسلامي مع القرآنِ من جهةٍ، ومع الواقع وإشكالاته من جهة أخرى. ولذلك فلا غروَ أن يكونَ هذا المفهومُ ذاكرةً معرفيّة وسِجلّا لتاريخ من الجدلِ بين الواقعِ والعقل.

 من هنا كانَ تتبّع صيرورةِ هذا المفهوم داخل الزمن المعرفي تتبّعا لصيرورة العقلِ الإسلامي داخل فضاء الاستشكال، وكان البحثُ فيه وفي تاريخ نشأتهِ فتحا لآفاقٍ جديدةٍ لاستثمار هذا المفهوم في فهمِ العلاقة بين العقل والقرآن والواقع، وفي استئنافها على نحو يستجيب لإشكالات اللحظة الراهنة.

مشكلة البحث

يمكن إجمال الإشكالات التي يسعى هذا البحثُ إلى إثارتها ومناقشتها فيما يلي:

  • كيف تشكّل معهودُ العرب وكيف نما ضمن الزمن المعرفي وأي دلالةٍ لهذا النمو؟
  • أيُّ إشكالاتٍ يجيبُ عنها هذا المفهوم وأيّ إشكالاتٍ يثيرُها؟
  • ثم ما آفاقُ استثمارِ هذا المفهوم في استئناف فهم القرآن؟

وهي الإشكالاتُ التي تؤطّرُها رؤيةٌ واحدة، هي العملُ على تفكيكِ واستنطاقِ المفاهيم باعتبارها خزّانا للذاكرةِ المعرفيّة للأمة المنتِجة لها.

أهمية موضوع البحث

يكتسب كلُّ موضوعٍ أهميّتَه من الإشكالات المعرفية التي يطرحها، ولذلك ترتبط أهمية هذا الموضوع بأهمية الإشكالات التي استعرضناها آنفًا، والتي جاء هذا البحث إمّا ليثيرها أو ليحاول الإجابة عنها. ولا شكّ أن هذه الإشكالات مهمّة، لكونها تتعلّق بالنظر في العلاقة بين العقل والواقع والقرآن، وهي المتفاعلات الثلاثة التي تضافرت خلال عملية بناء مفهوم معهود العرب.

وتتجلى أهمية هذا البحث في تعرّضه لرصد عملية نموّ المفهوم داخل التاريخ الإبستمولوجي، وهي عملية ظاهرها رصدٌ لمصطلح يشتدّ ويستغلظ، وباطنها رصدٌ لعقل إسلامي ينمو ويتجدّد. كما تتجلّى أهميته في استثمار هذه الصيرورة المعرفية التي يختزنها المفهوم، لاستئناف التفاعل مع القرآن في لحظة معرفية مختلفة من حيث إشكالاتها ورهاناتها.

المنهج المعتمد

ولأن البحث يأتي في إطارِ الوقوفِ على الطبيعةِ العلمية لإشكالٍ معرفي متعلّقٍ بمعهود العربِ وعلاقته بفهمِ القرآن وآفاقِ استثمار هذا المفهومِ في بناء معرفةٍ قرآنيةٍ توائم اللحظة، فإنّي سأعمدُ إلى توَسُّل المنهجِ التحليلي، باعتباره المنهج الموائم لمقاربةِ الموضوع لما يتطلّبه البحث من تفكيك لمجموعةٍ من العناصرِ المعرفية بهدفِ تقويمها وتركيبِها.

ماهيةُ معهودِ العرب: نموّ المفهومِ داخلَ الزمن المعرفي

 إننا إذ نبحثُ في ماهية الشيء لا نبحثُ في تعريفه فحسب، وإنما نبحث في كنه الشيء تعريفًا ومفهومًا ونشأةً، ولذلك فإن البحث في ماهية معهود العرب ليس بحثًا في «إيتيمولوجيا لفظ» بقدر ما هو بحث في «إبستمولوجيا مجتمع»، فسؤال «ما معهود العرب؟» سؤال مركّب يُضمر أسئلة أخرى مثل: لماذا معهود العرب؟ وأي دلالة لنشأة هذا المفهوم؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من تتبّع المسار المعرفي الذي قطعه المفهوم منذ نشأته إلى حين نضجه، والوقوف عند منعطفين أساسيين في تاريخه: منعطف التأسيس مع الإمام الشافعي، ومنعطف الإنضاج مع الإمام الشاطبي.

“الشافعي”: لحظةُ تأسيس المفهوم.

ليس الوقوف عند الإمام الشافعي وقوفًا عند شخصه فحسب، بل هو وقوف عند لحظة معرفية انتقل فيها الاحتكام إلى لسان العرب من ممارسة عفوية يجري عبرها فهم القرآن، إلى أصل يُستدل له ويُقعَّد على أساسه الفهم. غير أن استجلاء دلالة هذه النقلة يقتضي أولًا تحرير مفهوم معهود العرب من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، ثم العودة إلى السياق المعرفي الذي استدعى تقعيده، والكشف عن الإشكالات التي جعلت منه موضوعًا للتفكير والتأسيس.

معهودُ العرب لغةً

بالعودة إلى معاجم اللغة نجد ما يلي:

قال ابن فارس: «(عهد) العين والهاء والدال، أصل هذا الباب عندنا دالّ على معنى واحد، قد أومأَ إليه الخليل. قال: أصله الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به. والذي ذكره من الاحتفاظ هو المعنى الذي يرجع إليه فروع الباب»[2]. وقال الزبيدي: «(الالتقاء، والمعرفة)، وعهد الشيء عهدا، عرفهُ»[3].

 وعلى ذلك يكون “المعهود” في اللغة -وباعتباره اسم مفعول- هو: الشيء المعروف، المحتفظ به.

أما العرب في اللغة: فالعُرب والعَرب: جيل من الناس معروف، خلاف العجم[4].

فإذا ضُمّ اللفظان إلى بعضهما في مُركّبٍ إضافي: (معهود العرب)، كان المعنى لغةً: ما احتفظَت به العرَبُ وكان لها به سابق عهد، أي كان معروفا مألوفا عندها.

معهود العرب في الاصطلاح

أما في الاصطلاح فمعهود العربِ مصطلحٌ في فهمِ الخطاب، يُقصدُ به: اعتماد العرفِ اللغوي للعرب زمنَ التنزيلِ في فهمِ القرآن. ويظهرُ أن بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي تناسُقا واتساقا، ذلكَ أنّ العرفَ اللغوي هو ما عهدتهُ العربُ في كلامها واحتفظت به في لسانهَا.

يقول الشاطبي: «وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمِهِ إنما يكونُ من هذا الطريقِ خاصّة (…) فمن أراد تفهّمه – يقصدُ القرآن- فمن جِهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلّب فهمِه من غيرِ هذه الجهة»[5].

“معهود العرب” من اللاوعي المعرفي إلى الوعي المعرفي

إنّ معهود العرب إذن، مفهُوم دالٌّ علَى مسَلّمة هي: نزولُ القرآنِ على وِفقِ العُرف اللغوي العربيّ في عصر التنزيل، ما يقتضي ضرُورَة فهمهِ في ضوء هذا العُرف.

لكن ولنفهمَ ماهية “معهودِ العرب” باعتباره مفهوما يندرجُ ضمن “آليات التلقي”، لابُدّ أن نعود إلى مسارِ نشأة هذا المفهوم، وفي هذا المسارِ المعرفيّ لابُدّ أن نميّزَ بين لحظتين؛ لحظةٌ كان فيها معهودُ العرب مُنتميا إلى “اللاوعي المعرفي”[6] للمتلَقيّ العربِي، ولحظةٌ تالية أخذَ فيها هذا المفهومُ حيّزا في الوعيِ المعرفيّ للمتلقي.

ويمكن القول إنّ لحظة الانتقالِ بمعهودِ العرب من اللاوعي إلى الوعيِ، يُمثّلُها الإمام الشافعي حيث نقلَ -ومن خلال الرسالة- “معهوُدَ العربِ” منَ المُمارسَة العفويَة إلى التقعيدِ التأسيسي، لذلك يمكن التأريخ لهذا المفهوم وفق صيغة تحقيبية هي: “معهودُ العرب قبل الإمام الشافعي”، و”معهودُ العربِ بعد الإمام الشافعي”.

لقد كانَ معهودُ العرب – باعتباره آلية من آليات التلقي- قبلَ الإمام الشافعي، مُمارسَةً عفويَةً يُجريها المتلقّي العربيّ حينَ فهمهِ وتفسِيره للقرآن، بحيثُ يَفهمُ الكتابَ علَى وفقِ العرفِ اللغويّ للعرب، دون أن يطرَح أسئلةً حول هذا العُرف؛ فعن سعيد بن جبير قال: « سمعنا ابن عباس يُسأل عن الشيء من القرآن فيقول فيه كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا»[7] وعنه أيضا وعن يوسف بن مهران أن ابن عبـاس « قال: إذا تعاجم شيء من القرآن، فـانظروا فـي الشعر، فإن الشعر عربـيّ، ثم دعا ابن عبـاس أعرابـيّا, فقال: ما الـحَرَج؟ قال: الضيق. قال: صدقت »[8].

وقد روي عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- «أنه سُئل على المنبر عن قوله تعالى: أو يأخذهم على تخوف، فقال له رجل من هذيل التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده: تخوّف الرجل منها تامِكا قَرِدا كما تخوف عود النَّبْعَة السَّفَن، فقال عمر: أيها الناس تمسّكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإنه فيه تفسير كتابكم»[9].

وعلى اعتبار صحّة هذه الآثار، يمكنُ أن نرسُم صورةً عن معهودِ العربِ في حقبَة ما قبلَ الإمام الشافعي؛ فها هوَ العربي يفسّرُ الحرجَ بالضيقِ، والتّخوّف بالتّنقّص، فيقرِنُ “بعفوية التلقيّ”[10] ألفاظ القرآنِ بمُرادفاتٍ درجتِ العربُ على استعمالها. وهكذا يحتكم المتلقي العربي إلى عرفه اللغوي، دون أن تكون هذه الممارسة قد انتقلت بعدُ إلى مستوى التقعيد النظري الصريح الذي يُطرح فيه السؤال: لماذا الاحتكام إلى هذا العرف اللغوي أصلا؟

 هذه “العفوية” لن تدوم طويلا فبقدوم الإمام الشافعي سيُطرحُ سؤالٌ معرفيّ ينقلُ معهود العربِ من “اللاوعي المعرفي” إلى “الوعي المعرفي”.

يقول الشافعي: «ومن جماع علم كتاب الله: العلمُ بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب»[11]. لم تكُن هذهِ المسلّمةُ التي ساقها الشافعي مسلّمةً تصِفُ طبيعَة القرآنِ باعتبارهِ كتابا نَزل بلغةٍ عربية فحسب، بل كانت عبارةً تُحدّدُ طريقةَ تأويلِه وتفسيره[12]، لقد كانت العبارةُ التي ساقَها الإمام الشافعي جزءا من جواب عن سؤالٍ شغل باله هو: كيفَ البيان؟

وهكذا جاءَ الجوابُ عن هذا السؤال بقول الشافعي: «فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها، وكان مما تعرف من معانيها: اتساعُ لسانها، وأنَّ فِطْرَتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهِرًا، يُراد به العام، الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخِرِه. وعاماً ظاهراً يراد به العام، ويَدْخُلُه الخاصُّ، فيُسْتَدلُّ على هذا ببَعْض ما خوطِبَ به فيه؛ وعاماً ظاهراً، يُراد به الخاص. وظاهراً يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ ظاهره. فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وَسَطِهِ، أو آخِرَه.

وتَبْتَدِئ الشيءَ من كلامها يُبَيِّنُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره. وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظِها منه عن أوَّلِهِ.

وتكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُه بالمعنى، دون الإيضاح باللفظ، كما تعرِّف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جَهَالتها. وتسمِّي الشيءَ الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمي بالاسم الواحد المعانيَ الكثيرة»[13].

وهكذا حدّد الإمام الشافعي الفضاءَ اللغويّ الذي يبينُ القرآن من خلاله معانيه وهو الفضاءُ اللغوي للعربِ زمنَ التنزيلِ. وبهذا انتقلَ معهودُ العربِ مع الإمام الشافعي من المُمارسَة العفوية إلى التقعيدِ التأسيسي، ومِنَ “اللّا مفكّر فيه” إلى “المُفكّر فيه”، حيث غدا هذا المعهُود جوابا على أسئلةٍ طرَحتْها اللحظةُ المعرفية.

“أعجميةُ” بعض ألفاظ القرآن ونشأةُ القول بالمعهود.

هذا الانتقالُ والنضجُ الذي حدثَ في مفهومِ معهودِ العرب لابُدّ أن يحيلَنا على سؤالٍ آخر هو: لمَ الإمام الشافعي؟ أو بتعبير أكثر دقّةً وتفصيلا، لماذا مثّلَ الشافعي المنعَطفَ الذي نقَل معهود العربِ من اللاوعي المعرفي إلى الوعي المعرفي؟

قَد يكونُ الجوابُ الجاهزُ الذي يتبادرُ إلى أذهانِنا هو: إن الشافعي هُوَ مؤسّسُ علم أصُول الفقهِ فمِنَ الطّبيعِي أن يُعيدَ التفكيرَ في المسألة لأنها الركيزةُ الأساس لعلم الأصول. لكننا إذ نَطرحُ سؤال “لم الشافعي؟” لا نقصِدُ به الشافعي” الشّخص” بل نقصِدُ به الشافعي “اللحظة”. ولذلكَ فسؤال “لم الشافعي؟” هو سؤالٌ عنِ اللحظةِ المعرفيةِ كلّها؛ أي عن اللّحظة التي نقلت معهود العربِ إلى الوعي المعرفي.

لقد عاش الإمام الشافعي في العصر العباسي الأول، وهو عصر اتسعت فيه الرقعة الإسلامية وامتزجت الثقافات والحضارات، فنشأ عن هذا الامتزاج تفاعل معرفي لم يخلُ من التنافس والصراع بين الرؤى والثقافات. وفي هذا السياق اضطربت الأقوال وكثرت النحل وتنازعت وجه الحق، فكان من الناس من زعم أن القرآن ليس عربيًا خالصًا لاشتماله على كلمات من أصل أعجمي[14]، وهو الزّعمُ الذي جعلَ الإمام الشافعِي يتصدّى لهذهِ الأقوال؛ يقول:« وقد تكلم في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه، لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله، فقال منهم قائل: إن في القُرَآن عربياً وأعجميًا والقُرَآن يدل على أنْ ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائلُ هذا القول مَن قَبِلَ ذلك منه تقليداً له، وتركاً للمسألة عن حجته، ومسألةِ غيره ممن خالفه»[15].

ولم يكن هذا الخلاف بمنأى عن السياق الثقافي والسياسي الذي شهدته الرقعة الإسلامية آنذاك، ولا سيما مع اشتداد التنافس بين العرب وغيرهم في العصر العباسي، وظهور الحركة الشعوبية[16]. ولذلك يمكن النظر إلى الجدل حول أعجمية بعض الألفاظ القرآنية في ضوء هذا السياق الأوسع، وما أثاره من أسئلة تتعلق باللغة العربية ومكانتها في فهم الخطاب القرآني.

وإذا نظرنا إلى هذا الجدل في سياقه الأوسع أمكن القول إن السجال حول أعجمية بعض ألفاظ القرآن قد مثّل أحد الأسباب التي دفعت الإمام الشافعي إلى البحث عن جواب لسؤال: “كيفَ البيان؟”

 لم يكن سؤال “كيف البيان؟” إلا محاولة لتحصين المعنى القرآني وحفظ الشريعة من الضياع، بعد أن غدا القول بأعجمية بعض ألفاظ القرآن إيذانا بفتحِ التأويل “غير المنضبط” للقرآن لما قد يفضي إليه الاحتكام إلى معهودات لغوية غير عربية في فهم الخطاب القرآني من إخراج المعنى عن ضوابطه اللسانية، ولذلك وجدنا الإمام الشافعي ينفي نفيا باتّا أن تكون بعض ألفاظ القرآن أعجميّة بقوله: «إنما بدأت بما وصفت، من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه، وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها»[17]. ويكشف هذا النص أن الإمام الشافعي لم يقف عند إثبات عربية القرآن، بل تجاوز ذلك إلى تحصين المعنى القرآني مما قد يلحقه من خلل نتيجة الجهل بلسان العرب، ليغدو الاحتكام إلى هذا اللسان ضرورة معرفية لضبط العلاقة بين القرآن والمتلقي.

هكذا إذن انطلقَ التفكيرُ في لغةِ القرآن عند الشافعي من هاجسِ تحصين المعنى القرآني، وما يمكنُ أن يؤدّيَ إليه القولُ بأعجمية بعض ألفاظه من خلل على مستوى العلاقة بين القرآن والمتلقي، مما يمكن أن يصيب ثمرة العلاقة وهي الحكم الشرعي[18].

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن تقعيد معهود العرب لم يكن فعلًا معرفيًا منفصلًا عن سياقه الزماني والمكاني، بل كان نتاجًا لتفاعل العقل الإسلامي مع القرآن من جهة، ومع الواقع من جهة أخرى، ولذلكَ فمعهودُ العرب ليسَ مركّبا إضافيا يعرّفُ في اللغة والاصطلاح فحسب، بل هو مفهوم يختزن في ذاكرتهِ المعرفية تاريخا إبستمولوجيا يحكي ما عاشهُ العقلُ الإسلامي من انعطافاتٍ فكريّة في علاقته مع القرآن.

 الشاطبي: مقصدُ الإفهامِ وإنضاجُ مفهومِ معهودِ العرب.

إذا كانت اللحظة الشافعية قد مثّلت انتقالًا بمعهود العرب من الممارسة العفوية إلى التقعيد التأسيسي، فإن اللحظة الشاطبية مثّلت منعطفًا آخر في التاريخ المعرفي لهذا المفهوم؛ إذ أعاد الإمام الشاطبي توطينه ضمن مقصد الإفهام، في إطار مشروعه الرامي إلى عقلنة التكليف. وللوقوف على طبيعة هذا التحوّل وأثره في إنضاج معهود العرب، لا بدّ أولًا من تحرير مفهوم قصد الإفهام.

قصدُ الإفهامِ لغةً

القصدُ لغة: «القاف والصاد والدال أصول ثلاثة، يدُلّ أحدُها على إتيان شيء وأمه، والآخر على اكتنازٍ في الشيء»[19].

قال ابن منظور: « والقصد: إتيانُ الشيء. تقول: قصدته وقصدتُ له وقصدت إليه »[20].

أما الإفهام لغة: فمن فهم، «والفهمُ: معرفتك الشيءَ بالقلب. فهمه فهما وفهما وفهامة: علمه؛ الأخيرة عن سيبويه. وفهمتُ الشيء: عقلته وعرفته. وفهمت فلانا وأفهمته، وتفهم الكلام: فهّمه شيئا بعد شيء. ورجل فهم: سريع الفهم، ويقال: فهم وفهم. وأفهمَه الأمر وفهّمه إياه: جعله يفهمه»[21].

وبذلك يكون معنى قصد الإفهام في اللغة هو: إتيان التفهيم، أي القصدَ إلى التفهيم.

قصدُ الإفهامِ في الاصطلاح

أمّا في الاصطلاح: فلم يُعرّف الشاطبي هذا المصطلَح، ولكن يُمكن أن نستشفّ من كلامِ الشاطبي أنه أرادَ بقصد الإفهام، قصْد الشارعِ إلى إفهامِ المكلّفِ.

ولنقفَ على ماهيةِ قصدِ الإفهام نعودُ إلى سياق نشأة هذا المفهوم.

قصدُ الإفهام وإنضاجُ مفهومِ معهود العرب

     يمثّل قصد الإفهام النوع الثاني في بيان قصدِ الشارع، فهو مفهوم يأتي ضمنَ نظرية المقاصِد التي أنضجَها الإمام الشاطبي، هذهِ النّظريةُ التي جاءت في سياق إعادة النظر في علمِ أصولِ الفقه وعقلنةِ التكليف[22]، في محاولة لمُواجهةِ الارتباكِ المنهجي الذي عمّ العصر.

 يقول د. عبد المجيد الصغير في سياق الحديث عن نشأة علم مقاصد الشريعة: «وكأن ذلكَ جاء استجابة للعصر واستصلاحا لمساره الذي تأكّد للجميع اندفاعهُ إلى الهاوية في المشرق والمغرب معا».[23]

لقد وُجد الشاطبي إذن في سياقٍ تاريخيّ يُشبهُ السياقَ الذي وُجدَ فيه الشافعي، سِياقٌ مضطرب “معرفيا” على المستوى المنهجي.

هذَا السياقُ هو الذي سيجعلُ الشاطبي يعيدُ التفكير في مفاهيم متعددة ومترابطة هي: البدعةُ والمصلحةُ وظنيّةُ أصول الفقه، وهي المفاهيمُ التي تصُبُّ كلّها في عقلنةِ التكليف والنأي به عن دواعي الأهواء[24].

وفي هذه الأجواء سيعودُ معهود العرب إلى البروز، هذه المرة على يد الإمام الشاطبي، وفي قالب أكثر نضجا.

وتجدر الإشارة إلى أنني أرجأتُ الحديث عن إسهام الإمام الشاطبي في إنضاج مفهوم معهود العرب إلى هذا المقام، لأن النظر في هذا الإسهام لا بد أن يجري ضمن مقصد الإفهام. كما أرجأتُ الإشارة إلى أن ما أسّس له الإمام الشافعي تحت مسمّى “لسان العرب” قد تناوله الإمام الشاطبي ضمن مفهوم “معهود العرب”، لما يقتضيه ذلك من عقد مقارنة بين المصطلحين، وهو ما لا يسعني إتيانه إلا في هذا المقام. ولذلك فإن تحرير مفهوم قصد الإفهام استكمالٌ لتحديد ماهية معهود العرب.

لقد انطلق التأسيس لمعهود العرب عند الشافعي من سؤال هو: كيف البيان؟ في حين انطلق إنضاجُ مفهوم معهود العرب عند الشاطبي من سؤال هو: كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟

جاء سؤال “كيف البيان؟” في سياقٍ ظهر فيه القولُ بأعجمية بعضِ ألفاظ القرآن، وجاء سؤالُ “كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟” في سياق تفاقم ظاهرة الابتداع ومُحاولة ضبط مفهومِ المصلحةِ وعقلنة التكليف. اتّجه الجوابُ عن السؤال الذي أقلقَ الشافعي نحو النظرِ في لغة القرآن، واتّجه الجوابُ عن السؤال الذي أقلقَ الشاطبي نحو النظر في التكليف، فأتى معهودُ العرب عند الشافعي في سياقِ الحديث عن القرآن في علاقته مع المتلقي العربي “لسان العرب”، وجاء معهودُ العرب عند الشاطبي في سياق الحديث عن علاقةِ الشّارعِ مع المُكلّف.

وهكذا استهلّ الشافعي تأسيسه لمعهود العرب بقوله: «والقُرَآن يدل على أنْ ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب»[25] والعبارةُ تَجَلٍّ لثنائية ( قرآن/ متلقي عربي)، واستهلّ الشاطبي إنضاجه للمفهوم بقوله «في بيان قصد الشارعِ في وضع الشريعَة للإفهام» وهي تَجَلٍّ لثنائية (شارع/ مكلّف).

لقد وضع الإمام الشافعي معهود العرب ضمنَ سياقِ تحصينِ المعنى لأنه استشعر أن تحصينَ الشّرعِ إنّما يكُون بتحصينِ اللسان الذي نزل به القرآن ابتداء، ذلك أن الإشكالَ الذي حرّك الشافعي كان هو الزعم بعجمة بعض الألفاظ القرآنية وهو إشكالٌ نصّيّ ينضبطُ بضبط لسان النص. في حين أدرجَ الإمام الشاطبي معهود العربِ ضمن سياق تحصين المكلّف، لأن الشاطبي أدرك أن الإشكال -الذي كشفت عنه أزمات عصره-لا يتعلّقُ بتحصين النصّ وحسب، بل يتعلّق بتحصينِ المكلّف أيضا، فالبدع مثلا وهي إحدى أعظم آفات عصره- قد تظهرُ في وسط ضُبِطَ فيه لسان النصّ مَا لم تُضبط وجهةُ المكلّف ببوصلةِ المقاصد الشرعية.

وهكذا أعاد الشاطبي توطين معهود العرب داخل عملية التلقي، فلم يعد النظر فيه مقصورًا على كونه ضابطًا لفهم المتلقي للقرآن، بل غدا جزءًا من النظر في الكيفية التي وضع بها الشارع خطابه لتحقيق مقصد الإفهام. فإذا كان الشافعي قد انطلق من عربية القرآن ليؤسس لضوابط فهم النص، فإن الشاطبي انطلق من مستوى آخر هو النظر في قصد الشارع للتأسيس لضبط المكلف.

فما الفرق بين المستويين؟

إنّ سؤال «كيف البيان؟» الذي طرحه الإمام الشافعي في رسالته، قاده إلى النظر في لسان القرآن باعتباره سبيلًا إلى فهم معانيه، ولذلك قرّر أن: «القُرَآن يدل على أنْ ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب»[26]، في حين أن سؤال «كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟» الذي نستخلصه من مشروع الإمام الشاطبي، قاده إلى النظر في قصد الشارع إلى إفهام المكلّف باعتباره الأصل الذي تتحدّد في ضوئه طبيعة الخطاب، ولذلك أدرج مسائل عربية الشريعة ضمن «قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام«[27].

لقد كان سؤال الشافعي سؤالا إجرائيّا اتّجه نحو النصّ، ولذلك نجد أنّ الشافعي قد أصّل لمعهود العرب انطلاقًا من النصّ مباشرة، يقول: « فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلِطُه فيه غيره؟ فالحجة فيه كتابُ الله قال الله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (إبراهيم 4) »[28]، في حين كان سؤال الشاطبي سؤالا غائيّا يبحث في معقولية الاحتكام إلى لسان العرب في فهم القرآن، ولذلك نجد أنّ الشاطبي قد أصّل لمعهود العرب لا انطلاقًا من النص القرآني فحسب، بل انطلاقًا من مقصد الشارع إلى الإفهام، ليغدو الاحتكام إلى لسان العرب جزءًا من البناء المقاصدي الذي تتحقق به العلاقة الإفهامية بين الشارع والمكلّف.

 وهكذا ومع الشاطبي وُضعت عربية القرآن ومعهودُ العرب في الخطابِ في سياق المعقول، فانتقل الجوابُ عن سؤال لماذا نزل القرآن بالعربية من تصوّرٍ هو: لأنهُ نزل “إلى العرب”، إلى تصوّرٍ أنضج هو: لأن الله قصَد إفهامَ المكلّف.

لم يتغير شيء بشأن عربية القرآن بين الإمامين الشافعي والشاطبي، فلا يزال القرآنُ عربيا ولا يزال المتلقي الأول عربيّا في كلا التصوّرين، غير أن الاختلاف هو في مكانة “معهود العرب” وموقعه في عمليّة التلقي.

كيف ذلك؟

إن الانتقال من سؤال: «كيف البيان؟» إلى سؤال: «كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟» هو انتقال من النظر في عربية القرآن بوصفها ضابطًا لفهمه، إلى النظر في معقولية هذا الضابط من داخل مقصد الإفهام؛ أو لنقل من التأسيس للبيان انطلاقًا من علاقة القرآن بلسان العرب، إلى التأسيس لمعقولية البيان انطلاقًا من العلاقة التكليفية بين الشارع والمكلّف.

لقد جاءَ مفهوم لسان العرب عند الشافعي في سياق الجواب البياني عن سؤال “كيف البيان؟” وهو سؤال يتّجهُ إلى إرساء مسلّمة اللسان انطلاقا من النصّ في علاقته مع المنظومة البيانية العربيّة، في حين جاءَ معهود العرب عند الشاطبي في سياق جواب مقاصدي عن سؤال  “كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟”، وهو سؤال يتجه إلى البرهنة على معقولية الاحتكام إلى لسان العرب انطلاقا من العلاقة التكليفية بين الشارع والمكلّف.

وهكذا تغير موقع معهود العرب من كونه ضابطا لفهم النص عند الإمام الشافعي إلى كونه جزءا من البناء المقاصدي الذي يتحقق به إفهام المكلّف عند الإمام الشاطبي. فلم يعد بذلك السؤال مقتصرا على إثبات عربية القرآن وضرورة الاحتكام إلى لسان العرب في فهمه، بل امتدّ إلى مساءلة الغاية من هذا الاحتكام:

– لماذا معهودُ العرب؟

– لأن الشارع في وضع الشريعة قَصَدَ الإفهام، ولا يتحقق إفهام المخاطبين إلا بمراعاة ما يعهدونه من لسان وطرائق في البيان.

هذا التقصيدُ الذي نهجَهُ الشاطبي، أعادَ بهِ توطينَ معهود العرب في عمليّة التلقي، إذ لم يعد المعهود محض أداة لقطع الطريق على من يريد القول بأعجمية بعض ألفاظ القرآن، بل بات وسيلة لتجلية العلاقة بين الشّارع والمكلّف، وما تنطوي عليه هذه العلاقةُ من معقولية. وهكذا أخذت العربية موقعها المعقول حيث تجلى البعدُ الوسيلي لها، باعتبارها أداةً توسّلها الشارع لتحقيق مقصدِ إفهام المكلّف.

ولأن الشاطبي انطلق في حديثه عن معهود العرب من مقصد الإفهام، فقد أخذ يُعمّقُ هذا المفهومَ بما يحقِّقُ هذا المقصد وبذلك اتسع المعهود ليشمل بعدين متكاملين: معهود لغوي تمثّل في: معهود العرب، ومعهود ثقافي تجلى في: أمية الشريعة. ليصوغ بذلك الشاطبي المسألة الأولى في مقصد الإفهام: «هذه الشريعة عربية فعلى أسلوب العرب تفهم»[29]، ومسألته الثالثة: «هذه الشريعةُ أمية لا تخرُج عمّا ألفه الأميّون»[30] وحول هاتين المسألتين دارَ مقصدُ الإفهام.

لمْ يكن الشاطبي وهو يُنضجُ مفهوم معهود العربِ إلا بصددِ إنضاج مقصَدِ الإفهام الذي لا يُمكنُ أن يتحقّق في نظره إلا إذا راعى الشارع الاشتراكَ الجمهوري[31]، ومن مُراعاةِ هذا الاشتراك تأسّس القول بأميّةِ الشّريعة باعتبارها تعبيرًا عن ضرورة إجراء الخطاب على معهود يسع جمهور المخاطبين فهمه، دون أن يكون إدراك مقاصده متوقفًا على معارف مخصوصة لا تتاح إلا لفئة منهم.

وهكذا جاء معهود العرب عند الشاطبي بشقيه اللغوي والثقافي، تأكيدا على معقولية التكليف، وتعميقا لنظرية المقاصد التي يعتبر مقصد الإفهام ركنا من أركانها، وبذلك تطور المفهوم من “لسان العرب” والذي كان المصطلح الذي اعتمدهُ الإمام الشافعي في تأسيسه لضوابط الفهم، إلى “معهود العرب” الذي اتّسعت دلالته في النسق الشاطبي لتشمل المعهود اللغوي والثقافي للعرب زمن التنزيل[32]. ولم تكن هذه النقلة محض تطور في الألفاظ، بل كانت تطورا في المنهج والرؤية كذلك.

إنني إذ أرصدُ هذا التطوّر الذي حدث في معهود العربِ أرمي إلى تسليط الضوء على ما يمكنُ أن يختزنه المفهوم من تاريخ معرفي، فالمفهوُم سجلّ معرفيّ لانعطافات فكرية عاشها المُجتمعُ الذي نشأ فيه، ولذلك فيمكنُ للمفهوم أن يكون قطعة من التاريخ نفهم من خلالها التاريخ.

إنّنا إذ نمارس عملية تشريح المفهوم نمارسُ عملية تشريح للعقل الذي أنتجَ المفهوم، وإنّنا إذ نفهمُ الكيفَ الذي تشكّل به المفهوم على مرّ العصور، نفهمُ الكيف الذي ينبغي أن يُعادَ على وفقه تشكيلُ هذا المفهوم ليجيب عن أسئلة العصر ورهاناته.

معهودُ العرب: إشكالاتُ اللحظة وآفاقُ الاستثمار

يمثّل الشاطبي إذن مرحلةَ إنضاج مفهوم معهود العرب، ولذلك فالحديث عن معهود العرب عند الشاطبي ليس حديثا عن الشخص وعن فكرهِ فحسب، بل هو حديث عن صيرورة معرفية لمفهومٍ نشأ ونما في ظلّ إشكالات طرحَها الواقعُ على القرآن، ولذلك وجب التنبيهُ إلى أنّ الحديث عن معهود العربِ عند الشاطبي هو محاولة لاستحضار تراكم معرفيّ بدأ مع الشافعي واستغلظ واستوى على سوقه مع الشاطبي.

وإنّي إذ أرصُد محطّتين فقط في التّاريخ الإبستمولوجي للمفهوم، هما: الشافعي والشّاطبي، فإنني لا أرمي إلى التنكر للتطور الذي حدث بينهما، بل إلى استيعاب الذاكرةَ المعرفيةَ للمفهوم، على اعتبار أنّ المرحلتين تشكّلان منعطفين في تاريخ المفهوم، وعادة ما تتيح دراسة المنعطفات استيعاب التحولات الكبرى في تاريخ المفهوم، لأنّ المنعطف ليس لحظة منفصلة عما قبلها، بل هو لحظة انتقالية يعاد فيها استحضار ما تأسّس سابقًا والنظر فيه على ضوء إشكالات جديدة.

إنّ معهودَ العربِ إذن ليسَ مفهوما جامدا، بل هو مفهومٌ متحرّكٌ داخل التاريخ، يعكسُ صورةَ تفاعل العقلِ العربيّ مع القرآن ومع ما يحيطُ بهِ من إشكالات الواقع. واللحظةُ التي نعيشها اليوم مختلفةٌ من حيث إشكالاتُها عن اللحظتين اللتين شهدتا تأسيس المفهوم وإنضاجه، والأسئلة التي تُطرح على معهود العرب في هذه اللحظة هي أسئلة تختلف في طبيعتها ووجهتها عن الأسئلة التي استدعت تأسيسه وإنضاجه.

فإذا كان التأسيس الأول لمعهود العرب قد جاء في سياق ظهر فيه القول بأعجمية بعض ألفاظ القرآن، وجاء إنضاجه الثاني في سياق اضطربت فيه ضوابط التكليف وتفاقمت فيه إشكالات البدعة والمصلحة، فإننا اليوم أمام منعطف جديد بات فيه معهود العرب نفسه موضوعًا للمساءلة، بعد أن أُعيد توظيفه في بعض القراءات المعاصرة ليغدو مدخلًا إلى القول بتاريخية النص القرآني ومحلية خطابه. وهو تحوّل في وظيفة المفهوم يستدعي إنضاجًا ثالثًا يعيد النظر في موقع معهود العرب داخل عملية التلقي، وفي حدود الاحتكام إليه في فهم القرآن[33].

معهودُ العربِ وإشكالية القول بـ” تاريخية النصّ القرآني ” و”محليّةُ خطابه”

تاريخية النصّ القرآني

     ليسَ يخفى أن اللغة منتجٌ ثقافيّ موصولٌ ببِيئته ومشدودٌ إلى سياقِ نشأته، ولذلك فاللغةُ انعكاسٌ لرؤية المجتمع الذي تشكّلت فيه، إذ كلّ لغة هي صورة عن البيئة المحيطةِ بها، ولذلكَ كانت العلاقةُ بين اللغةِ والثقافة علاقة سجال مستمر بحيث تتشكل اللغةُ على وفق الثقافة وتتشكّل الثقافة على وفق اللغة، وعن هذا السجال الدائر بين اللغة وما يحيط بها يقول دي سوسير: «إن علم اللغة يرتبط بقوة بالعلوم الأخرى، ويستعير من معطياتها أحياناً، كما يزودها بالمعطيات أحيانا أخرى»[34].

إنّ اللغةَ إذن، قطعةٌ من جسد الثقافةِ لا يمكنُ فصلها عنه، ولمّا كانَ الأمرُ كذلك وكانَ القرآنُ خطابا، تجسّدت معانيه في ألفاظ عربيةٍ، فقد ذهب بعضهم إلى الاستدلال بارتباطه بلغة المجتمع الذي نزل فيه على كونه منتجًا ثقافيًا تشكّل على وفق ما اقتضاه واقع نزوله، وعلى وفق ما يقتضيه هذا الواقع ينبغي أن يُفهم، إذ القرآن في نظرهم «نصّ لغوي ومنتج ثقافيّ انطلق من حدود مفاهيم الواقع، وهو مرتبط أوثقَ الارتباط باللغة التي صيغ بها وبالنظام الثقافي الذي تشكّل به وأسهمَ في تشكيله»[35].

يقول نصر حامد أبو زيد: «إنّ النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنيةٍ ثقافية محددةٍ، تمّ إنتاجها طبقا لقوانين تلك الثقافة التي تعدّ اللغةُ نظامَها الدلالي المركزي»[36].

ولهذا الربطِ بين القرآن والثقافة تداعياتٌ على النظر في إطلاقية القرآن، ذلكَ أنّ القولَ بأنّ القرآن ليسَ سوى نصّ لغويّ مرتبط بالنظام الثقافي الذي تشكّل ضمنهُ، لا يقف عند تقرير الصلة بين القرآن وواقع نزوله، بل يمتد في بعض القراءات إلى التعامل مع أحكامه وتشريعاته باعتبارها مشدودة إلى الشروط التاريخية التي أحاطت بنزولها. وبذلك يغدو القرآن، في هذا التصور، نصًا محكومًا بلحظته التاريخية، وتغدو أحكامه وتشريعاته تعبيرًا عن واقع مخصوص لا يلزم أن تمتد أحكامه إلى واقع آخر تختلف شروطه وملابساته.

وتستند وجهةُ النظر هذه والتي يتبنّاها عدد من الحداثيين، إلى مرتكزات من التراث الإسلامي تعيدُ توظيفها ضمن سياق مختلفٍ عن ذاكَ الذي نشأت فيه، ومن ضمن هذه المرتكزات أسبابُ النزول، والناسخُ والمنسوخ باعتبارها معطيات تشهد على صلة القرآن بواقع التنزيل، ويجري استدعاؤها لتأسيس نتائج تتجاوز مجرد الإقرار بهذه الصلة إلى القول بتاريخية الخطاب القرآني[37].

ويبدو أن معهود العربِ يأتي ضمن المفاهيم التي أعيد توظيفها في هذا السياق المعزّزِ للقول بتاريخيةّ النصّ القرآني، ورغمَ أنّ هذا المفهومَ قد تأسس مع الإمام الشافعي ضمنَ سياق تحصين المعنى القرآني، ونضج مع الشاطبي ضمن سياق عقلنةِ التكليف، فإن سياقَ النشأة وسياق النضجِ لا يمنعان إعادة توظيف المفهوم ضمن نسق معرفي مختلف، بل ومناقضٍ لما أنشئ له. لأنّ الوظيفة المعرفية للمفهوم لا تتحدد بدوافع نشأته وحدها، بل تتحدد أيضًا بالكيفية التي يُعاد بها استدعاؤه وتشغيله داخل الأنساق المعرفية المختلفة.

إنّ الاحتكام إلى معهود العرب اللغوي والثقافي في فهمِ القرآن وتفسيره، هو إقرارٌ بصلة القرآن بواقع نزوله، وإقرار بضرورة استحضار المعهود الذي تحقق به إفهام المخاطبين أولا، ولكن هذا الإقرار لا يستلزم بالضرورة حصر المعرفة القرآنية في حدود ثقافة العربي زمن التنزيل. ومع ذلك فقد جرى في بعض القراءات توسيع مقتضيات هذا الاحتكام ليغدو دلالة على تاريخية القرآن؛ لينتقل معهود العرب بذلك من مفهوم  يستدعى لحلّ الإشكالاتِ التي تُطرحُ على العقل الإسلامي في علاقته بالقرآن، إلى مفهوم بات هو نفسه موضوع مساءلة واستشكال.

وإذا كان معهود العرب قد أدى في لحظتي تأسيسه وإنضاجه وظيفة تحصين المعنى وعقلنة التكليف، فإن إعادة توظيفه في اللحظة المعاصرة تكشف عن تحوّل في وظيفته المعرفية، وهو التحوّل الذي يستدعي استئناف النظر فيه وإنضاجه على نحو يستجيب لإشكالات اللحظة، دون أن ينقض ما تأسّس من وظائفه المنهجية.

محليّةِ الخطاب القرآني

يتفرّعُ عن إشكالِ تاريخيةِ النصّ القرآني إشكالٌ متعلّقٌ بعالميّة خطابه، ذلك أنّ حصر دلالات القرآن وأحكامه في الشروط الثقافية والتاريخية لواقع نزوله، يفضي إلى حصر أفق الخطاب في ذلك العربي الذي عاصر التنزيل، وبذلك تتحوّل خصوصية المخاطب الأول إلى قيد على عالمية الخطاب القرآني.

وإشكال محلية الخطاب القرآني هو إشكال يعزّزه هو الآخر، توسيع وظيفة معهود العرب في فهم الخطاب، ذلك أنّ الاحتكام إلى هذا المعهود، حين يتجاوز وظيفة ضبط الدلالة اللسانية إلى جعل الثقافة العربية مرجعية حاكمة على المعرفة التي ينتجها القرآن، لا يعود محض استحضار للمتلقي الأول بوصفه حاملا للمعهود اللساني الذي نزل به القرآن، بل يغدو تنصيبًا لهذا المتلقي مرجعًا يرى العالمُ القرآنَ من خلاله. وهكذا يتحوّل العربي الأول من واسطة لفهم لسان القرآن إلى مرجعية ثقافية تحدّد آفاق المعنى القرآني، وهو ما يتعارض مع عالمية الخطاب الذي جاء القرآن لإرسائها.

معهود العرب وصناعةُ منعطف جديد في تاريخ المفهوم

الإشكالاتُ: منعطفٌ جديد للمفهوم

     إنّ الإشكالات الجديدةَ التي بات يطرحُها مفهومُ معهود العرب أو باتت تُطرحُ عليه، أخذت تؤسس لمنعطف جديد في تاريخ المفهوم، فإذا كان المنعطف الأول قد انطلق عبر سؤال: كيف البيان؟ وكان المنعطف الثاني قد انطلق عبر سؤال: كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟ فإن اللحظة الراهنة تؤسس لسؤال مختلف، قد يكون انطلاقة لمنعطف جديد في تاريخ المفهوم، هو: هل يترتب على الاحتكام إلى معهود العرب جعل الثقافة العربية مرجعية حاكمة على المعرفة التي ينتجها القرآن؟

ولذلك فإن إعادة مساءلة ما استقر في العقل من تصورات حول وظيفة معهود العرب، والتمييز بين ما يقتضيه الاحتكام إلى هذا المعهود وما ألحق به من مقتضيات معرفية، قد يفتح الباب لمنعطف جديد في تاريخ المفهوم، منعطف يعيد مساءلة ماهية وظيفة “العربي الأول” ضمن عملية التلقي، وحدود وظيفة معهود العرب في فهم القرآن.

كيف ذلك؟

لقد كان العربي هو المتلقي الأول للقرآن، وهو الحامل الأول للمعهود اللساني الذي نزل به القرآن، ولذلك كان الرجوع إلى لسانه شرطا في ضبط الدلالة القرآنية. وقد تأسس على هذه الأسبقية اللسانية اعتبارٌ منهجي جعل من العربي واسطة في فهم الخطاب، بالنظر إلى صلته المباشرة بلسان التنزيل.

يقول الشافعي: «فإن كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتَّبَع على التابِع وأولى الناس بالفضل في اللسان مَن لسانُهُ لسانُ النبي. ولا يجوز – والله أعلم – أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسانٍ غيرِ لسانه في حرف واحد، بل كلُّ لسان تَبَع للسانه، وكلُّ أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه»[38].

ويقول الماتريدي: « وقوله تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) (….) ( لعلكم تعقلون ) بأن فيه شرفكم لأنكم تصيرون متبوعين لما يحتاج الناس إلى معرفة ما فيه، ولا يوصل لذلك إلا بكم، فتكونون متبوعين، والناس أتباع لكم »[39].

وتعبّر هذه الأقوال عن المكانة التي احتلها العربي الأول في عملية التلقي، باعتباره حاملًا للّسان الذي نزل به القرآن، وواسطةً لفهم دلالاته ونقلها إلى غير الناطقين بهذا اللسان. غير أنّ هذه الوساطة، وإن كانت تستلزم اتباع غير العربي للعربي فيما يتعلق بمعرفة لسان التنزيل ومعهود خطابه، فإنها لا تستلزم أن يكون العربي الأول هو المتلقي الأصلي للقرآن على نحو يجعل سائر المتلقين تابعين له في إنتاج المعنى، ولا أن تكون ثقافته مرجعيةً حاكمة على المعرفة التي ينتجها الخطاب القرآني.

والفرق بين الأمرين جوهري ذلك أنّ الاحتكام إلى معهود العرب في ضبط الدلالة هو احتكام إلى مرجعية لسانية تؤمّن فهم الخطاب وتضبط حدود تأويله، في حين أنّ جعل الثقافة العربية حاكمة على المعرفة القرآنية هو انتقال بهذه المرجعية من وظيفة الوساطة في الفهم إلى سلطة تحديد آفاق المعنى.

وقد شهدت بعض الممارسات التفسيرية انزياحًا في وظيفة “العربي الأول”، حيث لم يعد حضوره مقتصرًا على كونه حاملًا للمعهود اللساني، بل امتدّ إلى استحضار رؤيته للعالم وثقافته في تفسير المعاني القرآنية، حتى غدت بعض المفاهيم تُقرأ من خلال الأفق الثقافي العربي أكثر مما تُقرأ من خلال النظام الدلالي الذي تنتظم فيه داخل القرآن[40].

غير أنّ هذا الانزياح لا ينبغي أن يُحمَّل لمعهود العرب في ذاته، ولا لمقصد الإفهام الذي أعاد الشاطبي توطين المعهود ضمنه، ذلك أنّ معهود العرب في البناء الشاطبي يؤدي وظيفة منهجية محكومة بمقصد الإفهام وبالاشتراك الجمهوري، غايتها تحقيق عمومية الفهم لا حصر المعنى في ثقافة مخصوصة. ولذلك فإنّ تحويل العربي من واسطة لسانية إلى مرجعية ثقافية حاكمة على المعنى ليس استكمالًا ضروريًا لهذا البناء، بل هو انزياح عن الوظيفة التي أُسّس لأجلها.

وهنا يتحدد الإشكال الذي تفرضه اللحظة الراهنة: كيف نستأنف الاحتكام إلى معهود العرب في فهم القرآن، ونستعيد وظيفته المنهجية، دون أن تتحوّل خصوصية المتلقي الأول إلى حاكمية ثقافية على المعرفة التي ينتجها القرآن؟

إنّ الجواب عن هذا السؤال هو ما قد يؤسس لمنعطف ثالث في تاريخ المفهوم، منعطف لا ينقض ما تأسّس مع الشافعي ونضج مع الشاطبي، وإنما يستأنف النظر في معهود العرب من داخل النسق الذي منحه وظيفته، ويفتح بذلك آفاقًا جديدة لفهم القرآن في ضوء إشكالات اللحظة الراهنة، ولإنضاج مفهوم معهود العرب ليواصل أداء وظيفته المنهجية.

آفاق الاستثمار: استئناف معهود العرب واستكشاف معهود القرآن

إنّ إعادة التفكير في معهود العرب هي استئناف للنظر في هذا المفهوم وفي الوظيفة المعرفية التي يؤديها في فهم القرآن، بما يفتح آفاقًا لإنضاجه على نحو يستجيب لإشكالات اللحظة الراهنة، دون أن يتنكّر لما تأسّس له في لحظتي الشافعي والشاطبي.

ولابدّ أن السؤال الذي يُطرح الآن هو: كيف نستأنف الاحتكام إلى معهود العرب في فهم القرآن دون أن تتحوّل مرجعيته اللسانية إلى حاكمية ثقافية على المعرفة التي ينتجها القرآن؟ وكيف نحفظ لهذا المعهود وظيفته في ضبط الدلالة دون أن نجعل من ثقافة المتلقي الأول سقفًا معرفيًا للمتلقين جميعًا؟

إنّ الجواب عن هذا السؤال يقتضي العودة إلى الكيف الذي تأسّس به مفهوم معهود العرب، واستحضار الوظيفة التي اضطلع بها في لحظتي تأسيسه وإنضاجه؛ فقد جاء الاحتكام إلى لسان العرب عند الشافعي لتحصين المعنى القرآني وضبط فهمه، ثم أعاد الشاطبي توطين هذا الاحتكام داخل مقصد الإفهام، باعتباره جزءًا من البناء المقاصدي الذي تتحقق به العلاقة التكليفية بين الشارع والمكلّف.

ولذلك فإنّ الإشكال لا يكمن في الاحتكام إلى معهود العرب في ذاته، وإنما في توسيع وظيفته إلى ما يتجاوز ضبط الدلالة اللسانية، بحيث تتحوّل ثقافة العربي الأول من أداة لفهم الخطاب إلى مرجعية حاكمة على المعرفة التي ينتجها القرآن. ومن هنا فإنّ استئناف النظر في معهود العرب ينبغي أن يتّجه إلى استعادة موقعه المنهجي داخل عملية التلقي، والتمييز بين ما يقتضيه فهم القرآن بلسان العرب وما يقتضيه فهم القرآن في ضوء نظامه الدلالي والمعرفي.

وفي هذا السياق تنفتح آفاق البحث على مفهوم آخر لم يحظ بما يستحقه من التقعيد المنهجي في المدوّنات الإسلامية، هو «معهود القرآن في الخطاب»، ذلك أنّ اشتراك القرآن مع العرب في الجهاز اللغوي لا يقتضي بالضرورة تطابق استعماله لهذا الجهاز مع الاستعمال العربي في جميع مستوياته الدلالية والمعرفية[41]. فالقرآن وإن توسّل لسان العرب في مخاطبتهم، فإنّ له نظامًا في بناء المفاهيم وتوجيه الدلالات وإقامة العلاقات بين المعاني، وهو نظام يستدعي النظر في خصوصيته والكشف عن الكيفية التي يُنشئ بها القرآن رؤيته للعالم.

وهكذا فإنّ البحث في معهود القرآن لا يقتضي إلغاء معهود العرب أو الاستغناء عنه، بل يقتضي التمييز بين وظيفتين متكاملتين: وظيفة المعهود العربي في ضبط الدلالة اللسانية للخطاب، ووظيفة المعهود القرآني في الكشف عن النظام المعرفي الذي ينتظم فيه هذا الخطاب. ذلك أنّ استحضار ما عهدته العرب في لسانها لا يستلزم جعل ما عهدوه في ثقافتهم ورؤيتهم للعالم مرجعًا نهائيًا لما ينتجه القرآن من معرفة.

ولعلّ هذا التمييز يفتح آفاقًا جديدة لمعالجة الإشكالات المتعلقة بتاريخية النص القرآني وعالمية خطابه، إذ يسمح باستحضار واقع النزول دون حصر القرآن في هذا الواقع، كما يسمح باستعادة وظيفة العربي الأول في ضبط الدلالة دون تحويله إلى مرجعية ثقافية حاكمة على المعنى. فالقرآن وإن اكتمل نزوله، فإنّ تنزيل هداياته على الوقائع يظلّ فعلًا متجددًا[42]، ولذلك لا ينبغي أن يظلّ فهم هذا الكتاب حبيس زمن النزول، بل أن يستوعب أزمنة التلقي المتعاقبة، دون أن تنفصم صلته باللسان الذي نزل به[43].

وعليه يمكن القول إنّ تتبّع التاريخ الإبستمولوجي لمعهود العرب، والكشف عن الوظائف المعرفية التي اضطلع بها في لحظتي تأسيسه وإنضاجه، يفتحان آفاقًا لاستئناف هذا المفهوم ضمن نظرية للتلقي تحفظ للمعهود العربي وظيفته المنهجية، وتفتح المجال للكشف عن خصوصية المعهود القرآني. وهو استئناف يؤسّس للجديد انطلاقًا من القديم، دون أن يتحوّل الوفاء للقديم إلى عائق أمام التجديد.

خاتمة

إنّ المفاهيمَ أجسادٌ لغوية متحركة عبر التاريخ، تختزن في أعماقها ذاكرة معرفية شاهدة على تاريخ الجدل بينَ العقلِ والإشكالات التي تُطرحُ عليه، ومعهود العرب -شأنه في ذلك شأن كلّ مفهوم- هو ذاكرةٌ تختزنُ بينَ ثناياها معطياتٍ عن السجال الذي خاضهُ العقل مع الواقع من جهة، والنص من جهة أخرى.

لذلك فإنّ تتبعَ المسارِ الذي يقطعُه مفهوم ما منذ نشأته إلى حين نضجه، يمكنُ أن يكونَ السبيل الأمثلَ لفهم الكيفِ الذي به تشكّلَ هذا المفهوم، ممّا يتيحُ فهمهُ وإمكانَ تجديده بما يتواءم مع اللحظةِ الراهنةِ وإشكالاتها.

ويجعلنا تتبع المسار المعرفي لمعهود العرب نخلص إلى أن هذا المفهوم لم يكن يوما مفهوما جامدا داخل التاريخ، بل لطالما كان مفهوما متحركا شاهدا على الحركة الدائبة التي عاشها العقلُ الإسلامي في تفاعله مع النصّ القرآني من جهة وإشكالات الواقع من جهة أخرى. ولذلك فإن التعامل الراهن مع النصّ القرآني ومع إشكالات الواقع ينبغي أن ينحو المنحى نفسه، بحيث يعيدُ العقلُ الإسلامي مساءلة معهود العرب في ضوء إشكالات اللحظة الراهنة، لا بقصد نقض ما تأسّس لهذا المفهوم من وظائف منهجية، وإنما بقصد استئنافها وإنضاجها بما يستجيب لهذه الإشكالات.

ولاشكّ أن مفهومَ معهود العرب بات يثيرُ اليوم إشكالات متصلة بالنصّ القرآني، بعضها متعلّق بعالمية خطابه وبعضها الآخرُ متعلّق بالقول بتاريخية أحكامه، وهيَ إشكالاتٌ تستدعي أن يدخل هذا المفهوم في منعطف جديد يعاد فيه النظر في وظيفته وحدود الاحتكام إليه، ويُميَّز فيه بين ما يقتضيه معهود العرب في ضبط الدلالة اللسانية، وما قد يُحمَّل به من سلطة ثقافية حاكمة على المعرفة التي ينتجها القرآن.

 ولعلّ هذا المنعطف يفتح آفاق البحث في مفهوم قديم-جديد لم يحظ بما يستحقه من التقعيد المنهجي في التراث الإسلامي، هو: معهود القرآن في الخطاب لا بوصفه نقيضًا لمعهود العرب، وإنما بوصفه أفقًا للكشف عن خصوصية النظام الدلالي والمعرفي الذي يؤسس له القرآن، دون إلغاء الوظيفة المنهجية التي يؤديها معهود العرب في فهمه.

هي فرصة إذن لاستنطاق المعرفة الإسلامية، واستئناف النظر في مفاهيمها وأدواتها، والظفر منها بما يمكن أن تكون أجوبةً يُسعف بها الماضي مستقبله الحاضر.