إن السنن: عادات الله تعالى وكلماته التي لا مبدل لها في الكون. وهي مستخلصة من سلوك الظواهر نفسها المتسمة بالاطراد والشمول والثبات والصرامة.
والسنة بصفة عامة، سواء كانت كونية (طبيعية) أو بشرية (تاريخية، اجتماعية) لها خصائصها. أي أنها: ربانية المصدر، شاملة، ثابتة، مطردة، صارمة، متنوعة. كما أنها مرتبطة أشد الارتباط في وحدة نظامية متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض، حيث تتماسك في اتساق وترتيب محكم، لتُكَوِّنَ في النهاية نظاماً متناسقاً بديعاً.
ومن المعلوم أن ما يجري في الكون يتعلق بأفعال الله تعالى وسننه التي هي عاداته في تدبير الكائنات. وهي مستخلصة من سلوك الظواهر نفسها المتسمة بالاطراد والثبات والشمول والصرامة، سواء عرفناها عن طريق الوحي: “سنن اجتماعية وسنن تاريخية” أو عن طريق العقل والتجربة: “سنن طبيعية”.
ولما كان مفهوم السنن الطبيعية والاجتماعية والتاريخية قائما على الإطراد والتتابع، فإنها بالتالي تنطبق على عدد لا حصر له من الأحياء، حيث إنها أشبه ما تكون بقانون علمي متميز يمكن به ضبط الواقع والتحكم فيه.
وعلى أساس السنن الاجتماعية – وهي موضوع هذا الكتاب – يمكن التنبؤ بما سيحدث في مجتمع ما من خلال سلوك هذا المجتمع. والمجتمعات المسلمة والكافرة بما تمارسه من أنماط سلوكية، إنما هي كتاب مفتوح نقرأ فيه سنن القرآن الكريم وهدايته على أوسع نطاق.
ونحن المسلمين يحق لنا أن نفخر بأن السنن عندنا يقينية، لأنها ليست من وضع الإنسان، وإنما نستمدها من الوحي؛ من علم الله تعالى المطلق الذي لا يخطئ. وقد بسطها القرآن الكريم وبيَّنتها السنة الشريفة. وإن ما يُطلب منا من السير في الأرض إنما هو وسائل إيضاح معينة على الفهم والإدراك.
وبما أن السنن مصدرها الوحي، فهذه خاصية من خصائص الأمة الإسلامية، لأن الأمم الأخرى قديماً حديثاً لا تعرف السنن. والغرب رغم معرفته للعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلا أنه يجهل السنن التاريخية والسنن الاجتماعية ولا علم له بها، وإن كان قد أَلَمَّ ببعض السنن الطبيعية عن طريق المنهج التجريبي في علوم المادة.
إن السنن الطبيعية والتاريخية الاجتماعية الواردة في القرآن الكريم، قوانين علمية قائمة على الثبات والاطراد والشمول والصرامة والتنوع. ومن ثم فوظيفتها هي كشف أسرار الكون الطبيعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان، وضبط الواقع الاجتماعي والتحكم فيه، والتعرف على حركة التاريخ للاعتبار، والاستفادة منها في بناء الحاضر ورؤية والمستقبل.
على أن القرآن الكريم يحدد سياقات اجتماعية واقعية في إطار القصص القرآني، ليستخلص بعد ذلك “سننا عامة وخاصة” تنطبق على جميع المجتمعات البشرية. ومن خلالها يحدد منهجاً للنظر والاستقراء لتحليل أحداث التاريخ الإنساني والفعل الاجتماعي تحليلاً علمياً عبر الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي ضوء ما سبق، فإن من المسلّمات التي تقررت من خلال هذا الكتاب، أن معرفة نظام السنن بصورة صحيحة هو الطريق الوحيد المأمون إلى:
- تحديد موقع الإنسان في هذا الوجود ودوره و قيمته بين مكوناته.
- رد كلّ حادثة وكل ظاهرة إلى سببها الطبيعي والشرعي.
- إبراز حكمة الله تعالى وراء خلق هذا الوجود، وجدية الحياة، وخلوها من العبث وثبات سننها وصرامتها واطرادها.
- تفسير حركة المجتمعات الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل تفسيراً علمياً شاملاً وصحيحاً. وقد تم إلقاء الضوء في القسم التطبيقي من هذا الكتاب (الجزء الثاني والجزء الثالث) على حقب وفترات تاريخية مختلفة تشمل التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر. بل ومنها ما له علاقة بالمستقبل من خلال الوحي. فتبين من ثنايا ذلك كله ثبات وشمول السنن الإلهية، وأنها مطردة وماضية في جميع الأمم والدول، لا تستطيع أمة أن تفلت من سلطانها، أو تستثنى منها دولة.
فكل التجارب البشرية القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة الموزعة على أقطار الأرض في الزمان والمكان تحكمها السنن الإلهية.
فهي بذلك تراث وسِجِلٌّ من الدروس والعبر لكل الناس في هذا العصر ليستفيدوا منها، ويتذكروا ما وقعت فيه الأمم والدول في الماضي القريب والبعيد، لئلا يكونوا معرضين لإعادة دفع الثمن مرة أخرى في حياتهم، إن كانت لهم أعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها وقلوب يعقلون بها.
محتويات كتاب السنن الاجتماعية في القرآن الكريم
يتألف هذا الكتاب من ثلاثة مجلدات:
- يتناول المجلد الأول القسم النظري (التأصيلي) وفيه 582 صفحة.
- ويتناول المجلد الثاني القسم التطبيقي، وفيه 734 صفحة، ويشمل السنن العامة ذات العلاقة بالمؤمنين والكافرين.
- ويتناول المجلد الثالث القسم التطبيقي أيضاً، وفيه 696 صفحة، ويشمل السنن الخاصة بالمسلمين والسنن الخاصة بالكافرين.
المجلد الأول من كتاب السنن الاجتماعية في القرآن الكريم
وسيقتصر حديثي على المجلد الأول، وفيه مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب. على أن الباب الأول يلقي الضوء على “مدخل إلى علم السنن”. وفيه تسعة فصول.
- في الفصل الأول: تعريف السنن.
- وفي الفصل الثاني: دراسة في مصادر علم السنن.
- وفي الفصل الثالث: أهمية علم السنن.
- وفي الفصل الرابع: علاقة السنن بالوحي،
- وفي الفصل الخامس: السنن الطبيعية.
- وفي الفصل السادس: السنن التاريخية،
- وفي الفصل السابع: السنن الاجتماعية.
- وفي الفصل الثامن: خصائص السنن.
- وفي الفصل التاسع: السنن إطار للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ويتناول الباب الثاني السنن العامة في المؤمنين والكافرين. وفيه مدخل هام عنوانه: قانون السببية قانون عام تنجذب إليه أو تدور في فلكه السنن. وفي هذا الباب تسعة فصول. في الفصل الأول: سنة الابتلاء، وفي الفصل الثاني: سنة التغيير، وفي الفصل الثالث: سنة الإعداد وسنة التدافع، وفي الفصل الرابع: سنة المداولة وسنة الكثرة، وفي الفصل الخامس: سنة الفطرة وسنة الاستخلاف العام وسنة العطاء، وفي الفصل السادس: سنة الإرادة وسنة الإصلاح وسنة الرخاء، وفي الفصل السابع: سنة الأمر وسنة البلاغ المبين وسنة التبعة الفردية وسنة التبعة الجماعية، وفي الفصل الثامن: سنة الأضداد وسنة الخذلان وسنة التسليط، وفي الفصل التاسع: سنة الاستبدال وسنة الجزاء وسنة الأجل الجماعي.
وأما الباب الثالث فيتناول السنن الخاصة، وفيه قسمان: السنن الخاصة بالمؤمنين والسنن الخاصة بالكافرين. في هذا الباب عشرة فصول. في القسم المتعلق بالسنن الخاصة بالمؤمنين خمسة فصول، الفصل الأول وفيه: سنة التمحيص وسنة الصبر وسنة التقوى. الفصل الثاني وفيه: سنة الاعتدال وسنة الثبات على المبدأ وسنة القلة وسنة النصر. الفصل الثالث وفيه: سنة الاستخلاف الخاص وسنة تمكين الرضا وسنة السعادة. الفصل الرابع وفيه: سنة الاعتبار وسنة الشورى وسنة الوحدة. الفصل الخامس وفيه: سنة الحفظ وسنة الفلاح.
وفي القسم المتعلق بالسنن الخاصة بالكافرين خمسة فصول. الفصل السادس وفيه: سنة التماثل وسنة الترف وسنة الإفساد. الفصل السابع وفيه: سنة الظلم وسنة البطر وسنة المعصية. الفصل الثامن وفيه: سنة الضنك وسنة الاختلاف وسنة الزبد. الفصل التاسع وفيه: سنة تمكين الاستدراج وسنة الاغترار وسنة الاستدراج والإملاء. الفصل العاشر وفيه: سنة المكر وسنة الطبع، وسنة الهزيمة، وسنة الخسران، وسنة الهلاك، وفي ذيل هذا المجلد خاتمة.
معلومات الكتاب
- العنوان : السنن الاجتماعية في القرآن الكريم وعملها في الأمم والدول 1-3
- المؤلف : أ. د. محمد أمحزون
- الناشر: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت
- ISBN الرقم الدولي: 978-614-415-381-9
- رقم الطبعة : الأولى
- تاريخ النشر : 2021 م